; في فقه الاستعمار الاستيطاني لفلسطين (١ من ٢) الأهداف الاستعمارية لزرع اليهود في فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان في فقه الاستعمار الاستيطاني لفلسطين (١ من ٢) الأهداف الاستعمارية لزرع اليهود في فلسطين

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 09-أبريل-2005

مشاهدات 70

نشر في العدد 1646

نشر في الصفحة 34

السبت 09-أبريل-2005

  • الطوق الوحيد لنجاة الأمة.. استخدام الوعي بحقائق التاريخ
  • ما لم نملأ فراغنا الثقافي والروحي بقيم الحلال فإنه سيمتلئ بثقافة الانحلال
  • عرب فلسطين الحاليون هم الامتداد للكنعانيين أقدم الجماعات البشرية في فلسطين وهم ذوو أصل عربي خالص
  • ذاكرة التاريخ تؤكد أن اليبوسيين الذين سكنوا فلسطين قديما هم الآخرون عربا وهم الذين بنوا مدينة القدس

الفقه، في معناه الأولي والأعم والأدق، هو الفهم والوعي.. ولأن الإسلام دين الجماعة، ولأن شريعته التي هي مرجعية الفقه الإسلامي. هي دين ودنيا، كان الفقه الإسلامي أكثر من وعي بالأحكام، وأكبر من فهم للنصوص والمأثورات الدينية؛ إذ لا بد فيه، مع فقه الأحكام، من فقه الواقع الذي تتنزل عليه هذه الأحكام، ومن الوعي بمصالح الجماعة والأمة، ومن عقد القرآن بين فقه الأحكام وفقه الواقع، أي تنزيل الحكم على الواقع، تحقيقاً للمصالح الشرعية المعتبرة لأمة الإسلام وجماعة المسلمين.. وهذا المنهاج الإسلامي في النظر الفقهي هو الذي يعصم الفقه الإسلامي من الفصام النكد بين النصوص والمأثورات والتراث، وبين الواقع المعيش والمصالح الشرعية المعتبرة لجماعة المسلمين. 
وإذا كان هذا الفصام النكد قد أثمر في حياتنا الفكرية فقهاء بالأحكام لا دراية لهم بفقه الواقع الذي يعيشون فيه، وخبراء بالواقع لا دراية لهم بالشريعة التي أنزلها الله لتدبير وحكم حركة الواقع الذي يعيش فيه المسلمون... فإن التأليف بين فقه الواقع، وفقه الأحكام هو السبيل إلى إخراج حياتنا الفكرية وثقافتنا الإسلامية من هذا الفصام النكد الذي يشكو منه الكثيرون.
بل لا نغالي إذا قلنا إن منهاج النظر الإسلامي إنما يدعونا إلى البدء بفقه الواقع حتى نبحث لمشكلاته عن الأحكام والحلول الملائمة في فقه النصوص والمأثورات فالشريعة الإسلامية، ومطلق الدين إنما جاء هداية إلهية لتحقيق المصالح الشرعية المعتبرة والسعادة الإنسانية في المعاش والمعاد.. ففقه الواقع والبحث عما يحقق مصالح جماعة المسلمين هو نقطة البدء والانطلاق، وفقه الأحكام هو السبيل لضبط المصالح بضابط الاعتبار الشرعي وذلك تمييزاً لهذه المصالح عن المنفعة الدنيوية الصرفة. المنفلتة من ضوابط الدين.
***
وإذا نحن طبقنا هذا المنهاج في النظر الفقهي على القضية الفلسطينية، وصراع الأمة العربية والإسلامية مع الصهيونية والإمبريالية حول القدس وفلسطين لضبط الفتاوى والاجتهادات والسياسات المتعلقة بهذه القضية وهذا الصراع، فلا بد أن نبدأ بفقه واقع القضية الفلسطينية والوعي بالحقائق الواقعية لهذا الصراع، وذلك حتى نبحث المشكلات هذا الواقع عن إجابات على علامات استفهامه، وعن الأحكام الشرعية المحققة لمصالح الأمة في قضايا هذا الصراع.
