; في ظل الاحتلال الأمريكي: أفغانستان تتحول إلى إمبراطورية مخدرات | مجلة المجتمع

العنوان في ظل الاحتلال الأمريكي: أفغانستان تتحول إلى إمبراطورية مخدرات

الكاتب حفيظ الرحمن الأعظمي

تاريخ النشر الجمعة 25-يونيو-2004

مشاهدات 59

نشر في العدد 1606

نشر في الصفحة 44

الجمعة 25-يونيو-2004

*كثير من حكام أفغانستان متورطون في مستنقع المخدرات إنتاجًا وتجارة.. والمافيا تغتال كل من يحاول تهديدها.

*تقرير الأمم المتحدة في ديسمبر الماضي: تجارة المخدرات شهدت زيادة بنسبة 106% خلال عام.

*أمريكا أسهمت في ترويج المخدرات في أفغانستان إبان الغزو السوفييتي، وحين انقلب السحر على الساحر أنفقت الملايين للقضاء عليها دون جدوى.

زراعة الحشيش في بعض المناطق القبلية بأفغانستان مهنة قديمة، لكن لم يكن لدى تجارها من الآلات والأدوات التي تمكنهم من تحويل الحشيش إلى الهيرويين ثم إلى الكوكايين، فتقدمت أمريكا وزودتهم بالآلات اللازمة لهذا الغرض إبان الغزو السوفييتي، وبذلك عرفت أفغانستان بأنها معقل تجارة المخدرات بأنواعها المختلفة، ثم لما رأت أمريكا أن السحر بدأ ينقلب على الساحر، وتعودت فئات كثيرة من المجتمع الأمريكي على تجرع السم الأبيض، أنفقت الملايين للقضاء على زراعة الحشيش وإنتاج المخدرات، وتكاتفت معها الأمم المتحدة، غير أن الحشيش ظل ينبت على التراب الأفغاني حتى الآن، ولم تفلح معه كل وسائل المقاومة، باستثناء ما حدث في أواخر عهد طالبان حين أصدر الملا عمر قراره القاضي بمنع الناس من زراعة الحشيش، ونص القرار على معاقبة كل من يتورط في هذه الجريمة عقابًا رادعًا، فانكمشت الظاهرة وكادت أن تختفي تمامًا. 

ثم جاءت أحداث سبتمبر وتوجهت الأصابع الأمارة بالسوء إلى أفغانستان لتنتقم من نظام طالبان، وضريت هذه البلاد المشحنة بالحروب والمجاعات، وسقط نظام طالبان، وحل محله نظام كرزاي المدعوم أمريكيًّا، فأخذت تجارة الحشيش تلقى رواجا واسعًا في أنحاء البلاد وضواحيها، حتى أقبل أصحاب الأراضي في المناطق التي لم تكن زراعة الحشيش معهودة فيها على زراعتها.

يزرعون الحشيش حتى في المنازل

وأفادت مصادر موثوقة أن زراعة الحشيش أصبحت الشغل الشاغل للفلاحين في ولايات «سربل» و«بلخ» و «تاخار» و«جوز خان» و«فارياب» الشمالية؛ لدرجة أن الذين يتقلدون منهم مناصب حكومية لا يزرعون في أراضيهم إلا الحشيش، وقد بلغ حجم الكارثة مبلغًا عظيمًا، بعد أن بات الناس في هذه الولايات يزرعون الحشيش في دهاليز البيوت وأفنيتها أيضًا؛ طمعًا في الدخول الباهظة التي يدرها عليهم، فإنتاج كمية معينة من القمح والحشيش تحتاج إلى جهد جسدي يكاد يكون متساويًا، لكن الفارق ضخم في العائد المادي الناتج عنهما، الأمر الذي نجم عنه عدم وفرة المواد الأولية كالقمح والأرز بسبب انصراف الناس عن زراعتهما.

الأسعار

الإحصائيات التي توصلنا إليها خلال جولة ميدانية تفيد بأن سعر كيلو الهيروين العادي يقدر بـ (٥٠) ألف روبية أفغانية، وأن سعر الكمية ذاتها من النوع الممتاز يقدر بواقع (١٥) ألف دولار، ولذلك يداعب الفلاحون في أفغانستان حلم الانضمام لقائمة المليارديرات بين عشية وضحاها، وأقصر طريق إلى هذا الهدف هو زراعة الحشيش والمتاجرة في الهيروين والكوكايين، وقد علمنا من أحد المتاجرين في الهيروين أنه يصدر هذا السم الناقع إلى الدول الأوروبية وروسيا عبر منافذه الخاصة، ففي روسيا تبلغ قيمة الكيلو ما يقرب من (٣٠) ألف دولار، أما في أوروبا فيقدر ثمن هذه الكمية بما يقارب (٥٠) ألف دولار، وأضاف أنه لا يصدر إلى الدول الخارجية إلا النوعية الجيدة، وعندما سألناه عن طريقته في التعامل مع النقاط الأمنية ونقاط التفتيش وكيفية تجاوزها قال -مبتسمًا- إنه لا يواجه أي مشكلة! فكثير من الحكام في أفغانستان متورطون في هذه التجارة، فكيف يمكن أن يمنعونا من ذلك؟ وفي باكستان نرشي المسؤولين، وبالتالي نحصل على جميع التسهيلات.

