; في مواجهة صفقات الاستسلام ومحاولات إغلاق القضية (1): هذه صفحات من تاريخ الإخوان في فلسطين- الطريق إلى فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان في مواجهة صفقات الاستسلام ومحاولات إغلاق القضية (1): هذه صفحات من تاريخ الإخوان في فلسطين- الطريق إلى فلسطين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-2000

مشاهدات 76

نشر في العدد 1421

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 10-أكتوبر-2000

مجريات الأحداث في شأن قضية فلسطين حاليًا لا تبعث على التفاؤل، ولا تبشر باحتمال وجود موقف عربي إسلامي قوي - على المستوى الرسمي - في مواجهة الصلف الصهيوني والضغوط الأمريكية ومساعيها الحثيثة غير الحميدة، من أجل التوصل ليس فقط إلى ما يسمى اتفاق «الحل النهائي» بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني وإنما الوصول أيضًا إلى إعلان نهاية الصراع العربي الإسرائيلي، وغلق ملفه، وطي صفحته إلى الأبد.

 صحيح أن جدول المفاوضات لا يزال مليئًا بالمشكلات العويصة وبالعقبات الكؤود، الأمر الذي يجعل الحديث عن «نهاية الصراع» في غير محله وسابقًا لأوانه، غير أنه بدأ يتردد بقوة في الآونة الأخيرة عبر عديد من التصريحات والبيانات التي يدلي بها المسؤولون والدبلوماسيون الصهاينة والأمريكان وبعض العرب أيضًا.

وكان المطلوب ليس فقط إقرار «سلام ظالم» عبر التوصل إلى اتفاق نهائي يضفي شرعية قانونية – مزيفة – على ما تم اغتصابه من الحقوق العربية الإسلامية في فلسطين خلال أكثر من نصف قرن مضى، وإنما تسعى تلك القوى - الإقليمية والدولية – أيضًا إلى مصادرة المستقبل لصالح الكيان الصهيوني والحجر على إرادة الأجيال العربية والإسلامية المقبلة، ومصادرة حقها في الجهاد من أجل تحرير كامل التراب الفلسطيني وإعادة الحق إلى نصابه.

إن التنازلات التي قدمتها السلطة الفلسطينية طائعة مختارة أو مكرهة مجبرة ستظل باطلة وغير ملزمة لغيرها من القوى الوطنية والإسلامية داخل فلسطين وخارجها في شتى أنحاء العالم الإسلامي، والأكثر بطلانًا من ذلك أن تنفق السلطة، أو توافق على شيء يسمى نهاية الصراع، أو إغلاق ملف القضية وسد الباب أمام المقاومة والجهاد حتى يتم تحرير فلسطين وإقامة دولتها الحرة المستقلة على كامل ترابها ومقدساتها.

قد تكون ضرورات الواقع الراهن وضغوطه هي التي أكرهت بعض الأنظمة العربية الحاكمة للقبول بنهج المفاوضات وما نجم عنه من تنازلات عديدة ومهينة، ولكن تظل القوى الشعبية والإسلامية منها بصفة خاصة حرة في اختياراتها، وفي تفعيل الإمكانات التي تمتلكها وأهمها قوة الإيمان، وقوة الوحدة، وما تيسر لها من قوة الساعد والسلاح، حتى تبقى على جذوة الجهاد متقدة، ولا يهنأ للمغتصبين بال، ولا يقر لهم قرار مهما طال الزمن.

إن قضية فلسطين – كل فلسطين – كانت ولا تزال في قلب اهتمام حركة الإحياء الإسلامي المعاصر، بتياراتها المتنوعة، وبجماعاتها العاملة المجاهدة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها في سنة ۱۹۲۸م.