ولفقه هذا الواقع، وللوعي بالحقائق التاريخية. الصلبة والعنيدة والمستعصية على الخلاف والاختلاف فإننا نسوق عدداً من هذه الحقائق والوقائع الحاكمة في فقه ووعي طبيعة هذا الصراع المفروض على أمتنا:
«فمن الناحية التاريخية» للتاريخ القديم لا وجود لحق يهودي تاريخي في أرض فلسطين على وجه القطع والإطلاق.
فعرب فلسطين الحاليون هم الامتداد للكنعانيين الذين هم من أقدم الجماعات البشرية التي وعى التاريخ سكناهم الأرض فلسطين، وأصل الكنعانيين هؤلاء أصل عربي خالص، لأنهم جزء من الهجرات العربية التي خرجت من شبه الجزيرة العربية إلى أرض فلسطين التي سميت. لذلك. في فجر تاريخها به أرض كنعان، ولقد وعت ذاكرة التاريخ هذه الحقيقة قبل ٤٥٠٠ عام من تفجر الصراع العربي - الصهيوني، ومن دعاوى الحق التاريخي لليهود في فلسطين.. كما وعت ذاكرة التاريخ أن "اليبوسيين" الذين سكنوا فلسطين قديماً، هم الآخرون عرب، وهم الذين بنوا مدينة القدس في الألف الرابع قبل الميلاد، أي قبل ثلاثة آلاف عام من الوجود الهامشي لليهود العبرانيين على مقربة من القدس!
وإذا كان اليهود هم أتباع الشريعة اليهودية التي جاء بها موسى عليه السلام، فإن موسى عليه السلام قد ولد ونشأ وبعث ومات ودفن في مصر، ولم تقم بين اليهودية هذه وبين فلسطين، في ذلك التاريخ، أدنى علاقة، فلا توراة موسى نزلت بالقدس أو فلسطين - كما هي علاقة الإسلام والقرآن بالحجاز مثلاً.. وكما هي علاقة النصرانية والإنجيل بفلسطين - وإنما نزلت توراة موسى بمصر وبلغتها الهيروغليفي!
ولقد رفض أتباع موسى - اليهود - دعوته لدخول الأرض المقدسة - أرض كنعان - فعاشوا وماتوا في التيه - في مصر - دون أن تكتحل عين أي منهم برؤية القدس وفلسطين.
أما العلاقة اليهودية ببعض أرض فلسطين، فهي علاقة طارئة ومؤقتة، بدأت في عصر يوشع بن نون الذي غزا بعض أرض فلسطين، بعد ١٥٠٠ عام من التاريخ العربي المكتوب لفلسطين العربية الكنعانية، أي ما بين سنة ۱۰۰۰ و٥٨٦ ق.م. ولم يدم هذا الوجود اليهودي في أرض فلسطين. الذي ظل وجوداً قلقاً ومتشرداً، سوى نحو أربعة قرون. أي نصف عمر الوجود العربي في بلاد الأندلس .... 
ولقد شارك في إزالة واستئصال هذا الوجود اليهودي من أرض فلسطين كل من الآشوريين والفرس والفراعنة والإغريق والرومان، بينما ظل الوجود العربي في فلسطين هو الراسخ والدائم منذ فجر تاريخ هذا البلد وحتى هذه اللحظات.
هذا عن التاريخ القديم.. وما يرتب من حقوق.. مع افتراض جواز توزيع خرائط وحدود الأوطان المعاصرة بناء على ذلك التاريخ القديم.. ولو جاز هذا الافتراض الطالب المصريون بإمبراطورية رمسيس الأكبر (١٢٩٠ - ١٢٢٤ ق.م)، وطالبت إيران بمملكة قمبيز (٥٢٩ – ٥٢١ ق.م) وطالبت مقدونيا بإمبراطورية الإسكندر المقدوني (٣٥٦- ۳۲۳ ق.م) .. ولتحول العالم إلى صورة عبثية ليس لها نظير.
