; في فقه الاستعمار الاستيطاني لفلسطين (٢من ٢).. اليهود لصوص مغتصبون.. ومحاربون | مجلة المجتمع

العنوان في فقه الاستعمار الاستيطاني لفلسطين (٢من ٢).. اليهود لصوص مغتصبون.. ومحاربون

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2005

مشاهدات 61

نشر في العدد 1647

نشر في الصفحة 26

السبت 16-أبريل-2005

القرار ۱۸۱ أعطى اليهود ٥٤% من فلسطين وكانوا يملكون ٦,٧% فقط.

● ١٣ ألف نسمة فقط عدد اليهود في فلسطين عام ١٨٥٢م.

● الاحتلال طرد 7 ملايين فلسطيني يعيشون في المنفى

● الفلسطينيون أكبر تكتل من اللاجئين على النطاق العالمي

● الصهاينة هدموا وأزالوا ٤٧٨ قرية فلسطينية

إذا كان فقه الواقع هو الفيصل في إقامة الحجة على انعدام مشروعية العلاقة بين اليهود وبين فلسطين في العصر الحديث، كما كان حال هذا الواقع في التاريخ القديم فيكفي أن نشير إلى منطق الأرقام، الذي يعلن أن لا شرعية ولا حق لليهود في أرض فلسطين والذي يفصح عن أن علاقة اليهود الحديثة والطارئة بأرض فلسطين هي علاقة الاستعمار الاستيطاني، الذي تم في ظل هذه الشراكة بين الحركة الصهيونية وبين الاستعمار الإنجليزي والاستعمار الأمريكي.

في سنة ١٨٥٢م لم يكن الوجود اليهودي في فلسطين يتعدى ١٣ ألف نسمة، أي نسبة 4% من سكان فلسطين. وعند قيام الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤م، كان عدد اليهود في فلسطين قد بلغ ٦٠ ألف نسمة، يحمل منهم الجنسية العثمانية ٣٩ ألف نسمة فقط، والباقون إما زوار أو حجاج أو متسللون غير شرعيين ولقد حدثت هذه الزيادة بفعل الهيمنة الإنجليزية على السياسة العثمانية وبسبب الضعف والفساد اللذين أصابا الإدارة العثمانية على الرغم من وعي السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (١٣٥٨- ١٣٣٦هـ) ( ١٨٤٢- ۱۹۱۸م) بخطر الهجرات اليهودية على فلسطين. وفي مقابل هذا الوجود الهامشي لليهود في فلسطين سنة ١٩١٤م، كان تعداد الفلسطينيين في ذلك الوطن يومئذ ٦٨٣ ألف نسمة، منهم ٦٠٢ ألف من المسلمين، و۸۱ ألفًا من العرب المسيحيين. فلما أعطت إنجلترا، التي لا تملك لليهود الصهاينة الذين لا يستحقون وعد بلفور في ٢ نوفمبر ١٩١٧م واحتلت جيوشها فلسطين سنة ۱۹۱۸م، واستأثرت باستعمارها تحت اسم الانتداب. وفق اتفاقيات سان ريمون، في أبريل سنة ۱۹۲۰م - وأعطت، عصبة الأمم، لهذا الانتداب ولوعد بلفور شرعية دولية في سنة ١٩٢٢م، فتحت إنجلترا أبواب فلسطين للاستعمار الاستيطاني الصهيوني وللهجرات اليهودية ولبناء المستعمرات «الكيبوترات» فقفز تعداد اليهود في فلسطين من ٥٥ ألف نسمة سنة ۱۹۱٨م إلى ٦٤٦ ألفًا في سنة ١٩٤٨م، أي من إجمالي سكان فلسطين إلى ٣١٪ من السكان.. وبعد أن كانت ملكية اليهود للأرض في فلسطين لا تتجاوز ٢ ٪ أي نصف مليون دونم - بلغت في سنة ١٩٤٨م حوالي 6.7% أي 1.800.000 دونم من أرض فلسطين.

 ومع كل هذا الذي صنعه الاستعمار الإنجليزي لليهود سكانًا وتملكًا للأرض، طوال ثلاثين عامًا من الحكم الاستعماري لفلسطين (۱۹۱۸ - ١٩٤٨م) ظل الوجود اليهودي في فلسطين هامشيًا، وظل حتى سنة ١٩٤٨م ٦٩٪ من سكان فلسطين عربًا و93.3% من أرض فلسطين مملوكة لسكانها العرب. 