 لقد امتلكت الحركة الإسلامية رؤية واضحة بشأن قضية فلسطين منذ بداياتها الأولى، واستطاعت في ضوء هذه الرؤية أن تبني لها استراتيجية عملية طويلة المدى نواتها الصلبة الجهاد، ولا تزال الأحداث تزيدها ثباتًا وصمودًا وفاعلية، بالرغم من كثرة الضغوط وفداحة التحديات التي تواجهها والتضحيات التي تقدمها، ومنذ ثورة الشهيد عز الدين القسام في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، مرورًا بجماعة الإخوان المسلمين ومشاركتهم في تلك الثورة وجهادهم في حرب سنة ١٩٤٨م، وصولًا إلى حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وغيرها من جماعات المقاومة الوطنية والإسلامية تحددت الرؤية الإسلامية لقضية فلسطين في إطار الثوابت الأربعة الآتية: 

أولًا: أن مأساة فلسطين قضية عامة تهم العالم الإسلامي كله فوق كونها قضية فلسطينية وعربية.

ثانيًا: أن الجهاد المسلح هو السبيل الشرعي الوحيد لتحريرها وإرجاعها إلى أصحابها العرب من المسلمين والنصارى، ومن يقبل العيش بسلام معهم من اليهود في ظل دولة فلسطينية حرة وكاملة السيادة. 

ثالثًا: أن الوحدة على كل المستويات الفلسطينية والعربية والإسلامية لا بديل عنها في المواجهة مع العدو الصهيوني.

 رابعًا: تحريم التنازل عن شبر من أرض فلسطين إلى أن يتم تحريرها من البحر إلى النهر.

وبالرغم من وضوح هذه الرؤية واستمساك الحركة الإسلامية المجاهدة بها - وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين - إلا أنه يحلو للبعض من ضعاف النفوس ومزوري التاريخ وخدام الصهيونية ومثبطي الهمم من الانهزاميين والمطبعين يحلو لهم أن يهيلوا التراب على مثل هذه الرؤية الجهادية الصلبة، وأن يشوهوا صفحات ناصعة سطرها أبناء الحركة الإسلامية بدمائهم الزكية على أرض فلسطين المباركة استشهادًا في سبيل الله ورفعًا للحرج الشرعي عن الأمة الإسلامية بكاملها وقيامًا بفريضة الجهاد الذي تعين منذ دنست اقدام اليهود والصهاينة أرض فلسطين. 

وابتداء من هذا العدد تنشر المجتمع سلسلة من الوثائق المختارة التي سجلتها جماعة الإخوان المسلمين بقيادة الإمام الشهيد حسن البنا في شأن قضية فلسطين في مرحلتها الأولى الممتدة من سنة ١٩٣٣م إلى سنة ١٩٤٨م، أي قبيل الثورة الكبرى التي فجرها الشيخ عز الدين القسام، إلى دخول الجيوش العربية الحرب ضد العصابات الصهيونية بعد إعلان قيام الدولة العبرية في مايو سنة ١٩٤٨م.

وتهدف المجتمع من نشر هذه السلسلة الوثائقية في هذا الوقت بالذات إلى التذكير بأصول الرؤية الإسلامية لقضية فلسطين، التي لا نظن أنها غابت عن أذهان المجاهدين الصادقين لحظة، ولكن ﴿الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: ٥٥)، كما تهدف أيضًا إلى الإسهام في دعم المواقف الصلبة التي تقفها جماعات الحركة الإسلامية والوطنية المجاهدة داخل الأراضي المحتلة – وفي مقدمتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) – وخارجها.

هذا إضافة إلى الكشف عن بعض الوثائق التي تدحض المفتريات والأباطيل التي يروج لها المتخاذلون أمام أعداء الأمة المستأسدون على أبناء جلدتهم المستمسكين براية الحق والقوة والحرية.

سنطالع في هذه السلسلة – بإذن الله – أنماطًا متنوعة من الوثائق التي عبر بها الإخوان عن رؤيتهم وسجلوا فيها مواقفهم من مقالات، ورسائل وبيانات ومذكرات، وأحاديث إذاعية، وقد وجهوها إلى الكافة، بادئين بأنفسهم، ثم الشعب المصري، والشعوب العربية والإسلامية، ثم المسؤولين من حكامهم وأصحاب السلطة والنفوذ فيهم، ثم البعثات الدبلوماسية الأجنبية في مصر، وكذلك الهيئات الدولية التي ظهرت في تلك المرحلة الجامعة العربية، وهيئة الأمم المتحدة، ومن وراء ذلك كله إلى الرأي العام العالمي لاطلاعه على عدالة قضية العرب والمسلمين وبيان موقفهم منها. 