- أما في العصر الحديث، فلقد بدأت علاقة المشروع اليهودي - الصهيوني بأرض فلسطين كثمرة للغزوة الاستعمارية الأوروبية الحديثة التي بدأت بحملة بونابرت (١٧٦٩م - ١٨٢١م) الفرنسية على مصر (۱۲۱۳هـ. (۱۷۹۸م) أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.. فلقد أعلن «بونابرت» وهو في طريقه من «مرسيليا» إلى «الإسكندرية» عزمه على تجنيد عشرين ألفاً من أبناء الأقليات الدينية في الشرق العربي الإسلامي، ليكونوا موطئاً لأقدامه الاستعمارية، وثغرات اختراق لوطن العروبة وعالم الإسلام. وفي إطار هذا المخطط، وسعياً لتحقيق هذا العزم أصدر بونابرت نداءه إلى يهود العالم - الذين ينحدر أكثر من 80% منهم من نسل يهود «الخزر»، الذين تهودوا في منتصف القرن الثامن الميلادي، والذين لا علاقة لهم باليهود والعبرانيين، ولا بني إسرائيل.. أصدر بونابرت نداءه إلى هؤلاء اليهود - الذين نشأوا في آسيا الوسطى.. والذين لا علاقة لهم بفلسطين. طالباً منهم القيام بدور الشريك الأصغر في مشروعه الإمبريالي لإقامة الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية.
ولقد قال بونابرت في هذا النداء - الذي أصدره إبان حصاره لمدينة «عكا» ۱۷۹۹م، مخاطباً الجماعات اليهودية:
«أيها الشعب الفريد إن فرنسا تقدم لكم يدها الآن حاملة إرث إسرائيل... إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به.. قد اختار القدس مقراً لقيادته، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق التي استهانت طويلاً بمدينة داوود وأذلتها - (؟!) ... يا ورثة فلسطين الشرعيين (؟!) .... إن الأمة الفرنسية.. تدعوكم إلى إرثكم، بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء»!!.
ومنذ ذلك التاريخ. على وجه التحديد. بدأت الشراكة بين قطاعات من الجماعات اليهودية وبين المشروع الإمبريالي الغربي ضد استقلال الأمة الإسلامية وتحررها وتقدمها.
وعندما تراجعت ريادة الاستعمار الفرنسي في هذا المشروع الإمبريالي الغربي، وتسلمت الإمبراطورية البريطانية قيادة هذا المشروع، تحول ولاء الجماعات اليهودية إلى الاستعمار الإنجليزي، الذي تبنى مشروع الشراكة هذا ... فسعت إنجلترا في العقد الرابع من القرن التاسع عشر الميلادي، إلى إقناع السلطان العثماني - سِرًّا - بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين لإقامة كيان معاد المشروع. محمد عليّ باشا (١١٨٤ - ١٣٦٥هـ. ١٧٧١. ١٨٤٩م)، الذي سعى إلى تجديد شباب الشرق العربي الإسلامي، للحيلولة دون سقوط أقاليمه في قبضة الاستعمار الأوروبي، الذي كان يحرس أمراض دولة «الرجل المريض» - العثمانية - حتى يحين الحين لاتفاق إمبراطورياته الاستعمارية على توزيع ووراثة أقاليمها وولاياتها.. فكتب وزير الخارجية الإنجليزي اللورد «بلمرستون» (١٧٨٤- ١٨٦٥م) إلى السفير الإنجليزي في الآستانة، سنة ١٨٤٠. طالباً منه إقناع السلطان العثماني بالسماح بهذه الهجرات اليهودية إلى فلسطين حتى يكونوا حجر عثرة أمام محمد علي باشا ونواياه والأغراض التي قد تخطر بباله أو بال من يخلفه!
فالهدف الثابت من وراء زرع هذا الكيان اليهودي الغريب في أرض فلسطين، هو. منذ بداية تفكير الاستعمار الغربي في هذا المشروع. إقامة عازل يهودي يمثل قاعدة استعمارية غربية والدول الإسلامية متصلة الأراضي، متحدة العقيدة يجمعها القرآن، فلم لا يتفقون العرب والمسلمين - على الذب والإقدام كما اتفق عليهم سائر الأمم ؟!... ولو اتفقوا فليس ذلك ببدع منهم، فهو من أصول دينهم. لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصاً واحداً، فإن هذا ربما كان عسيراً، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجهة وحدتهم الدين، وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع، فإن حياته بحياته وبقاءه ببقائه. ألا أن هذا بعد كونه أساساً لدينهم، تقضي به الضرورة وتحكم به الحاجة في هذه الأوقات.
