العنوان في مزاد تجارة الأعضاء البشرية العالمي- بيع الجسد مقابل حفنة دولارات
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2007
مشاهدات 85
نشر في العدد 1777
نشر في الصفحة 22
السبت 17-نوفمبر-2007
(*) دكتوراه في الطب – جامعة برمنجهام
سعر العضو الواحد يصل إلى ٢٥٠ ألف دولار في أمريكا ويتدنى إلى ٢٠٠ دولار
في «مولدوفا ».
عصابة تمد «الإسرائيليين» بأعضاء بشرية من فقراء برازيليين.
بريطانيا أجرت ١٢٠ ألف عملية زرع أعضاء بشرية خلال ٣٥ عامًا. يتبرع الأهل والأصدقاء بحوالي ٣٠٪ من الحالات. وأكثر من 7 آلاف مريض في قائمة الانتظار
انتزاع الأعضاء يتم باستخدام مادة «سيكلوسبورون». وعندما يتوقف القلب يمكن أخذ العين والمفاصل وصمامات القلب والجلد والعظام.
منظمات حقوقية تبدي مخاوفها من أن أكثر عمليات التبرع بالأعضاء تتم دون موافقة أو إذن المتبرعين.
وصل بؤس الحاجة بالفقراء إلى بيع أولادهم وأجسامهم وأعضائهم من أجل «لقمة العيش». واجتناب الحرمان وذل السؤال. ووصل عناء الألم بالمرضى إلى إنفاق أموالهم وأملاكهم ومدخراتهم من أجل بريق الحياة ودفع المعاناة. وجمع بين هؤلاء وأولئك طب متقدم يستطيع زرع الأعضاء البشرية دون أن تطرد، وعصابات جشعة تقوم بتجارة نقل الأعضاء حول العالم. وانتشرت سياحة زرع الأعضاء، وسوقها السوداء وأساليب نقلها بكل الطرق الممكنة، ويقف العالم حائرًا أمام تجارة لا أخلاقية جديدة شعارها: «شفاء الأغنياء بشقاء الفقراء»!. تأخذ الكثير من المتلقي العضو واحد (يصل إلى ٢٥٠ ألف دولار في أمريكا). وتدفع القليل إلى الضحية (يتدنى إلى ۲۰۰ دولار في «مولدوفا» شرق رومانيا)
احتفلت بريطانيا هذا الأسبوع بإجراء العملية رقم ١٢٠ ألفًا لزرع أعضاء بشرية خلال ٣٥ عامًا. وتم ذلك بمستشفى الأطفال بمدينة «برمنجهام» الطفلة عمرها ثلاث سنوات زرع لها كبد، وكانت قد ولدت بضمور في القناة المرارية تسبب في تجمع الصفراء بالجسم وهو مرض قاتل.
لقد انتشرت الأمراض التي لا تعالج إلا بالزرع، مثل الفشل الكلوي والكبدي والقلبي. كما تزرع أجزاء من الرئة والأمعاء الرفيعة والبنكرياس والجلد والقرنية، ويمثل زرع الكلى ثلثي الحالات. وفي بريطانيا -مثلًا- يتبرع الأهل والأصدقاء بحوالي ٣٠٪ من الحالات. ويوجد أكثر من 7 آلاف مريض في قائمة الانتظار (۱)، ولا يضيق الأمر عن قصص نادرة هنا وهناك فيها إشراقات الإيثار دونما انتظار العوض مادي كزوجة تبرعت بكليتها لزوجها ليعيش، أو ابن تبرع بجزء من كبده لأبيه فأنقذه من الموت.
ولكن تطالعنا الأخبار باستغلال ظروف البشر من قهر وفقر لانتزاع أعضائهم. وقد انتزعت قبلها إرادتهم وحبهم للحياة. فقد أشارت الصحف البريطانية إلى أن العراق أصبح من أرخص الأسواق العالمية في تجارة الأعضاء، وكانت تجارة الأعضاء قد راجت في العراق إبان الحصار الاقتصادي إلا أنها أخذت طابعًا دراميًا بعد الاحتلال
بسبب البطالة الشديدة والمشاكل الأمنية. ومنذ عامين، تم كشف عصابة تقوم بعد (الإسرائيليين) بأعضاء بشرية من فقراء برازيليين، وتجرى العمليات في عيادات بمدينة «ديربن» بجنوب أفريقيا. وفي الصين، يشعر كثيرون بالقلق من أن الأرباح الكبيرة التي تكمن وراء عمليات زرع الأعضاء المأخوذة من الذين يعدمون يمكن أن تشكل حافزًا للإبقاء على عقوبة الإعدام. وقد استفاد أغنياء من (إسرائيل) وكندا واستراليا وماليزيا وسنغافورة من الأعضاء الصينية، وتقدر الحالات غير المعلنة بنحو ٤٢ ألف عضو بشري صيني تم نزعها من المساجين عقب إعدامهم خلال السنوات الخمس الأخيرة. وتبدي منظمات حقوقية مخاوفها من أن العديد من عمليات التبرع بالأعضاء -التي يستفيد منها في الغالب أجانب أثرياء- تتم دون موافقة أو إذن المتبرعين (2).
