; في سوريا الأزمة الاقتصادية والتغيير الوزاري المحتمل | مجلة المجتمع

العنوان في سوريا الأزمة الاقتصادية والتغيير الوزاري المحتمل

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 18-فبراير-1986

مشاهدات 76

نشر في العدد 755

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 18-فبراير-1986

  • الأزمة التي يعيشها الاقتصاد السوري تعكس فشل السياسة الاقتصادية التي انتهجتها الحكومة السورية خلال السنوات المنصرمة

مع كوننا لا نهتم كثيرًا بقضية انتخابات مجلس الشعب السوري التي جرت في الأسبوع الماضي، إلا أنها لفتت نظرنا إلى قضية أخرى كان من الممكن أن تضيع في زحمة الدعاية الكبيرة، التي أعطيت لتلك الانتخابات من قبل الإعلام السوري لكون هذه القضية قد تزامنت مع موعد الانتخابات، ونقصد بها قضية قيام الأجهزة الأمنية باعتقال العاملين في مهنة الصرافة وتجار الذهب.. في القطاع الخاص، وكانت جريدة القبس الكويتية، قد ذكرت في عددها الصادر بتاريخ 10 فبراير الجاري ما يلي: «قامت السلطات السورية المختصة، خلال الأيام القليلة الماضية، بحملة قوية ضد تجار العملة، وكذلك تجار الذهب، واعتقلت عددًا كبيرًا من هؤلاء».

التدهور المستمر لليرة السورية

لم نكن لنهتم كثيرًا بخبر اعتقال تجار العملة، الذي أشارت إليه صحيفة القبس الكويتية لولا أننا نعيش ونلمس التدهور الملحوظ والمستمر لليرة السورية إلى الحد، الذي جعل هذا الانخفاض المتسارع حديث الساعة بالنسبة للغالبية العظمى من المواطنين السوريين في الداخل وفي الخارج على السواء.. وهذا من شأنه أن يعطي المراقب مؤشرًا على مدى الحالة السيئة التي يعيشها الاقتصاد السوري وخاصة أن الواقع الملموس يشير إلى الارتفاع الجنوني للأسعار الذي يسير ضمن خط بياني تصاعدي ليس سنة بسنة أو شهرًا بشهر ولكن يومًا بيوم، بحيث ينام المواطن على سعر ويصحو على سعر جديد مرتفع.

وقد أدى ذلك إلى حدوث فوضى واضطراب في سياسة الأسعار لا مثيل لها بتاريخ سوريا جعلت المواطن العادي لا يدري كيف يرتب أموره الاقتصادية، وكيف يجري عملية التوازن بين الدخل والمصروف..

فعلى سبيل المثال نجد أن الشقة المعروضة للبيع يرتفع سعرها من 200 ألف إلى 300 ألف إلى 400 ألف إلى 500 ألف خلال بضعة شهور إلى أن تصل إلى المليون أو يزيد، وهذه الأسعار نجدها في المحافظات السورية باستثناء دمشق وحلب حيث نجد أن سعر الشقة يكاد يصل إلى المليونين.. وبالتالي فإن هذا يعني ببساطة أن الاقتصاد السوري يعيش حالة من التضخم الذي سيؤدي إن لم توضع خطة محكمة وعاجلة لعلاجه إلى الانهيار التام للاقتصاد السوري.. وكما يقول أحد المهتمين بالأوضاع الاقتصادية إن الوضع الاقتصادي في سوريا يشبه إلى حد كبير البالون، الذي تنفخ فيه ثم تستمر بالنفخ إلى أن يأتي الوقت الذي ينفجر فيه ذلك البالون، والمتتبع لأسعار العملات يلاحظ أن سعر الدينار الكويتي على سبيل المثال وصل إلى «55» ليرة سورية تقريبًا، مع التذكير بأن الدينار الكويتي لم يكن يتجاوز سعره عام 1975 «12» ليرة سورية، والدولار الأمريكي وصل سعره إلى «18» ليرة سورية بينما لم يكن يتجاوز الـ «7» ليرات قبل عشر سنوات، وهذا الانخفاض الخطير يعكس حقيقة الأوضاع الاقتصادية السورية، ويعني أيضًا المزيد من المعاناة المعيشية للمواطن.

الأزمة والتغيير الوزاري المحتمل

الذي لا بد من قوله إن هذه الأزمة التي يعيشها الاقتصاد السوري تعكس فشل السياسة الاقتصادية، التي انتهجتها الحكومة السورية خلال السنوات الماضية، وبالتالي فإن أي توجه نحو معالجة هذه الأوضاع الاقتصادية المتردية لا بد أن يلازمه أحداث تغيير في التشكيل الوزاري القائم، إن لم يكن في مجمل الوزارة فعلى الأقل في الوزارات التي لها علاقة في القضية الاقتصادية كوزارات الاقتصاد والتخطيط والمالية.. إلخ.

وإن كان موضوع التغيير الوزاري في سوريا قد نوقش همسًا هنا وهناك قبل الإعلان عن انتهاء مدة مجلس الشعب، فإن هذا الهمس قد ارتفع صوته بعد الانتهاء من انتخاب مجلس جديد نظرًا لأن الفرصة أصبحت مواتية لإحداث التغيير الوزاري المطلوب.. ولهذا نجد أن بعض المراقبين بدأوا يتحدثون عن وجود مثل هذه الاحتمالات، فقد ذكرت صحيفة القبس الكويتية في عددها الصادر بتاريخ 10 فبراير الجاري أن حكومة عبد الرؤوف الكسم، ستقدم استقالتها خلال الأيام القليلة القادمة وعلى الأرجح بعد افتتاح الدورة الجديدة لمجلس الشعب، وقالت الصحيفة إن الدكتور محمد العمادي وزير الاقتصاد في حكومة الكسم يعتبر من أقوى المرشحين لخلافة الكسم في منصب رئاسة الحكومة.

والحديث عن حدوث تغيير وزاري محتمل بدأ يناقش في العديد من الصحف العربية فقد ذكرت صحيفة الوطن الكويتية في عددها الصادر، بتاريخ 14 فبراير الجاري، أن سوريا قد تشهد قريبًا تغييرات على جانب كبير من الأهمية ربما تشمل نواب رئيس الجمهورية الثلاثة الحاليين بهدف إعادة توزيع اختصاصاتهم.. كما ذهبت صحيفة الراية القطرية إلى الاعتقاد نفسه وزادت عليه مسألة إبقاء رفعت أسد بمفرده في موقع نائب رئيس الجمهورية وإلحاق عبد الحليم خدام بالتشكيل الوزاري المحتمل.

والذي يعنينا في موضوعنا هو احتمال تكليف الدكتور محمد العمادي بتشكيل الوزارة على اعتبار أن العمادي شخصية اقتصادية تناسب المرحلة القادمة إضافة إلى أن العمادي يملك صلات وثيقة مع العديد من المراكز الاقتصادية العربية والعالمية كان قد اكتسبها من خلال وظيفته السابقة كمدير عام للصندوق العربي للتنمية في الكويت.. والمعتقد أن تكليف العمادي يهدف إلى تمكين الحكومة من فتح مجالات جديدة لاستثمار رؤوس الأموال المحلية والعربية في القطاع الخاص السوري.

إضافة إلى وضع الخطط اللازمة لضبط الارتفاع الجنوني للأسعار والحد من ظاهرة التضخم الخطير.

الإمكانات والحلول

حتى من قبل أن يظهر أي تشكيل وزاري جديد لا بد أن نقرر حقيقة الأوضاع الخطيرة التي يعيشها الاقتصاد السوري، وبالتالي فإنه لا يمكننا أن نتوقع للحكومة الجديدة سواء كان على رأسها محمد العمادي أو غيره تحقيق النجاح المطلوب لأن القضية لا تتعلق بشخص معين بذاته بل بالإمكانات المتاحة التي تمكن هذا الشخص من وضع الحلول المناسبة لعلاج الأزمة.. فالقطر السوري وبدون أدنى شك يملك خبرات اقتصادية ممتازة تملك القدرة على التنظير والتخطيط، ولكن هل يمكن لهذه الخطط أن تجد النجاح المطلوب بدون أن يكون إلى جانبها إمکانات متاحة تمكنها من تحقيق هذا النجاح؟؟!

إن حقائق الوضع المالي السوري تشير إلى قلة الموجودات النقدية من العملة الصعبة في الخرانة السورية وذلك يعود لأسباب عديدة منها ضعف الإنتاج العام الزراعي والصناعي، وضعف التصدير.. ولولا الموجودات النقدية من العملة الصعبة التي دخلت الخزينة السورية من أموال الدعم العربي التي تدفعها الدول العربية الخليجية لوصل الاقتصاد السوري إلى الانهيار الكامل.. ومن هنا فإن الدولة لا تملك رصيدًا من العملات الأجنبية يمكن أصحاب الخطط الاقتصادية من تنفيذ خططهم مهما كانت هذه الخطط محكمة ومدروسة.

إن الخطط تحتاج إلى إمكانات وهذه الإمكانات لا تتوفر إلا من خلال إعطاء من يكلفون بوضع الخطط الصلاحيات التامة لإجراء تغييرات جذرية في بنية الاقتصاد السوري ونسف الأسس الواهية التي يقوم عليها ذلك الاقتصاد.. وإلا فإن مئات وآلاف الخطط لن تجدي نفعًا وسيستمر التدهور حتى الانهيار التام.

ونحن نعتقد أن الإصلاح السياسي يجب أن يسبق الإصلاح الاقتصادي الذي يرتبط ارتبارطًا كليًا بالإصلاح السياسي.. وأول مظاهر هذا الإصلاح إعطاء المواطن كافة الحقوق التي تمنحها إياه مواطنيته وعلى رأسها الحرية السياسية والأمنية والتعبيرية.. وإذا ما تحقق ذلك فإن الرقابة الشعبية الحقيقية تتوفر تلقائيًا وبالتالي فإن هذه الرقابة يمكنها صيانة المال العام من الضياع والسرقة والاستغلال السيئ للسلطة.. وهذا هو ما أدى حتمًا إلى الأزمة الاقتصادية الراهنة.

الرابط المختصر :