***
أما الخطوة الأولى على هذا الطريق - الشاق.. والذي هو الطوق الوحيد لنجاة الأمة - فهي الوعي بحقائق الواقع وما في هذا الواقع من «فرص» ومن «مخاطر»... واستخدام هذا الوعي في تجديد الفكر الإسلامي، وفي الإبداع بمختلف ميادين هذا الفكر، ليكون لأشواقنا النهضوية دليل العمل الذي ينير لطلائع الأمة الطريق.. ولتكون لهذه الأمة الثقافة والآداب والفنون التي تملأ النفس الإسلامية وتغذي الوجدان الإسلامي وتروح عنهما، حتى لا تملأ العولمة فراغنا الثقافي والروحي بقيم الانحلال وثقافة الحداثة اللا دينية. فما لم نملأ فراغنا بثقافة الحلال وفنونها وآدابها، فإن فراغنا هذا سيمتلئ بثقافة الانحلال.
فإذا كانت العولمة تعني صب العالم في قالب الحضارة الغربية المهيمنة.. اقتصاداً وسياسة وقيماً وثقافة، فإن العالمية الإسلامية والإنسانية تريد العالم منتدى حضارات تتفاعل فيما هو مشترك إنساني عام، وتتمايز في الهويات الحضارية والخصوصيات الثقافية، لتتدافع الأمم وتتسابق وتتعارف بدلاً من الصراع، والهيمنة، والقهر، والاستغلال.
والحذر كل الحذر ... من الوهن... وثقافة الهزيمة النفسية.. فالغرب المتجبر اليوم، عاش قروناً من البؤس والتخلف والرجعية، والتجرد، والجمود، والظلام.. ومأزقنا الحضاري الراهن، يجب ألا ينسينا أننا عشنا العالم الأول على ظهر هذا الكوكب لأكثر من عشرة قرون، بينما عُمر الغرب كعالم أول لم يتجاوز القرنين من الزمان!.
وللتقدم، وللتراجع سنن، وقوانين.. وهي لیست خطاً صاعداً أبداً، أو هابطاً باستمرار، ولكنها دورات.. وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «"لَا يَلْبَثُ الْجَوْرُ بَعْدِى إِلَاّ قَلِيلاً حَتَّى يَطْلُعَ، فَكُلَّمَا طَلَعَ مِنَ الْجَوْرِ شَىْءٌ ذَهَبَ مِنَ الْعَدْلِ مِثْلُهُ، حَتَّى يُولَدَ فِى الْجَوْرِ مَنْ لا يَعْرِفُ غَيْرَهُ، ثُمَّ يَأْتِى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالْعَدْلِ، فَكُلَّمَا جَاءَ مِنَ الْعَدْلِ شَىْءٌ ذَهَبَ مِنَ الْجَوْرِ مِثْلُهُ، حَتَّى يُولَدَ فِى الْعَدْلِ مَنْ لَا يَعْرِفُ غَيْرَهُ.» (رواه الإمام أحمد).
وإذا كنا نألم مما أصابنا من القرح... فإن أهل العولمة أيضاً يألمون.. وآمال النهوض من مأزقنا الحضاري لا ييأس منها إلا القوم الكافرون.. وصدق الله العظيم: ﴿هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ  (138) وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ  (139) إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ  (140) وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ  (141) أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ (142) ﴾ (سورة: آل عمران).
﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (سورة: النساء 104).
والله من وراء القصد ... منه نستمد العون والتوفيق.
 