حجم المشكلة
وتقدر المؤسسة الدولية للعناية بالكلى عدد المصابين بالفشل الكلوي الذين يحتاجون للغسيل والزرع على مستوى العالم بمليون ونصف المليون شخص، ٦٦٪ منهم من الدول المتطورة، وتتوقع أن يصل العدد عام ٢٠١٠م إلى مليونين ونصف المليون بالتساوي بين الأغنياء والفقراء (۳). ولكن نظرًا للفجوة بينهما، فإن الرعاية تصل للأغنياء دون الفقراء، والعدد في ازدياد. فطبقًا للمشروع الأوروبي للأمراض البولية. فإن أوروبا يوجد بها ٤.٥ مليون مصاب بأمراض الكلى المزمنة، وفي العالم ٥٠٠ مليون شخص مصاب بنوع ما من أمراض الكلى، وأن عدد الذين يحتاجون للغسيل في الدول المتقدمة تضاعف في العقد الأخير. وتصل مدة انتظار العملية من 3 إلى ١٠ سنوات (4)
ويتم زرع ٧٠ ألف عضو في العالم كل عام، منها ٥٠ ألفًا لحالات الكلى، وتمثل العمليات التي تتم في الدول الفقيرة الثلث هذا بخلاف ۱۲۰ ألف حالة زرع قرنية، و١٨ الفًا لأنسجة أخرى.. وهذه هي الأرقام المعلنة، أما الأرقام الفعلية فهي أكثر من ذلك.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، هناك نحو ١٧ ألف مريض في قائمة الانتظار الزرع عضو، وفي الخمسة أشهر الماضية تم زراعة حوالي ١٢ ألف حالة، رغم أن عدد المتبرعين لنفس المدة لم يتجاوز الستة آلاف. ويموت ٢٧ ألفًا هناك بسبب فشل الكبد، وربع مليون نتيجة فشل القلب الاحتقاني كل عام. (5)
لماذا انتشرت؟
بعد تطور علم المناعة -ومنذ أول عملية زرع كلية في عام ١٩٤٥م في بوسطن. وأول عملية زرع قلب عام ١٩٧٦م بجنوب أفريقيا، وأول عملية زرع كبد ناجحة في نفس العام في «كولورادو» بأمريكا، وبداية استخدام مادة (سيكلوسبورون) التي تمنع طرد الأعضاء في عام ١٩٨٠م -انتشر زرع الأعضاء كطريقة معروفة، وحتى إذا توقف القلب يمكن أخذ العين والمفاصل وصمامات القلب والجلد والعظام.
ويحاول العالم الحصول على الأعضاء بعد الموت ويروج لحمل بطاقات الوصية بالتبرع بعد الموت، حيث إن الإنسان الواحد يمكنه إنقاذ تسعة أشخاص إذا ما استخدمت أعضاؤه، ولكن الأعداد أقل من المطلوب. ولأول مرة في أمريكا، يزيد عدد الكلى والأكباد المزروعة أخذًا من أحياء عن المأخوذة من الموتى، وحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الفقراء المحتاجين للمال الذين يبيعون الكلى يمثلون 10% على الأقل من إجمالي العدد.
من أجل حفنة دولارات
طبقًا للمكان وأسعار السوق، فإن الكلية تباع بأسعار متفاوتة، ووصل سعرها في بعض الأحيان إلى حوالي ۲۰۰ دولار فقط في «مولدوفا»، ثم بدأت الحكومات تمنع ذلك في تلك الدولة والبرازيل والهند، ومازالت إيران لا تحرم بيع الأعضاء.