دروب خاصة بالمخدرات

سألنا ذلك التاجر عن المنافذ التي يجري من خلالها تهريب المخدرات للخارج، فقال: إن أفضل الطرق إلى دول آسيا الوسطى وروسيا هي مديريتا: درواز وخوم دشت بولاية بدخشان المتاخمة لطاجيكستان، نهر «آمو»، ولاية تاخار، مديرية شيرخان بندر بولاية كندوز ومنطقة «حيرتان» و«شورتبيه» و«كلدا» بولاية جوز خان، كما يتم تهريب المخدرات عبر منطقتي «تور غندي» و«إسلام قلعه» بولاية هيرات إلى إيران، ومنها إلى تركيا وأوروبا الشرقية. وإضافة إلى ذلك يتم تهريب الهيروين عن طريق باكستان جوًّا وبحرًا إلى وسط أوروبا وأوروبا الغربية وأمريكا الشمالية واللاتينية.

بعد تنصيب كرزاي رئيسًا لأفغانستان أعلنت أمريكا عزمها على طي صفحة المخدرات ومنحت أموالًا طائلة للوردات الحرب وحكام الأقاليم للعمل على تحجيم هذه الظاهرة؛ غير أنهم أودعوا هذه الأموال في حساباتهم الخاصة، وظلت الأمور كما كانت. ثم إن الأمريكان كانوا يمنحون كل من يتخلى عن زراعة الحشيش وإنتاجه حوالي (٤٠٠) دولار أمريكي مقابل كل هكتار، فيما يكسب الفلاح عندما يزرع هذه المساحة بالحشيش آلاف الدولارات، ثم إن مافيا المخدرات قوية جدًّا لدرجة أن بعض العمال والممثلين الحكوميين الذين أرسلتهم الحكومة المركزية إلى الأقاليم والقرى لإقناع الناس بالكف عن زراعة الحشيش جرى قتلهم. وبعد أن تقلد فهيم منصب وزير الدفاع قدم إلى جلال أباد في جولة تفقدية وفي الطريق تعرض لمحاولة اغتيال من قبل تلك المافيا، وهذا من دلائل قوتها ونفوذها، وقامت القوات الأمريكية بإمطار المواد الكيماوية على زراعات الحشيش، ولكن حتى هذه الحيلة لم تنفع، فاضطرت بعد أن جربت كل الحيل إلى الاعتراف بأن تصفية البلاد من المخدرات زراعة ومتاجرة عملية صعبة تتطلب جهودًا جبارة لسنين عددًا.

وقد صرح ناطق باسم القوات الأمريكية أن بعض العناصر المركزية في الحكومة متورطة في ترويج المخدرات، الأمر الذي يصعِّب القضاء عليها.

انتظروا ٢١ سنة!

ويبدو أن بريطانيا معنية كذلك بقضية المخدرات؛ حيث صرح متحدث باسم خارجيتها بأن عملية تنقية أفغانستان من المخدرات قد تتكلل بالنجاح بعد حلول عام ٢٠٢٥م: بشرط وجود حكومة مركزية قوية، وقد وقعت بريطانيا مؤخرًا على اتفاقية مشتركة مع حكومة كرزاي ترمي إلى القضاء على ظاهرة المخدرات وتتضمن خطة عمل مشتركة تمتد عشر سنوات، وقدمت بريطانيا بموجبها في المرحلة الأولى معونة مالية تصل إلى خمسة ملايين دولار.