لكن قرار التقسيم لفلسطين الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة - القرار ۱۸۱ في ٢٩ نوفمبر سنة ١٩٤٧م قد أعطى اليهود الذين لم يكونوا يملكون من أرض فلسطين سوى 6.7% - الحق في دولة مساحتها ٥٤% من أرض فلسطين!! وقرر للعرب الذين كانوا يملكون يومئذ 93.3% من أرض فلسطين، دولة مساحتها ٤٥% من أرض فلسطين!! واستثنى هذا القرار مدينة القدس 1% من مساحة فلسطين من هذا التقسيم.

 ولم تكتف الصهيونية - التي ضمنت لها أمريكا التفوق الحربي والحماية في المنظمات الدولية.. لم تكتف بهذا السخاء الذي جاءها من الشرعية الدولية فضمت بالحرب، وبخرق الهدنة - المساحات الجديدة من الأرض والقرى والمدن الفلسطينية، حتى ارتفعت بما تحت أيديها من ٥٤% من مساحة فلسطين إلى ۷۷% من مساحتها.. وفي سبيل ذلك ارتكبت عصاباتها المسلحة ٣٤ مجزرة، وهدمت وأزالت ٤٧٨ قرية فلسطينية محتها من الوجود، وسعت- بالإعلام والفكر- إلى محوها من ذاكرة التاريخ!... ورغم أن العرب داخل حدود الكيان - الذي قام سنة ١٩٤٨م يمثلون خمس السكان - مليون من خمسة ملايين- فقد جردهم الصهاينة من أرضهم، حتى أصبح خمس السكان هؤلاء لا يملكون سوى 3% من الأرض، بينما يملك اليهود ۹۷٪ من الأرض التي احتلت ١٩٤٨م!!. 

أما القدس, التي ظلت عربية ثم إسلامية منذ تأسيسها على يد العرب اليبوسيين في الألف الرابعة قبل الميلاد - أي قبل ثلاثة آلاف عام من الوجود العبري الطارئ والمؤقت على مشارفها والتي لم يكن بها من اليهود في العصر الحديث سوى عدد ضئيل من العائلات لمن تتعد ملكيتهم في المقدس قبل عام ١٩٤٨م - الـ ١٨% من مساحتها، فلقد سيطر اليهود وخاصة بعد سنة ١٩٦٧م على ٨٦% من مساحتها، وقفزوا بالوجود السكاني اليهودي فيها إلى ٤٥٠ ألف نسمة في مقابل ۲۰۰ ألف نسمة من العرب يعيشون تحت الحصار وامتدت الحصارات الصهيونية إلى القدس الشرقية، لتشمل حائط البراق، وحي المغاربة وأربعة أنفاق تحت الحرم القدسي، تهدد وجوده وذلك غير ما صودر من الأرض الفلسطينية حول القدس، والتي تحولت إلى حزام من المستعمرات التي ضمت إلى القدس الكبرى، وإلى عازل بين القدس والضفة الغربية التي احتلت سنة ١٩٦٧م وفوق ذلك، تشكلت التنظيمات الإرهابية الصهيونية - ٢٥ تنظيمًا- التي تعمل بالدعم والإمكانات اليهودية والأمريكية لهدم الحرم القدسي، وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه!!.

وغدا المشهد المأساوي لواقع هذا الاستعمار الاستيطاني «الصهيوني - الإمبريالي» على أرض فلسطين على النحو الذي تجسده هذه الأرقام: فاليهود الذين كان تعدادهم في فلسطين ١٣ ألف نسمة عام ١٨٥٢م, أصبح تعدادهم في فلسطين اليوم أربعة ملايين وبعد أن كانوا لا يملكون من أرض فلسطين سنة ١٩١٨م سوى2% أصبحوا يملكون ويسيطرون الآن على كل أرض فلسطين!!.

ولقد أدى هذا الاستعمار الاستيطاني والإحلال والاحتلال اليهودي إلى طرد وتهجير ستة ملايين فلسطيني - منهم خمسة ملايين طرد آباؤهم سنة ١٩٤٨م، ومليون طرد آباؤهم فيما بعد سنة ١٩٤٨م يعيشون جميعًا في المنافي والمخيمات والمستنقعات على الصدقات!.. ويكونون أكبر كتلة من اللاجئين، وأقدم مأساة للاجئين على النطاق العالمي!.. وأكبر ضحية لأبشع وآخر نماذج الاستعمار الاستيطاني عبر تاريخ هذا اللون من ألوان الاستعمار والاقتلاع والإحلال والاحتلال.. أما الأربعة ملايين يهودي الذين حلوا محل هذه الملايين العربية الفلسطينية فإن 96% منهم قد جيء بآبائهم وأجدادهم من مختلف بلاد الدنيا ليغتصبوا الأراضي والمنازل والسيادة والأمن والماء والهواء على أرض فلسطين.