وثيقة العدد: وثيقة هذا العدد هي أول مقالة كتبها – بكاملها الإمام الشهيد حسن البنا عن قضية فلسطين، ونشرتها جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية بتاريخ ٢٠ رجب ١٣٥٢هـ الموافق 8 نوفمبر ۱۹۳۳م، وهي بعنوان «العالم الإسلامي: فلسطين المجاهدة»، وقد اعتبرناها في حكم الوثيقة، بالرغم من كونها مقالة، وذلك لسببين رئيسين، أولهما أنها الأولى في هذا الموضوع بالنسبة للإمام البنا، وثانيهما ثراء مضمونها واحتواؤها رؤية واضحة واستبصار مبكر بالخطر اليهودي الصهيوني. 

 وإذا كان الشيخ البنا قد كتب هذه المقالة الوثيقة، ونشرها في سنة ۱۹۳۳م، فليس معنى ذلك أنه لم يتعرض قبل ذلك لقضية فلسطين، إذ إن المصادر التاريخية الموثقة تشير إلى أن الإرهاصات الأولى لاهتمامه بقضية فلسطين قد بدأت في وقت مبكر من تأسيسه لجماعة الإخوان المسلمين، ففي مقال كتبه سنة ۱۹۲۹م ونشرته مجلة الفتح التي كان يصدرها السيد محب الدين الخطيب بتاريخ ۱۳ شعبان ١٣٤٧هـ أشار إلى تصاعد الخطر اليهودي في فلسطين، وحذر المسلمين من أن غفلتهم تزيد من أطماع اليهود وتشجعهم على العدوان على بلاد العروبة والإسلام، وأنهم سوف يستغلون الهجمة الاستعمارية الغربية لتثبيت أقدامهم في فلسطين بصفة خاصة، وفي مقال آخر كتبه سنة ١٩٣١م عبر عن شعوره بالأسى من تخاذل المسلمين حكامًا ومحكومين إزاء التحدي الاستعماري، وأشار إلى ما يجري في فلسطين بالتحديد، حيث أمة – من اليهود – تزاحم إخواننا على معايشهم في أوطانهم، وتقيم خطتها على طرد ذوي الأملاك إلى الصحراء والاستحواذ على أملاكهم بالقوة. 

 وعلى إثر الاعتداءات الإنجليزية واليهودية على أهل فلسطين وانتفاضتهم ضدها في سنة ۱۹۳۳م، كتب الشيخ البنا مقالته «فلسطين المجاهدة»، وقد أشار فيها إلى تلك الحوادث التي جرت في فلسطين المباركة، وأكد على أن قضية العرب فيها ليست في حاجة إلى إيضاح وأن بريطانيا هي أس البلاء الذي تشهده «البقعة المقدسة للوطن الإسلامي العام»، حيث كان وعد وزير خارجيتها بلفور – المشؤوم – ضربة قاضية للأمة العربية، فتحت الباب من خلاله لغزو فلسطين بجيوش من مهاجري اليهود وبخاصة من ألمانيا، وكشفت عن حقيقة التواطؤ بين الإنجليز واليهود ضد فلسطين وأهلها، وأكد أن على المسلمين واجبًا مقدسًا يجب أن يضعوه نصب أعينهم دائمًا هو أن يتذكروا أن مطلب العرب الأسمى هو وقف الهجرة الصهيونية، وتحقيق وعود حكومة الانتداب التي قطعتها على نفسها للعرب ومادام هذا المطلب غير محقق فإن الأمة الفلسطينية ومن ورائها العالم الإسلامي لا تسكت عن المطالبة به بكل وسيلة مشروعة، ودعا كذلك إلى ضرورة تقديم العون والمساعدة للضحايا الفلسطينيين دعمًا لجهادهم وصمودهم.

 لقد وضع الشيخ البنا يده على ثلاثة عناصر أساسية هي من ثوابت قضية فلسطين، ومن أصول إدراك أبعادها الإقليمية والدولية، وهذه العناصر هي:

  • أن فلسطين جزء لا يتجزأ من الوطن الإسلامي العام، وقضيتها هي قضيته.

  • وجود تحالف غير شريف بين الصهيونية والاستعمار لاغتصاب فلسطين.

  •  أنه لا بديل عن المطالبة بكامل فلسطين حتى تتحرر، وهذه مسؤولية الفلسطينيين كما هي مسؤولية العالم الإسلامي كله.

فلسطين المجاهدة

أفاضت الجرائد والمجلات في وصف الحوادث المؤثرة في البقعة المقدسة للوطن الإسلامي العام فلسطين المباركة، وليست قضية العرب في حاجة إلى الإيضاح والجلاء، ولقد كان وعد بلفور المشؤوم ضربة قاضية وجهت إلى الأمة العربية في الصميم، وأخذت دولة الانتداب تعمل منذ صدوره سرًا وعلانية على غزو فلسطين بجيوش من مهاجري اليهود، ولم تبال في هذا السيل بظلم العرب واغتصاب أرضهم وإخراجهم من ديارهم، وما حادث «وادي الحوارث» ببعيد.

وزاد الطين بلة تدفق هذه السيول المهاجرة بعد طردها من ألمانيا، وقد أخذ العرب يقنعون حكومة الانتداب بخطر هذه الهجرة عليهم وعلى بلادهم بشتى وسائل الإقناع، وهي لا تلقي لهم بالًا، فلم يسعهم أمام هذا الخطر الداهم إلا أن يرفعوا صوتهم بالاحتجاج في مظاهرة سلمية استأذنوا الحكومة في القيام بها، ولكن الحكومة التي تمالئ اليهود حرمت عليهم حتى حق الشكاية وحتى صيحة الألم، بعد أن أمضتهم وهددتهم تصرفاتها في أنفسهم وأموالهم، ولم تكتف بهذا التحريم بل قابلته في مظاهرتهم السلمية بما لم يكونوا ينتظرون من الفواجع وضروب العنت والإرهاق كرام يعتقلون، وأبرياء يسجنون وأرواح تزهق ودماء كريمة تسيل، وشهداء يذهبون ضحايا القيام بالواجب والدفاع عن النفس والوطن في تلك الحوادث التي علم بها الخاص والعام.

والآن وقد وردت الأنباء بهدوء الحال بعض الشيء على إثر وعد الحكومة بالتفاهم مع اللجنة التنفيذية للعرب فإن على المسلمين واجبًا مقدسًا يجب أن يضعوه نصب أعينهم – دائمًا – هو أن يتذكروا أن مطلب العرب الأسمى يتلخص في وقف الهجرة الصهيونية، وتحقيق وعود حكومة الانتداب التي قطعتها على نفسها للعرب إبان الحرب في حكم أنفسهم بأنفسهم، ومادام هذا المطلب غير محقق فإن الأمة الفلسطينية ومن ورائها العالم الإسلامي لا تسكت عن المطالبة به بكل وسيلة مشروعة، وأن يتذكروا دائمًا أن هذه الاضطرابات والحوادث في فلسطين تركت وراءها جرحى يجدون من الألم، يحتاجون إلى التطبيب والمواساة، وأيتامًا وأرامل لا عائل لهم، فعليهم أن يفكروا في وسائل المعونة العملية، ومن أهمها جمع الاكتتابات وإرسالها إلى فلسطين، وجزا الله جماعة الدفاع عن الإسلام خير الجزاء على ما قامت به في هذا السبيل من عمل مبرور وسعي مشكور، وإن الإخوان المسلمين ليضمون صوتهم إلى أصوات إخوانهم في آفاق الأرض في مطالبتهم بحقوق العرب الأمجاد في نصرة فلسطين المجاهدة.

حسن البنا

الرابط المختصر :