وقائمة الأسعار للكلية الواحدة كانت منذ أربع سنوات -وهي في ارتفاع- تشمل: ۷۰۰ دولار في جنوب إفريقيا، و١٣٠٠ دولار في الهند، و٢٠٠٠ دولار في مانيلا. ومن ۱۷۰۰ إلى ۲۷۰۰ دولار في مصر، ومن ٥٠٠٠ إلى ١٠٠٠٠ دولار في تركيا، و٨٠٠٠ دولار في بيرو، ويتصاعد السعر حتى يصل إلى ٣٠٠٠٠ دولار وما فوقه داخل أمريكا (6).
سوق رائجة
وهناك ما يعرف بالبؤر الخمس الساخنة لنقل الأعضاء، وهي الصين وباكستان ومصر، وكولومبيا، والفلبين(۷).
فالصين - أكبر دولة من حيث عدد السكان- هي أيضًا أكبر دولة من حيث تجارة الأعضاء. ورغم إعلان الحكومة أن الأولوية للصينيين، إلا أن نحو مليوني صيني يحتاجون للزرع كل عام، ولكن تجرى ٢٠٠٠٠ عملية زرع سنويًا فقط!
وباكستان لا توجد بها قوانين واضحة تجرم البيع. ورغم تمرير قانون في فبراير ٢٠٠٧م للسماح بأخذ أعضاء الموتى، فمازال بيع الأعضاء أمرًا شائعًا في قرى باكستان الفقيرة، وطبقًا لتقديرات منظمة الصحة العالية، فإن أكثر من ١٥٠٠ سائح زرع اعضاء يزورون باكستان كل عام، ويتم زرع الأعضاء المباعة لهم في المستشفيات الخاصة، وهناك 500 عضو فقط متبرع به من أقارب المرضى الباكستانيين يتم زرعها في المستشفيات الحكومية.
مصر لها العجب!!
أما مصر فلها الله. إذ يتعجب المرء كيف تردت أحوال هذا البلد الآمن، وانتشرت فيه أمراض الكبد والكلى بهذه الدرجة، وضغط الفقر على أعصاب الناس حتى وصل الأمر بهم لبيع أعضائهم، وإن كان البعض يتحايل على القوانين غير الواضحة، ويعتبر البيع تبرعًا أو هبة بمقابل كهدية عرفانًا بالجميل. وتقول تقديرات منظمة الصحة العالمية إن 95% ممن يتبرعون أو يبيعون أعضاءهم في مصر من الرجال في ريعان الشباب، ومتوسط أعمارهم ٣٣ عامًا، و78% من المتبرعين يصابون بتدهور شديد في صحتهم بعد العملية، و ٨١٪ منهم ينفقون ثمن كليتهم في أقل من خمسة أشهر. وقد عبر ٩٤٪ من المتبرعين المصريين عن ندمهم على القيام بعملية التبرع أو البيع (۸).
وطبقًا لخبراء تحدثوا الإذاعة «بي بي سي» البريطانية، فإنهم لا يؤيدون التبرع لما فيه من أخطار حتى في أرقى المستشفيات فهناك احتمال أن يموت متبرع الكلية بعد عملية النزع بنسبة واحد لكل ٢٠٠٠ حالة. أما في حالات التبرع بجزء من الكبد. فالنسبة واحد لكل ٢٠٠ حالة، ويتعرض ربعهم المضاعفات خطيرة، حيث نزال الحوصلة المرارية من ٢٥ إلى ٦٥ ٪ من الكبد الحي (9).
رأي الإسلام
يقول الأستاذ محمد يحيى أبو الفتوح المستشار القانوني لوزارة الصحة العامة بالكويت: إن بيع الأعضاء لم تجزه القوانين الوضعية ولا الشريعة الإسلامية، ويرى أن علة تحريمه هي التشجيع على بيع أعضاء جسم الإنسان بغية الحصول على المال وفتح باب المزايدة في الثمن، مما يؤدي إلى استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وقد يشجع هذا على البيع بهدف الثراء إذا ما باع الشخص أكثر من عضو من جسمه بمبالغ هائلة، كما أن هذا التصرف سيقلل من قيمة الإنسان وسمو منزلته التي منحها إياه الخالق سبحانه وتعالى، وكرمه عن بقية المخلوقات (10).
