; في غيبة الإسلام.. حول قانون الأحوال الشخصية | مجلة المجتمع

العنوان في غيبة الإسلام.. حول قانون الأحوال الشخصية

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1979

مشاهدات 87

نشر في العدد 456

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 23-أكتوبر-1979

في نفس اليوم الذي نشرت الصحف فيه القانون الجديد للأحوال الشخصية. قدم في المساء التليفزيون حلقة للدفاع عن المشروع. واستضيف- بالطبع- شيخ الأزهر والدكتور النمر وزير الأوقاف.

ومفتي مصر، وبدأ كل من شيخ الأزهر ووزير الأوقاف حديثة، بأن على الناس أن يترووا في التعليق على المشروع، وأن ينتظروا حتى يطبع المشروع كاملًا بمذكرته التفسيرية، ولم يكن يملك أحد أن يقول لهما: لماذا استعجلتها الدفاع عن المشروع في التليفزيون وفي الصحف في الندوات والمحاضرات؟ و كان واضحًا من الحلقة إحساس هؤلاء المدافعين عن المشروع إحساسهم بأن المشروع سوف يلقى معارضة، وعندنا مثل شعبي يقول: من كان على رأسه بطحة يحسس عليها.

ونحن هنا لا نعرض لمناقشة المشروع الجديد للأحوال الشخصية. وسوف يكون لنا مجال آخر فيما بعد إن شاء الله- تعالى-. وإنما يدور حديثنا حول هذا المشروع، وليس في جوهره، ويمكن أن نلمس مما نشر في الصحف أنه يتضمن إجحافًا بالرجل لحساب المرأة. هذا بالإضافة أن القانون صدر بقرار جمهوري في غيبة مجلس الشعب. وقبل أن ينعقد المجلس الجديد بأيام لا تتجاوز أصابع اليد، حيث نشر المشروع في الحادي والعشرين من شهر مايو الماضي، وكان افتتاح مجلس الشعب في الثامن والعشرين من نفس الشهر. والعرف السائد أن القرارات الجمهورية التي تصدر في غيبة البرلمان يجب أن يكون لها ما يبرر العجلة في إصدارها في حالات الطواري كإعلان الحرب وما إلى ذلك. ولقد قال الأستاذ إبراهيم شكري زعيم المعارضة أثناء مناقشة المشروع: لم يكن هناك ما يبرر العجلة في إصدار هذا القانون، ولا سيما أن مجلس الشعب الجديد كان في طريقه للانعقاد وكلام زعيم المعارضة منطقي ومعقول ولكن من كان يسمع لقصير أمر، كما يقول المثل العربي المشهور؟

إن قصة قانون الأحوال الشخصية قديم، سبق أن أثير أكثر من مرة ثم أودع الجعبة، والعجيب أن التعديلات التي أدخلت على القانون، لا ندري من الذي قام بها، وما هو مدى تخصصه، فهو موقع من السيدة وزيرة الشؤون الاجتماعية، وقالت الصحف: إنه عرض على مجمع البحوث فأقره، ومعنى هذا أن مجمع البحوث لم يكن هو الذي أجرى التعديلات، حتى باعتباره- في نظر الرأي العام- أكبر هيئة دينية، ولم يرتفع لهذا المجمع موت إلا عند التزكية والتأييد، والذي يدعو إلي الأسى أن عالمًا جليلًا- كنا نعده بقية الفقهاء في مصر- كتب في الأهرام مؤيدًا ومزكيًا، كان عنوان المقال: ليس في قانون الأحوال الشخصية الجديد ما يخالف الشريعة: هذا بالرغم مما أبداه الشيخ في قلب الحديث من تحفظات وملاحظات.