عالم الضباب

أحمد عز الدين

إذا قيل لهم: للسياسة مبادئ، وللشعوب حق في المشاركة في الرأي والعلم بما يجري كان الرد: نحن أعلم بمبادئ السياسة، وأحرص على حقوق الشعوب!
أكثر ما يعاني منه المنشغلون بالشأن السياسي، في محيطنا العربي على وجه الخصوص، غياب المعلومات الدقيقة التي يبنون عليها تحليلهم للوضع القائم، أو يضعون على أساسها توقعاتهم للمستقبل، ويزداد الوضع صعوبة إذا تعلق الأمر بمن يريد أن يتخذ قرارا آنيا أو يبني خطة للمستقبل.
وقد يتعمد أصحاب القرار وصناع السياسة خلق حالة من الضبابية حول قراراتهم، مهما كانت مهمة، أو تحتاج إلى تشاور، ويرون في ذلك نوعاً من الحنكة السياسية، وقد شاع هذا الأسلوب على المستوى العربي حتى إنه ليصح أن نسمي منطقتنا العربية «عالم الضباب».
وقد يرى بعض المسؤولين أن للحكم أسراراً ينبغي ألا يطلع عليها الآخرون حتى لا تضيع الفرصة التاريخية التي أوصلتهم إلى الكرسي، وحتى لا يتجرأ الآخرون على التطلع إلى الجلوس مكانهم.
وقد يرى آخرون أن للحكم هيبته التي ينبغي أن تلقي الرعب في قلوب الناس فيستسلموا لما هم عليه من حال، ويرضوا بموقع المفعول به ولا يتطلعوا الموقع الفاعل.
في عالمنا العربي.. نسمع فجأة عن غزو بلد عربي لجاره العربي، أو اندلاع حرب أهلية، أو أزمة بين بلدين تظهر فجأة وتختفي كذلك، أو تغير حاد ومفاجئ في التوجهات السياسية، كالانبطاح الليبي أمام أمريكا، ناهيك عن «الأحداث الأقل أهمية» من قبيل تغيير الوزارات أو إقالة أحد المسؤولين، يحدث ذلك بينما الشعوب حالها كما يقولون في مصر حال «الأطرش في الزفة»، لا تعرف لماذا قامت الأزمة ولا كيف انتهت ولماذا جاء هذا المسؤول ولا لماذا ذهب؟!
وإذا كان ذلك البلد من البلاد التي توجد بها معارضة سياسية، فقد يبالغ بعض المسؤولين في التعمية - إضافة لما سبق - رغبة في إظهار الخصوم السياسيين بمظهر الجاهل ببواطن الأمور، والحقيقة أنهم معذورون إذا أخطأوا بسبب غياب الشفافية وحجب المعلومات.
وقد يتعمدون استدراجهم إلى الخطأ نكاية بهم، ولجعلهم أمثولة أمام شعوبهم.
وقد يتعمد البعض إصدار القرارات في اللحظة الأخيرة حتى لا تتاح الفرصة لأحد أن يناقش أو يسأل: كيف ولماذا؟
وقد يستعد المسؤول - ووراءه الأجهزة التي لا تخرج عن أمره - لموقف معين، ثم يفاجئ الخصوم بقرار يحتاج التعامل معه إلى وقت وإعداد واستعداد، فيلهثون يمنة ويسرة، ويكونون دائماً في موقف رد الفعل.
فإذا قال قائل: للسياسة مبادئ وللشعوب حق في المشاركة في الرأي والعلم بما يجري فهي التي تتحمل نتائج سياساتكم وتكتوي بنيرانها، كان الرد: نحن أعلم بمبادئ السياسة، وأحرص على حقوق الشعوب، ولا نفعل كل ما نفعل إلا من أجل شعوبنا، والواقع أن ما يحدث أبعد ما يكون عن تحقيق مصلحة الشعوب.
وهكذا.. أصبح البقاء في الحكم غاية وتبرير السياسات والقرارات هدفاً استراتيجياً، تهدر في سبيله كل الطاقات ولا مجال للاعتراف بخطأ حتى لا يستغله الخصوم.
ونتيجة ما سبق ما نراه على الواقع في بعض بلداننا من فصام بين الحكومات والشعوب، وخصومات مستمرة مما لا يحتاج إلى بيان أو توضيح.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل