العنوان في ظلال انتفاضة الأقصى بين الإرجاف والانكفاف
الكاتب د. عيد عبد الحميد
تاريخ النشر السبت 05-يناير-2002
مشاهدات 52
نشر في العدد 1483
نشر في الصفحة 46
السبت 05-يناير-2002
وفي خضم الزحاف يطلع علينا صنف آخر من أهل الإرجاف، يزينون لحلول يلبسونها لبوس النصر والظفر، ويحيطونها بهالة من الفخر، على أنها مكاسب أنجزت، وحقوقًا انتزعت، فلا تذهب النفوس بعدها حسرات على شعلة الجهاد إن هي أخمدت، إذ يخيلون للعوام أن نفرة الجهاد قد حققت الهدف المنشود، وأحرزت الغرض المقصود، معولين على ما قطع لهم من وعود، ومواثيق أشهد عليها وعهود، يرومون مخادعة أهل الجهاد، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، لأن أهل الجهاد حفتهم عناية رب العباد، كما نوه القرآن بذا وأفاد ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت:69)، قال سفيان بن عيينة: «إذا رأيت الناس قد اختلفوا، فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول: لنهدينهم سبلنا» القرطبي 13 / 378.
فحذار حذار من دعاوى هذا الصنف الذي يؤسس بنيانه على شفا جرف هار، لا يلبث أن ينهار.
ومنهم صنف أقحم نفسه في شر مستطير، وواقعهم يفجر في النفس الأسى الكبير، إذ تجدهم بدل أن يكرسوا وقتهم، ويستفرغوا جهدهم لتفعيل الجهاد، وتعزيز سبل المقاومة، ويوصدوا في وجه عدوهم أبواب التفاوض والمساومة، جنحوا إلى تبادل العتاب والملاومة، مع مؤسسات وهيئات دولية، يطرقون أبوابها بصفة يومية، لاستصدار قرار واستخلاص تقرير، يدين العدو ويظهر أنه المعتدي الشرير، وكأن العدو يقيم لتلك القرارات أو المؤسسات وزنًا - إلا ما أشرب من هواه - وكأن إدانتها له تقوم مساره وممشاه، وكأن هذا التقرير سوف يسمن أهل فلسطين ويغنيهم من جوع، ويضمد جرحهم النازف ويكفكف لثكلاهم الدموع، ويبعث الأمل لدى البراعم الشموع، ويطفئ لهيب القلب الموجوع، جراء فراق أهل له وأحبة عاشوا بين ظهرانيهم في أحضان التلال والربوع، غيبهم تحت الثرى اعتداء غاشم مصروع.. وكان الأجدى بهم بدل أن يشكوا الظلم للظلام، أن ترتفع أكفهم لذي العز الذي لا يضام، ويستفيقوا من أحلام اليقظة والمنام، ليدركوا أن من يستجيرون به سوف يمر على مآسيهم مرور اللئام.
وأما أهل الانكفاف فقوم نأوا بأنفسهم عن الأحداث، فلم يولوا قضايا أمتهم أي اكتراث، حتى وإن تحزَّبت الأمم على أمتهم وأطبقوا عليها، أو مورس عليها التعذيب والبطش والتنكيل والإبادة والاجتثاث، أو صلَى العدو بحرابه أمتهم صليًا، سيتخذون ذلك كله وراءهم ظهريًا، ويعيشون عن الأحداث في عزلة نفسية وحسية، ولن تجد من أقلامهم أو جهدهم أو أموالهم ما اتخذ لنصرة القضية سخريًا، فلم يواسوا بما أوتوا من أقعدته الأحداث جثيًا، ولم ينفعوا بها من المجاهدين إنسيًا، لذا جازاهم القرآن بأن جعلهم نسيًا منسيًّا، فأخمد ذكرهم، وحط شأنهم ولم يعبأ بمصيرهم، إلحاقًا بهم بأشياعهم وأضرابهم ممن جاء في سورة الأحزاب التنديد بهم ﴿وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ﴾ (الأحزاب: 20)، أو في سورة الأعراف من إغفال لمصيرهم ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 164-165)، فبينت الآيات مصير الناهين عن انتهاك الحرمات، ومآل من اجترح السيئات، في حين أن أهل الانكفاف لفتهم أزمنة النسيان، وتجاوزتهم عناية الرحمن، وكفى بذلك امتهانًا لهم وخذلان.
ولله در من قال:
أو كلما ضاءت بأفقي نجمة * جاءت لتطفئها جيوش أبي لهب.