 إذن.. فكل اليهود على أرض فلسطين هم لصوص.. ومغتصبون.. ومحاربون.. حتى ولو لم يلبسوا «الكاكي»، أو يدخلوا الجيش، أو يحملوا السلاح، فالتمييز هنا والقسمة في هذا المقام هي بين «محارب» و «مسالم» وليست بين عسكري، ومدني فالمستوطنون المغتصبون للأراضي والمنازل والديار والأمن والماء والهواء هم محاربون رجالًا كانوا أو نساء وبصرف النظر عن الزي الذي يرتديه هؤلاء المغتصبون، وعن تنوع السلاح الذي يحاربون به طائرات أو دبابات أو مدافع كان هذا السلاح أم جرافات ومحاريث وأفكارًا فجميعها أسلحة بعضها البعض الآخر، وتتكامل جميعًا في الاغتصاب والاستعمار الاستيطاني لأرض فلسطين. كما أن قدم تاريخ السرقة والاغتصاب -في الاستعمار الاستيطاني- لا يرتب شرعية ولا مشروعية، ولا حقوقًا للصوص المغتصبين.. وإلا لجاز «الإفتاء» بأن لإسبانيا حقوقًا مشروعة في أرض سبتة ومليلة العربيتين المسلمتين المغربيتين - على الساحل الأطلسي للمغرب - وهما محتلتان ومستعمرتان استعمارًا استيطانيًا منذ ١٤١٥م و١٤٩٧ م, أي قبل أربعة قرون ونصف القرن من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لأرض فلسطين.

 وإذا كان زنوج جنوب إفريقيا قد رفضوا الاستعمار الاستيطاني الأوروبي لبلادهم، والذي بدأته شركة الهند الشرقية الهولندية سنة ١٦٥٢م.. وظلوا يجاهدون قرابة أربعة قرون حتى أزالوا هذا الاستعمار الاستيطاني في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وذلك دون أن يظهر بين هؤلاء الزنوج من يفتي، بأن للمستعمرين البيض حقًا تاريخيًا في أرض جنوب إفريقيا، أو أن هؤلاء المستعمرين هم مدنيون أبرياء، وليسوا محاربين، لأنهم لا يلبسون الكاكي، ولا يحملون «الرتب العسكرية»!.. فغير معقول ولا مقبول أن يظهر بين أمة الإسلام، التي جعل رسوله -صلي الله عليه وسلم- الجهاد ذروة سنام الإسلام، وجعل رهبانية هذه الأمة هي الجهاد، وجعل هذا الجهاد -بما فيه القتال- فرض عين على كل مسلم ومسلمة إذا احتل العدو شبرًا من أرض المسلمين - وفلسطين ليست شبرًا، وإنما مساحتها27.009من الكيلومترات المربعة، وهي ليست مجرد أرض, وإنما هي «أرض مقدسة» - غير معقول ولا مقبول أن يظهر في أمة الإسلام من «يفتي» بأن للصوص الاستعمار الاستيطاني حقًا في أولى القبلتين، والأرض التي بارك الله فيها عندما جعلها مسرى الرسول الخاتم -صلي الله عليه وسلم- ومعراجه إلى السماوات العلا.

 فالإفتاء الذي يستحق صاحبه حمل أمانة «التبليغ عن رسول الله» لابد أن يبدأ بفقه الواقع.. واقع الاستعمار الاستيطاني، القائم على اغتصاب أرض القدس وفلسطين.. ذلك الذي تحالفت فيه الشراكة «الإمبريالية - الصهيونية» على اغتصاب المنازل والديار والأرض والأمن والماء والهواء من أصحابها الشرعيين.. فلا حرية للص مغتصب.

وإذا كانت «اتفاقات جنيف» التي أقرتها الأمم المتحدة سنة ١٩٤٩م، قد جعلت إقامة المحتل للمستوطنات على الأرض المحتلة، وتغيير طبيعة هذه الأرض المحتلة جريمة حرب ضد الإنسانية، فإن الكيان الصهيوني بكامله هو «جريمة حرب كبرى ضد الإنسانية», لأنه ليس أكثر من استعمار استيطاني، منذ أول مستعمرة أقامها الصهاينة على أرض فلسطين حتى أحدث المستعمرات التي أقاموها هناك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 5

248

الثلاثاء 14-أبريل-1970

لِمن تُدق الأجْراس في تل أبيْب؟!

نشر في العدد 17

123

الثلاثاء 07-يوليو-1970

اليهود في روسيا

نشر في العدد 35

88

الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

يوميات المجتمع (35)