وفي تقرير أصدرته الأمم المتحدة في ٢٠٠٣/١٢/١م، جاء فيه أن تجارة المخدرات شهدت تزايدًا بنسبة ١٠٦٪ خلال العام الماضي مقارنة بالعام الذي سبقه، حيث تم إنتاج (٣٨٠) طنًّا لغاية هذا التاريخ، ولعل هذا من الدلائل على فشل أمريكا وحلفائها في أفغانستان خاصة، ولهذه الظاهرة أثر مباشر على قواتها الموجودة في البلاد؛ حيث ذكرت التقارير الموثوقة أنها تعودت على تجرع السم الأبيض، وكان الطيار الذي قصف القوات الكندية -فأودى بحياة الكثيرين منها- قد فقد وعيه بفعل المخدرات. وقد اتهم نائب وزير الخارجية البريطاني، بل راميل الذي سوف يستضيف في فبراير المقبل «المؤتمر الدولي لمكافحة المخدرات في كابول» الإدارة الأفغانية بالتكاسل في المهام الموكولة إليها، واعتبرها السبب الأساسي في فشل الجهود الرامية إلى طي صفحة المخدرات، وأضاف «راميل» في حديث للصحفيين في العاصمة الأفغانية كابل أن قضية المخدرات مرتبطة بالأمن، وكلما عمت الفوضى وانعدم الأمن تفاقمت مشكلة المخدرات، وقال إننا لا يمكننا أن نقوم بهاتين المهمتين في آن واحد، مشيرًا إلى أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق حكام البلاد غير أنهم لا يبدون التعاون معنا. وقال «راميل» لو سدت المنافذ وطرق تهريب المخدرات إلى خارج البلاد، فإن أسواقها سوف تكسد، وبالتالي ستأخذ طريقها إلى الذوبان والتلاشي بمضي الوقت، وكانت بريطانيا قد تعهدت بدفع ٧٠ مليون دولار لمحاربة المخدرات.

وفيما يخص اقتراح «راميل» بضرورة سد المنافذ والطرق التي تتسرب منها المخدرات إلى خارج البلاد، فإنه أحد الحلول المطروحة وفي حالة ترجمته على أرض الواقع سيكون له أثر قوي، غير أن هذا الاقتراح قد يتعذر تطبيقه، فطبقًا للتقارير الموثوقة صودرت خلال العام الجاري كمية من المخدرات بلغت ٥ أطنان عند الحدود الأفغانية الملاصقة لطاجيكستان، ولكن سرعان ما جاءت الأوامر من شخصيات حكومية بارزة فأعيدت البضاعة إلى أصحابها!

ويذكر أن هناك ١٢ ألف جندي يعملون على حراسة هذه الحدود، وفي المناوشات بين عصابات تهريب المخدرات، وهذه القوات سقط عدد يتجاوز العشرين خلال النصف الثاني من العام الجاري، وقال مسؤول في حكومة كرزاي -طلب عدم ذكر اسمه- أن هناك سوقًا عالمية ضخمة لتجارة المخدرات في ولاية «هلمند» الجنوبية، ويسيطر عليها حاكم الإقليم ملا شير محمد أخوند وهو يزرع الحشيش في أراضيه التي تقدر بمئات الهكتارات، كما أن شقيق وزير الدفاع قاسم فهيم، ويدعى د. زبير يزرع الحشيش في أراضيه أيضًا في مديرية «بازاراك» بولاية «بروان» الوسطى، كما أنه مصرح له من قبل حكومة كرزاي باستيراد الخمور إلى البلاد!! وهو إضافة إلى ذلك يسطو على عقارات الناس في كابول وممتلكاتهم بقوة السلاح، ويتم صرف عائدات حقول المخدرات في المناطق الشمالية لصالح «شوري نظار» الذي كان أحمد شاه مسعود قد أسسه، وبعد ما تذهب هذه العائدات الضحمة لحساب «شورى نظار» يتم صرف معظمها في شراء السلاح من الهند وروسيا.

وإذا انتقلنا إلى المناطق الشرقية فإن «سميع ديوانه، شقيق القائد العسكري للأقاليم الشرقية «حضرت علي» يزرع الحشيش في آلاف الهكتارات، ويقوم بإيداع عائداتها في حساباته لدى البنوك الأجنبية، ويعتبر واحدًا من كبار الأثرياء في أفغانستان البالغ عددهم ٢٥ شخصًا.

وقد اتهمت الأمم المتحدة ممثلة في برنامج إدارة مكافحة المخدرات NCA في تقرير لها صدر يوم ٢٠٠٣/١٢/١٥م بعض العناصر القيادية في حكومة كابول بالضلوع في الاتجار بالمخدرات. وقال نائب رئيس NCA ايدوم بولوكي، أن بعض الحكام يقومون بتهريب المخدرات أو نقلها من منطقة لأخرى في السيارات العسكرية والحكومية، وقد تسلمت الحكومة الأفغانية ٣ ملايين دولار من أمريكا وحدها خلال عام لمكافحة المخدرات، غير أن المبلغ تم إيداعه في حسابات شخصية لبعض الحكام!.

الرابط المختصر :