العنوان في فقه الدعوة: من صفات الدعاة سرعة الاستجابة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الأربعاء 04-مايو-1983
مشاهدات 69
نشر في العدد 620
نشر في الصفحة 36
الأربعاء 04-مايو-1983
(أ)
سعى الرجال للاستجابة..
يقول
الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ
قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (يس:20).
لا
يهم من يكون هذا الرجل، ولا تلك المدينة، ولكن الأهم تلك الصفة المقتطفة من ثنايا الآية
الكريمة، وهي «سرعة الاستجابة» لدعوة الرسل، فما إن استجاب لهذه الدعوة حتى جند نفسه
جنديًا لهذه الدعوة دون أن ينتظر دافعًا خارجيًا، وإنما جاء يجرى ليدعو الناس لهذه
الدعوة التي آمن بها..
يقول
سيد قطب رحمه الله: «إنها استجابة الفطرة السليمة لدعوة الحق المستقيمة، فيها الصدق
والبساطة والحرارة واستقامة الإدراك وتلبية الإيقاع القوى للحق المبين، فهذا رجل سمع
الدعوة فاستجاب لها بعد ما رأى فيها من دلائل الحق والمنطق ما يتحدث عنه في مقالته
لقومه، وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره فلم يطق عليها
سكوتا، ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله والجحود والفجور.
ولكنه
سعى بالحق الذي استقر في ضميره وتحرك في شعوره،
سعی به إلى قومه وهم يكذبون ويجحدون
ويتوعدون ويهددون.. وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق،
وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين،
وظاهر أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان، ولم يكن في عزة من قومه أو منعة من عشيرته،
ولكنها العقيدة الحية في ضميره تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة إلى أقصاها (٤٨).
(ب)
سبب هذه الاستجابة:
هذه
الاستجابة السريعة من ذلك الرجل إنما نبعت من معرفة حية لهذه الدعوة، وليست معرفة ميتة،
ولكي تتم هذه الاستجابة السريعة، لابُدَّ من معرفة هذه الدعوة، معرفة فيها حياة والحياة
تعني الحركة، وليست معرفة جامدة ميتة، والتي كان الإمام البصري يرى أن الشاة أعقل من
صاحب تلك المعرفة والذي لا يتفاعل مع الكلمات بسبب تلك المعرفة الخالية من الروح، إذ
يقول: «لا تكن شاة الراعي أعقل منك، تزجرها الصبحة، وتطردها الإشادة»(٤٩).
وهذه
المعرفة هي التي أشار إليها الأستاذ محمد قطب في كتابه القيم «منهج التربية الإسلامية»
بقوله: «إن المعرفة الذهنية ليست هي المعرفة التي يريدها أو يعترف بها الإسلام فإنها
معرفة سطحية وميتة، لا تفعل شيئا في واقع الحياة، ولا تؤثر شيئًا في سلوك الإنسان وإذن
فوجودها كعدم وجودها سواء.
المعرفة
النظرية الذهنية الباردة الميتة إذن شيء، والمعرفة الحية التي تنبع من الوجدان فتنفعل
بها النفس كلها وتعطي تأثيرًا معينا في السلوك الواقعي شيء آخر، هي ما يطلبه الإسلام
بالذات ويستنبته في قلوب الناس ليصبحوا مسلمين(٥٠).
(جـ)
صور من استجابة الصحابة:
وما
كان الصحابة رضوان الله عليهم يعرفون شيئًا سوى هذه المعرفة الحية التي تنبع من الوجدان
فتنفعل فيها النفس كلها، وتعطي تأثيرًا معينًا في السلوك الواقعي، فهذا سعد بن معاذ
سيد الأوس يستمع إلى مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة وهما يعرضان عليه الإسلام فقال حالما
انتهيا من كلامهما: «كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل
فتطهر وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد
شهادة الحق. ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته فأقبل عائدًا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن الحضير،
فلما رأوه قومه مقبلًا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به
من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا
وأفضلنا رأيًا وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تؤمنوا بالله
ورسوله، فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة (٥١).
ويرجع
مصعب بن عمير رضى الله عنه إلى مكة ليخبر الرسول صلى الله عنه وسلم بأخبار انتشار الإسلام
في المدينة، ثم تكون البيعة الكبرى وتتلوها الهجرة، ثم تبدأ مرحلة الجهاد والتي يبرز
فيها كثير من النماذج التي وقف التاريخ يصغي لما يقولون ويصور ما يفعلون، وها نحن أمام
نموذج من هذه النماذج التي فهمت الإسلام ذلك الفهم الحي العملي، الصحابي الجليل عمير
بن الحمام الأنصاري، يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أثناء المعركة: «قوموا
إلى جنة عرضها السموات والأرض». فيقول: عمير يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟!