وأصدرت الهيئة العامة للفتوى بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت الفتوى رقم (٨٥/٤٥٥) حول موضوع بيع الأعضاء. ومما جاء فيها: «وأما شراء المريض كلية من شخص آخر فإن الأصل أن ذلك محرم؛ لأن الله كرم الإنسان فلا يجوز قطع بعض أعضائه وبيعها بثمن مهما كان الثمن، ولكن إن لم يجد متبرعًا يتبرع له بكليته وكانت هناك خطورة على حياته، ولم يجد وسيلة أخرى للتخلص من مرضه، فيجوز له الشراء حينئذ لأنه مضطر، وقد قال الله تعالى. ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (الأنعام: ۱۱۹). وهذا مع مراعاة الشروط في حالة التبرع.. » (11)
أما المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة عام ١٤٠٥هـ، فأفتى بأن أخذ عضو من جسم إنسان حي، وزرعه في جسم إنسان آخر مضطر إليه لإنقاذ حياته، أو لاستعادة وظيفة من وظائف أعضائه الأساسية هو عمل جائز بالشروط التالية:
ا- أن لا يحدث أخذ العضو من المتبرع ضررًا يخل بحياته العادية لأن القاعدة الشرعية أن الضرر لا يزال بضرر مثله، ولا بأشد منه ولأن التبرع حينئذ يكون من قبيل الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وهو أمر غير جائز شرعًا.
2- أن يكون إعطاء العضو طوعًا من المتبرع دون إكراه.
3- أن يكون زرع العضو هو الوسيلة الطبية الوحيدة الممكنة لمعالجة المريض المضطر.
4- أن يكون نجاح كل من عمليتي النزع والزرع محققًا في العادة أو غالبًا.
وكذلك قرر مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في جدة عام ١٤٠٨ هـ: أنه يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك بشرط أن يأذن الميت أو ورثته بعد موته أو بشرط موافقة ولي أمر المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له (12).
أضرار.. وأخطار: ولا ندري هل أخذت الفتاوى في الاعتبار ما يحدث للبائعين والمتبرعين الأحياء من آثار وأضرار صحية ونفسية واجتماعية واقتصادية على المدى البعيد والقريب؟ إن أول قواعد الطب تقول «فوق كل شيء. لا تضره»، وحسب أحد الاستبيانات فإن 77% من الجراحين الذين قاموا بزرع الأكباد شعروا بالمعضلة الأخلاقية نتيجة وضعهم للمتبرعين في دائرة الخطر والضرر (۱۳).
ومن هنا فكرت دول كثيرة في اعتبار المواطن متبرعًا تلقائيًا حال موته إلا إذا طلب العكس في حياته، وهذا الأمر يطبق الآن في 9 دول أوروبية بالإضافة إلى سنغافورة. كما أن الطب يحاول إيجاد مخارج أخرى للموضوع مثل استخدام الخلايا الجنينية، وزرع أعضاء حيوانية. وحبذا لو أخذ العالم بنهج الإسلام الذي يحارب التدخين والخمر والتلوث والموبقات وحيدا لو فتح العالم عيونه على نهج الإسلام الذي يحث على الوقاية، وعلى أن تعامل الدول مواطنيها بالسمو البشري فتوفر لهم الحياة الكريمة والغذاء النظيف والماء النقي والصرف الصحي، والتطعيمات والتحصينات، وتوفر الرعاية الصحية التي تكتشف أمراض الضغط والسكر والتهاب الكبد والطفيليات مبكرًا، وتعالجها قبل أن تدمر الأعضاء البشرية، وتدمر معها الكرامة البشرية.
الهوامش
1.http://www.uktransplant.org.uk/ukt/ default.jsp
2.Organ sales 'thriving' in China http:// news. bbc. co. uk/ 2/ hi/ asia- pacific/ 5386720. stm
3. http://worldrenal.org/ why_was_the_wfre_formed.htm
4. http://www.touchbriefings.com/cdps/cditem.cfm?nid=2479&cid=5
5. www.organdonor.gov
6. FACTBOX-Five organ trafficking hotspots
7- المصدر نفسه http://www.reuters.com/article/latestCrisis/idUSL01426288
8. http://www.who.int/eht/ Transplantation.pdf
9. Experts warn against organ trade http:// news. bbc.co. uk/ 2/ hi/health/ 6240307.stm
10. www.islamset.com
11- المصدر نفسه
12. www.muslimdoctor.net
13.Cotler et al., "Adult living donor liver transplantation: Perspectives from 100 liver transplant sur- geons," Liver Transplantation 9 (2003): 637-64-
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل