العنوان في مواجهة الإسلام في الكويت
الكاتب طارق الحمود
تاريخ النشر الأحد 24-نوفمبر-1991
مشاهدات 57
نشر في العدد 977
نشر في الصفحة 14
الأحد 24-نوفمبر-1991
• الأحزاب العلمانية ترى أن الدين عائق أمام
مسيرة الجماهير في طريقها للرقي
في عالمنا العربي والإسلامي، وتحديدًا بعد إلغاء الخلافة، وتقسيم تركة
الدولة العثمانية إلى دويلات رزحت تحت الاستعمار حقبة طويلة، ظهرت دعوات وأفكار
وشعارات عديدة اختارت في معظمها التيار التغريبي العلماني، واستورثت أحد الفكرين
الرئيسيين: الرأسمالي أو الاشتراكي، ونشطت الأحزاب صاحبة هذه الأفكار في إقناع
الجماهير بأنها ستقودها إلى مواجهة الاستعمار والنهوض بالأمة وسلوك طريق الحضارة،
وكانت تلك الأحزاب العلمانية ترى في الدين الإسلامي عائقًا يقف دون مسيرة الجماهير
في طريق الرقي والتحضر، بل وكانت مادتها الرئيسية في أيدلوجيتها المطروحة للشعوب،
هي أن «الدين أفيون الشعوب» كما يرى الفكر الشيوعي، وهو أحد المخاطر الأساسية التي
تهدد الانطلاقة التقدمية، كما قرر المؤتمر القومي الرابع لحزب البعث العربي
الاشتراكي.
الصحوة الإسلامية والحزب العلماني
الحاكم
لقد وجدت الأحزاب العلمانية صدى كبيرًا لدى المثقفين العرب القلائل في
مطلع العشرينيات والثلاثينيات، وظهر ذلك في صورة شعبية طاغية في أواخر الأربعينيات
والخمسينيات، لطروحات القومية والاشتراكية، عندما وصلت الأحزاب العلمانية للحكم،
وأُقصي الدين إلى زاوية المجتمع في صورة مناسك تعبدية، ولم يعد يُطرح اسم الإسلام
في الخطابات الجماهيرية العامة، ناهيك عن أن يطرح كمنهج للحياة، وفي أواخر
الستينيات، بعد أن تجرعت الشعوب العربية مرارة الهزيمة من اليهود، ولم تلمس أي
وجود حقيقي للأحلام الوردية التي كانت ترددها الأحزاب القومية والاشتراكية
الحاكمة، بدت العقول والأفئدة تتجه إلى دين الفطرة، وتفكر في اللجوء إلى القوة
العظمى؛ وهي الله سبحانه وتعالى.
استخدام الدين.. لكسب الجماهير
لمست أجهزة الاستخبارات والمباحث التابعة لتلك الأحزاب العلمانية
الحاكمة التوجه القوي لدى الشعوب نحو الإسلام، فكان أن اختارت طريق القمع والتعذيب
في مواجهة نمو التأييد الشعبي للطرح الإسلامي، كما حصل في مصر الخمسينيات
والستينيات بشكل كبير، وفي عراق البعث منذ الستينيات حتى اليوم بشكل أكبر.
ويبقى معيار المصلحة المحضة هو الوحيد في اختيار طرح الحزب العلماني
للفظ الإسلام، في مخاطبة الجماهير، وهو ما بدا واضحًا عندما اكتشفت تلك الأحزاب أن
استعمال أقصى درجات العنف لن يستطيع أن يستأصل جذور الإسلام من القلوب، بل وأن حشد
التأييد الجماهيري لقضية معينة يريدها ذلك الحزب العلماني، لن يتأتى إلا بإدخال
الخطاب الإسلامي في معمعة حملات الإعلام، وهو ما تجلى في أوضح صورة عندما استغل
البعث العراقي الشعار الإسلامي إبان احتلال الكويت.
محاربة الإسلام بشعار الإسلام
لقد وجد البعث العراقي في وجود تحرك دولي لطرده من الكويت عن طريق
قوات دولية تتمركز على الحدود، فرصة عظيمة لاستغلال الإسلام وتطويع مبادئه السامية
لخدمة أهدافه الدنيئة واستمرار احتلاله للكويت، فكان أن طرح شعار التهويل من
احتلال الحرمين الشريفين وتدنيس الأراضي المقدسة بالقوات الأجنبية، ولم تكن آلة
التخطيط والإعلام العراقية بعيدة عن الواقع، فقد عرفت مقدار تعلق الجماهير
بالإسلام، وقدرة الشعار الإسلامي على التأثير النفسي والعقلي عليها، وكانت تلك
الآلة الإعلامية البعثية ماكرة للغاية في تحريك الشارع الإسلامي تجاه قضية التواجد
الأجنبي في ذات المسار الذي يخدم أهداف احتلالها للكويت والبقاء فيها.
استهداف الصالحين والدعاة
لقد نفذ العدو البعثي سياسة الدم مع الخطباء الذين تصدوا لجبروته
وقاوموه بالكلمة، فقد كُتبت الشهادة إن شاء الله لكثير من خطباء الكويت وأئمة
مساجدها على يد الاستخبارات العراقية لكلمة حق قالوها في وجه الظالم، أو لدعاء
قنوت توجهوا به إلى رب العزة والملكوت للقضاء عليه، فكان الجزاء نتف اللحية
بالكلاليب وقطع الألسنة والتعذيب بالكهرباء، كما حصل لرئيس جمعية إحياء التراث
السيد خالد السلطان، واتباع أصناف العذاب التي تنتهي برصاصات في الرأس، كما هو حال
شهداء الكويت ومنهم الشهيدان يوسف العبيدان ويوسف خاطر وغيرهم.
وقد انزعج المحتل العراقي من التحركات الدولية العظيمة الأثر التي كان
يقوم بها كثير من رموز الإسلاميين الكويتيين في الخارج لنزع الستار عن الوجه
القبيح لصدام ونظامه الذي يتمسح بالإسلام، وكان أن صدر أمر الرفيق «علي حسن
المجيد» عضو القيادة القطرية بإلقاء القبض على الشيخ «أحمد القطان» عند دخوله قطر
من السعودية، و«المجتمع» تنشر هذه الوثيقة التي تكشف عن حجم العداء لدى المحتل
تجاه رموز الخير وما يقومون به لصالح قضية بلاده ونصرة أهلهم المنكوبين.
الشعار.. والممارسة
لم تكن أدبيات حزب البعث العراقي لترى في الإسلام سوى «خرافات وتقاليد
رجعية» كما تقول الفقرة الرابعة من تعاليم الحزب، وكان شاعرهم يقول:
آمنت بالبعث ربًّا لا شريك له وبالعروبة دينًا ما له ثان
وتلغي المادة «15» من دستور حزب البعث أي رابطة أخرى سوى
القومية فتقول: «إن الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدول العربية
التي تكفل الانسجام بين المواطنين وتكافح سائر العصبيات المذهبية والطائفية».
وجاء دستور العراق الجديد الموضوع قبل الغزو العراقي للكويت ليشترط في
مادته الأولى ما يلي: «يجب أن يكون رئيس الجمهورية مؤمنًا بالاشتراكية» أي: ليكن
بعد ذلك ما يشاء ما دام اشتراكيًّا. وهذه النقولات البسيطة تعطي إطارًا محددًا
لفهم حزب البعث للدين؛ ذلك الحزب الذي أسسه ميشيل عفلق، وهو من طائفة الروم
الأرثوذكس، وصلاح البيطار الذي اعتنق وعفلق الشيوعية في فرنسا، وزكي الأرسوزي من
الطائفة النصيرية، والذي يرى أن «الجاهلية مثله الأعلى، وأنها المرحلة العربية
الذهبية».
فكانت المفارقة الهائلة في تبني الشعار الإسلامي من حزب البعث العراقي
إبان احتلال الكويت، تشكل نكبة من النكبات المصاحبة له، خاصة إذا كُشف الغطاء عن
ممارسات ذلك الحزب في الكويت تحت الاحتلال.
هجمة على الإسلام في الكويت
كان الحس الخيري الإسلامي لدى الشعب الكويتي طابعًا بارزًا يتميز به
هذا الشعب منذ نشأة الكويت، يؤكد ذلك من كتب من المؤرخين والرحالة وشيوخ العلم
الذين زاروا الكويت، فلقد كتب الشيخ «رشيد رضا» صاحب «المنار» عدة مقالات بعد
زيارته للكويت منذ قرن تقريبًا، يمتدح فيها تدين أهلها وحبهم لأعمال الخير، وكذلك
الشيخ «حافظ وهبة» عن الفترة الطويلة التي قضاها بالكويت، ورأى تسابق أهلها إلى
عمل الخير من أموالهم، وعن فترة الأربعينيات والخمسينيات من هذا القرن، كتب الشيخ
«أحمد الشرباصي» كتابًا كاملًا عن مشاهداته في الكويت، ولم يغادر ما كتبه سابقاه
عن تطبع أهل الكويت بحب الخير ونزوعهم إليه.
لذلك كان لا بد أن تصطدم تلك الطبيعة الخيرية لدى الكويتيين بنزعات
الشر الشيطانية المتأصلة لدى أزلام البعث العراقي، وأن يتحول هذا إلى تسلط الطاغوت
واستحلاله الدماء والأموال والأعراض، أو على حد تعبير أحد المعارضين العراقيين:
«نقل جغرافية الدم والإفساد إلى الكويت».
إشاعة الفساد ومحاربة الدين
منذ اليوم الأول للاحتلال البغيض، تسلم المسجد قيادة العصيان المدني،
فقام خطباء الكويت في يوم الجمعة 3/8/90 لتهدئة روع الخائفين وحثهم على
المصابرة والدعاء، ورد الظلم ما وسعهم ذلك، وصار المسجد مقر لجان التكافل واللجان
الخيرية التي تتفقد أحوال الناس وتُعين ذا الحاجة، وتمسح على القلوب الكسيرة بفقد
العائل أو الحبيب، وتعطي الرأي الشرعي في محاربة فساد المحتل.
المحتل البعثي.. وهاجس الخوف من
المسجد
هاهنا وثيقة مؤرخة 30/9/90 خلفها المحتل البعثي بعد أن قصمه
الله، تكشف عن توجيهات مكتوبة صادرة عن مدير جهاز المخابرات العراقية حول
الإجراءات التي يجب أن تُتخذ بمناسبة المولد النبوي الشريف تحسبًا لأي حالة تحدث
«وكانت الذكرى الشريفة للمولد النبوي تصادف مرور شهرين على الاحتلال العراقي
للكويت» وتعرض «المجتمع» هذه الوثيقة الصادرة عن قائد قوات الشرطة البعثية
المحتلة، بمحتوياتها حتى يقف القارئ على مقدار الثقل المعنوي والمادي الذي مثله
المسجد إبان الاحتلال، وحتى تتكشف حقيقة نوايا النظام البعثي تجاه الإسلام وأهله.
فتؤكد الوثيقة أولًا على تفريغ عدد من منتسبي الأجهزة الأمنية لزجهم
بالذهاب إلى الجوامع والاستماع إلى الأحاديث والقيام بدورهم الأمني عندما تتطلب
الحالة، وثانيًا تستعد القوات الخاصة في كافة مواقعها للضرب في أي حالة تحصل، سواء
حالات التكبير أو التظاهر أو التجمعات أو إلقاء الخطب المعادية.
جلب وبيع الخمور ونشر الدعارة
بالكويت
لقد كانت القوانين الكويتية قبل التحرير ولا تزال بعد التحرير تحارب
الدعارة وتجعل من تعاطي الخمور وبيعها وترويجها جريمة يعاقب عليها، بالإضافة إلى
النظرة الاجتماعية السيئة تجاه من يتعاطى الخمر، غير أن عراق البعث الذي يتحسر
رئيسه في مقابلة تلفزيونية على تدني أسعار الداعرات العراقيات والذي أصدر في بلاده
«57 ألف» رخصة حانة وملهى مرخصة قانونًا، لم يشأ أن يحرم الكويت من عطاياه،
ففتحت الحدود لكل أنواع المسكرات، في مقصد جهنمي لإغراق الشباب والشعب وإبعادهم عن
مواجهة المحتل والتفكير في قضيته، وفي تسريب أعداد كبيرة من الفاجرات العراقيات
لإغواء الشباب الكويتي، واستُخدمت فنادق الكويت ومن بينها «الإنتركونتيننتل»
لتسهيل ممارسة الفجور والدعارة بمباركة سلطات الاحتلال.
ولقد رأى الكويتيون بألم وحسرة المفسدين العراقيين يأتون بأنواع
الخمور العراقية والأردنية وغيرها ليضعوها في سوق الخضار بجوار ما أحل الله سبحانه
وتعالى من طيبات الثمار والمآكل، بل ووصلت الخمور حتى أماكن العمل الخيري كجمعيات
البر والإحسان التي قلبها المحتل إلى أوكار دعارة أو أقبية تعذيب أو مراكز استجواب
وتحقيق.