قال: «نعم»، قال: بخ بخ، فقال رسول الله صلى الله وسلم: «ما يحملك على قولك بخ بخ»؟
قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: «فإنك من أهلها». فأخرج
تمرات من قرنه فجعل يأكل منها ثم قال: لئن أنا حييت حتى أكل تمراتي هذه إنها لحياة
طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل (٥٢).
ونموذج
آخر يتعجب حتى الصحابة من سرعة استجابته، ونوعية هذه الاستجابة، مما جعل البعض منهم
يحفظ اسمه ويذكره في كثير من مجالسه بعد جيل الصحابة رضوان الله عليهم، ليتأسوا فيه،
فهذا أبو هريرة رضى الله عنه كان يقول حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط. فإذا لم
يعرفه الناس سألوه من هو فيقول أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت ابن وقش (٥٣) وقصة
هذه الاستجابة أن الأصيرم كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم أحد بدا له فأسلم
ثم أخذ سيفه فغدا حتى دخل في عرض الناس. فقاتل حتى أثخنته الجراح، فبينما رجال من عبد
الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة، إذا هم به فقالوا والله إن هذا للأصيرم ما جاء به
لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث فسألوه فقالوا: «ما جاء بك يا عمرو؟» أحدب على قومك
أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي
وغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلت حتى أصابني ما أصابني، فلم يلبث أن مات
في أيديهم فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «إنه من أهل الجنة» (٥٤).
فلا
جزاء لمثل هذه السرعة التي لم يدرك صاحبها بعد إعلان إسلامه وتلبية داع الجهاد، صلاة
واحدة، إلا الجنة.
إنها
النماذج التي يعجز التاريخ عن وصفها، وإنها المرجع لدعاة هذا العصر لكي يراجعوا دقة
هذه الصفة فيهم، بعد أن يسألوا أنفسهم عن مدى سرعة الاستجابة، عندما تطلب الدعوة منهم
فعل شيء في دائرة المعروف تكرهه أنفسهم، أو التزام أمر يخالف رأيهم الشخصي؟
الاهتمام بما يحدث للدعوة والدعاة
أ
- رجل يكتم إيمانه.. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ
إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾
(القصص:20) (٥٥) يقول الشيخ السعدي: «أي ركضا على
قدميه، من نصحه لموسى وخوفه أن يوقعوا به» (٥٦).
فهو
لم يكتف بالتأثر عند سماعه علية القوم يخططون لمقتل موسى عليه السلام، إنما دفعه الاهتمام
بمصير الدعوة عند مقتل الدعاة أن يتحرك بأقصى ما يستطيع ليفعل شيئًا أي شيء لإفشال
هذا المخطط، ولترجمة ذلك الاهتمام إلى واقع ملموس.
ب
- مثال من الصحابة
فهذا
أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه يبلغ ذروة الاهتمام بما يحدث للدعوة والدعاة
عند بداية إسلامه.
فقد
تعرض في بداية الأمر لبعض المضايقات من سفهاء قريش مما اضطر خاله أن يجبره فلم يتعرض
له أحد وفي تلك الأثناء كان يتحسر بسبب رؤيته للمسلمين وهم يتعرضون للتعذيب، وهو بمأمن
من ذلك، فنراه يقول: «وكنت لا أشاء أن أرى أحدا من المسلمين يضرب إلا رأيته وأنا لا
أضرب، فقلت: ما هذا بشيء حتى يصيبني مثل ما يصيب المسلمين؟ فأمهلت حتى إذا جلس الناس
في الحج وصلت إلى خالي فقلت: اسمع! فقال: ما أسمع؟ قلت: جوارك عليك رد. فقال: لا تفعل
يابن أختي! قلت: بل هو ذاك، فقال: ما شئت! فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام»
(٥٧).
إن اهتمامه بما يحدث للدعوة والدعاة
وصل إلى درجة أنه يعاقب نفسه ألا يحدث له ما يحدث لإخوانه من الدعاة ولم تطب نفسه حتى
لاقى ما لاقى من التعذيب، عندها أحس أنه ينتمي إلى هذا الإسلام، وأنه عضو من أعضاء
ذلك الجسد الطاهر الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
(جـ)
كيف ربي الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته؟
ولأن
ذلك أصل من أصول الدعوة كان الرسول صلى الله عليه وسلم يربي صحابته عليه ويخوفهم من
فقدان رحمة الله، إذا لم توجد بهم تلك الخصلة فيقول: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله»
(الألباني:285) (58)، وينفرهم من عدم الإحساس بالآخرين وأن ذلك من علامات الشقاء فيقول:
«لا تنزع الرحمة إلا من شقي» (أبو داود: 4942) (59).
وإذا
كان الله قد غفر لبغي من بغايا بني إسرائيل كما جاء في رواية البخاري «بيْنَما كَلْبٌ
يُطِيفُ برَكِيَّةٍ، كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي
إسْرائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَها فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لها بهِ» (البخاري:4367) (60)،
بسبب رحمتها لذلك الكلب غفر الله لها وهي بغية، فكيف بمن يهتم لما يحدث للإنسان؟ وكيف
بمن يهتم لما يحدث للمسلم؟ وكيف بمن يهتم لما يحدث للداعية إلى الله؟
إنه
لابُدَّ من الإحساس والاهتمام لما يحدث للدعوة والدعاة لإثبات سلامة ذلك العضو في ذلك
الجسد، فإذا لم يوجد ذلك الاهتمام، فليعلم أن ذلك العضو قد فسد، وربما قد مات.
7-
تكون هم الدعوة
فبعد
هذا الاهتمام لكل ما يحدث للدعوة والدعاة. ومع ازدياد هذا الاهتمام، تتضاءل باقي الاهتمامات
في نفسه حتى يستولي عليه همٌ واحد، ألا وهو هم الدعوة، فتكون صفة ملازمة له، فلا يتكلم
إلا بالدعوة، ولا يغضب إلا للدعوة. ولا يفرح إلا للدعوة ولا يخاف إلا على الدعوة، ولا
يبكي إلا على الدعوة، فإن فتر أحد الذين يربيهم. يفكر فيه في نومه وفي يقظته في عمله
وفي منزله يدعو له في كل سجود أن يرجعه الله إلى الحق، كما كان يكلمه الناس وهو مذهول
منهم، يفكر في ذلك التابع: لماذا فتر؟ هل السبب يكمن فيه، وصادر منه؟ أم هو من التابع
نفسه؟ أم أنها فتنة الدنيا وجوانبها؟ ويظل في هذا الهم حتى يرجع ذلك الفاتر الى الجادة
أو ينقلب على عقبيه.
ولعل
هذا الهم هو الذي كان يصيب الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يدعو الناس فلا يستجيبون،
فكان الله سبحانه وتعالى يخفف عنه هذا الهم بقوله سبحانه في سورة (الكهف آية 6): ﴿فَلَعَلَّكَ
بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.
ولقد حاول من قبل الإمام الجيلاني
تقريب هذه الصفة لأحد أتباعه عندما كان يسرد عليه بعض صفات الدعاة بقوله له: «هم قيام
في مقام الدعوة، يدعون الخلق إلى معرفة الحق عز وجل، لا يزالون يدعون القلوب، يقولون:
يا أيتها القلوب يا أيتها الأرواح يا إنس ويا جن هلموا إلى باب الملك اسعوا إليه بأقدام
قلوبكم بأقدام تقواكم وتوحيدكم، ومعرفتكم وودعكم السامي، والزهر في الدنيا والآخرة،
وفيما سوى المولى هذا شغل القوم.. همهم إصلاح الخلق، هممهم تعم السماء والأرض من العرش
إلى الثرى» (٦١).
أو
هي كما وصفها الإمام البنا في معرض وصفه للمجاهد بقوله: «أستطيع أن اتصور المجاهد شخصًا
قد أعد عدته وأخذ أهبته وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواحي نفسه وجوانب قلبه فهو دائم
التفكير، عظيم الاهتمام على قدم الاستعداد أبدًا إن دعي أجاب أو نودي لبى.. غدوه ورواحه،
وحديثه وكلامه، وجده ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له، ولا يتناول سوى المهمة
التي وقف عليها حياته وإرادته يجاهد في سبيلها.. تقرأ في قسمات وجهه وترى في بريق عينيه،
وتسمع من فلتات لسانه ما يدلك على ما يضطرم في قلبه من جوى لاصق وألم دفين، وما تفيض
به نفسه من عزمه صادقة، وهمة عالية، وغاية بعيدة»(٦٢)، فحركاته وسكناته جميعها تدلك
على ما في قلبه من تكون هم الدعوة.
(48) جاءت
في الأصل «غزوة».
(49)
الظلال ٥/۲۹٦٣ - الشروق.
(49) الحس البصري من ٤٧.
(50) منهج التربية الإسلامية 2/27/28.
(51) البداية والنهاية 3/153.
(52)
مسلم «المختصر ١١٥٧».
(53)
(54) البداية والنهاية 4/37.
(55) القصص ٢٠.
(56) تفسير كلام المنان 6/20.
(57) أسد الغابة 4/149.
(58) البخاري 13/203 (التوحيد).
(59) الترمذي (۱۹۲۱) - البر - وحسن الأرناؤوط «جامع الأصول» (٣٦١٧).
(60)
البخاري 5/31 – المزارعة.
(61)
الفتح الرباني من ١3/١4.
(62) حسن البنا – مواقف.