 والذي يهمنا من هذا الحديث أن هذا العالم المعدود من بقية الفقهاء. لم يشترك في وضع هذا القانون، وعلى كل فقد أصدر الدكتور موسى شاهين وكيل جامعة الأزهر بيانًا مطبوعًا انتقد فيه المشروع، وشكر الله له. وكنا نود أن يعقد مؤتمر لمناقشة المشروع يضم العلماء والمفكرين الإسلاميين. وقد كان أولى بهذا مجمع البحوث الإسلامية، ورحم الله الشيخ محمد أبا زهرة. فقد كان المجمع في حياته شيئًا يذكر، وقد كان رحمه الله طودًا يتصدى لأي انحراف. وأذكر أن شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمد عرض يومًا مذكرة بتعيين صهره الدكتور الحسيني هاشم عضوًا بمجمع البحوث، وتصدي له الشيخ أبو زهرة بكلمات عنيفة. وباء سعى شيخ الأزهر بالفشل، ويشاء القدر- بعد وفاة الشيخ أبي زهرة- ومن خلال ليونة الشيخ متولي شعراوي وزير الأوقاف وشؤون الأزهر بومند أن يعين الدكتور الحسيني هاشم- لا عضوًا بمجمع البحوث- ولكن أمينًا عامًا لمجمع البحوث الإسلامية.

 ويأتي دور الدكتور عبد المنعم النمر وزير الأوقاف، وقد ترددت كثيرًا قبل أن أخط هذه السطور عنه. وقد كان صديقًا عزيزًا. والحمد لله فنحن نحرص على أن تتوقف صداقتنا مع الأشخاص بمجرد أن يلوا مناصب مرموقة لذلك لم أهنئه بالمنصب فضلًا عن أن أسعى إليه، إن الشيخ الدكتور كان من أوائل المبشرين بقرب تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. وذلك في أول عهده بالوزارة، وما يزال بين الحين والحين يصرح تصريحات للاستهلاك لا أكثر. وكم كنت أود أن يسأل نفسه- وهو يقود حملة التأييد لمشروع الأحوال الشخصية، ومما جاء على لسانه- كما نشرت ذلك جريدة الأهرام- أن تعديلات قانون الأحوال الشخصية تواجه ثغرات القانون الحالي، والذي وضع بين عامي ١٩٢٠- ١٩٢٩م، كنت أود أن يسأل الشيخ نفسه: أيهما أهم في نظره قانون الأحوال الشخصية أم تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية؟ لماذا يفرض الأول بسرعة البرق- ويتعثر الآخر سنوات بلا أمل؟

 إن بين يدي- وأنا أكتب هذه السطور- مقالًا للشيخ الدكتور. كتبه عام ١٩٦٩م ونشر ضمن كتاب له: «خواطر من الدين والحياة» في بيروت عام ۱۹۷۳، والمقال يدور حول المعترضين على قوانين الأحوال الشخصية. جاء فيه: إن أي مشروع تفعه لجنة من اللجان, من المفروض فيه أن يكون مجالًا للأخذ والرد، ولا سيما إذا كانت فيه نواح للرأي والاجتهاد فيها مجال. فمن المؤكد حينئذ أن وجهات النظر إليه تتعدد وتختلف. ونهى على الأقلام التي حملت على المشروع الصراخ والتهريج وقال:

إذا كانت تهدف إلى المصلحة حقيقة فعليها أن تأتي بمواد المشروع. وتبدي رأيها موضوعيًا وعلميًا في كل مادة، وتبين مدى موافقتها للشريعة أو خروجها عليها، ومدى ما يترتب على ذلك من أضرار المجتمع، وتقترح ما تراه بديلًا عن هذا النص أو ذاك.

ونحن نسأل الشيخ الدكتور: لماذا لم تقترح ذلك. وأنت في موضع المسؤولية- بالنسبة لقنون الأحوال الشخصية؟ لماذا لم ينشر القانون على الرأي العام. ويطلب من العلماء إبداء الرأي فيه، ثم يصاغ القانون من جديد متجاوبًا مع ما أبدي من آراء؟ إن عرض القانون على مجمع البحوث لا يكفي لأن أعضاءه موظفون، أو على الأقل يتقاضون مكافآت من الدولة صاحبة المشروع، بل لا بد أن يهيأ مناخ حر للمناقشة الحرة.. أعتقد أن هذا لم يغب عن ذهن الشيخ.. إلا أنه لم يرد في التخطيط والتنسيق لفرض المشروع.. أما مجلس الشعب فليس بأحسن حالًا من مجمع البحوث الإسلامية.

الرابط المختصر :