أعزة على المؤمنين.. أذلة على
الكافرين
لقد استحل العدو البعثي أعراض وأرواح وأموال المؤمنين من أهل الكويت
وغيرهم، غير أن المفارقة المبكية هو حرص المحتل في التعامل مع الغربيين، وتثبت هذه
الوثيقة التي تنشرها «المجتمع» مدى ذلة البعثي العلماني أمام القوى الغربية، فتقول
هذه الوثيقة: «أمر الرئيس القائد بصدد التعامل مع الأجانب، أن المرحلة الحالية
تقتضي الدقة العالية في التعامل مع الأجانب في الكويت وخاصة الأوربيين والأمريكان،
وملاحظة عدم تكرار حادث دار السفير الفرنسي على الإطلاق...»، وصارت سمة التعامل
البعثي استخدام منتهى الشدة والعنف مع المسلمين من أهل الكويت وغيرهم؛ والتعامل
بمنتهى اللطف والحرص مع الرعايا الغربيين خشية الدخول في آثار مدمرة يخشاها من
القوى الغربية.
أصنام الطاغوت.. في الكويت
لقد جاء دين محمد عليه الصلاة والسلام لهدم الطاغوت المادي المتمثل في
الأصنام، وهدم الطاغوت المعنوي المتمثل بالشرك وعبادة آلهة من دون الله، غير أن
البعث العراقي شاء أن يعيد الشرك المعنوي بجعل «صدام» الحاكم بأمره المنفذ دون
سواه في شئون البلاد والعباد، وأن يكون مصحوبًا بالشرك المادي المتمثل في إقامة
تماثيله وأصنامه في كل مكان، وتم ذلك في الكويت المحتلة.
وهذه الوثيقة المؤرخة 4/10/91 والتي تحمل عنوان «افتتاح
جداريات»، تقول: «حصلت موافقة الرفيق علي حسن المجيد عضو القيادة القطرية وزير
الحكم المحلي على افتتاح جداريات صور السيد الرئيس القائد صدام حسين وحسب التواريخ
أدناه...».
السرقة المقننة
استحل العدو البعثي أعراض وأرواح وأموال العامة المملوكة لدولة
الكويت، ولم يتورع عن سرقة الأموال الخاصة المملوكة لعباد الله؛ فقد قام بسرقة
معدات ومحتويات المؤسسات والوزارات والإدارات العامة في الدولة، وفي الوثيقة
المؤرخة 2/10/91 الموقعة من «علي حسن المجيد» يأمر فيها بنقل جميع
الموجودات وبكافة أنواعها من جامعة الكويت والكليات والمعاهد والمدارس الثانوية
والمتوسطة والابتدائية ورياض الأطفال الفائضة عن الحاجة، وقد شمل تعبير «الفائض عن
الحاجة» جميع الموجودات بلا استثناء.
ودون الإشارة إلى مصادرة أموال أهالي أفراد المقاومة أو من الوثيقة
المؤرخة 24/9/91 الصادرة عن «طه ياسين رمضان» نائب صدام في حينه، تعطي
الصفة الرسمية للسرقة تحت ستار «مصادرة المواد والبضائع العائدة للأشخاص غير
الموجودين أو العائدة لمن صودرت أمواله».
ظلمات من الظلم
لقد مورست في هذا البلد الصغير طيلة أشهر الاحتلال أفعال تعف عن ذكرها
الألسن؛ انتهكت فيها أعراض الحرائر، وأُزهقت فيها أنفس توحد الله مع كل نفس، وأصبح
اسم «صدام» الطاغوت يذكر فيها أكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى، وصار فعل المنكر
قانونًا وأمرًا جمهوريًّا، وضيعت الأمانة وأُهدرت الحقوق مع دماء الشهداء الطاهرة.
ونحن إذ ننشر في «المجتمع» بعض هذه الوثائق التي تدين الاحتلال وتكشف
حقيقته للمخدوعين بما تستر به من شعارات إسلامية في العلن، وأعلن الحرب عليها في
الخفاء، بعد أن أغلق حدود الكويت عن هذا العالم، فإننا نحمل أمانة إعلام هذا
العالم، عن حقيقة ما عاناه شعبنا في الكويت من الفكر العلماني الكافر الذي تدثر
بالإسلام عندما اضطر راغمًا لكسب الجماهير المخدوعة بعباراته وتصوراته، وحسب أنه
بالغ بمكره ما خطط له، ونسي الحقيقة الربانية الخالدة ﴿بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾ (البروج: 19- 20).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل