العنوان في وداع ٢٠٠٧
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 05-يناير-2008
مشاهدات 99
نشر في العدد 1783
نشر في الصفحة 25
السبت 05-يناير-2008
أبى عام ٢٠٠٧م أن يودعنا وداعاً عادياً، فكانت أيامه الأخيرة دموية في باكستان "بينظير بوتو "ومعها العشرات مما يؤذن بآثار سياسية، وتداعيات خطيرة تمتد من باكستان إلى الجوار القريب والبعيد، وتصاعدت الهجمات الصهيونية على غزة والضفة ليرتقي المزيد من الشهداء إلى لقاء ربهم، وتتوتر العلاقات على الجانب الشرقي لمصر وتظهر مبكرًا جدًا آثار فشل مؤتمر أنابوليس الذي كان من أبرز علامات ۲۰۰۷م.
ومن باكستان إلى فلسطين، مرورًا بأفغانستان والعراق وإيران نلمس أهم ملامح العام المنصرم وهو تراجع المخططات الأمريكية، وتراكم الفشل الأمريكي مما أدى إلى المزيد من الفوضى المدمرة في المنطقة العربية والإسلامية دون وجود بديل يملأ الفراغ الذي يترتب على ذلك الفشل وهو ما أنتج حالة من عدم اليقين والسيولة وانتظار المجهول أو المجاهيل.
كان من الممكن أن تكون عودة "بينظير بوتو" أبرز محطات العام الذي تودعه بعد سنوات ثمان في المنفى وأن يكون فوزها في الانتخابات التي أصبحت في حكم المجهول أول محطات العام الذي نستقبله لتتقاسم السلطة مع الجنرال المتشبث بها إلى آخر رمق في حياته في خطة أمريكية مرسومة لمواجهة أشباح تنظيم القاعدة، في إطار الحرب على الإرهاب التي تسببت في المزيد من العمليات الإجرامية والإرهابية في كافة أنحاء العالم، باستثناء أمريكا نفسها مما يزيد من الشكوك حول تلك الحرب العجيبة التي لم يشهد العالم مثلها في تاريخه.
أضحى اغتيال بوتو ، أبرز محطات الفشل الأمريكي المتجدد خلال عام ٢٠٠٧م لتنعكس آثاره على باكستان نفسها ، ثم على الجار الأقرب أفغانستان التي عكس عام ٢٠٠٧م سيطرة حركة طالبان على أكثر من ٥٠% من أراضيها، وشهد في الشهر الأخير حملة عسكرية على موسى قلعة لاستعادتها كأبرز المدن التي تسيطر عليها كما شهد من قبل زيارات لقيادات سياسية أوروبية بارزة ليتعهدوا بمواصلة دعم الحكومة العميلة للغرب بقيادة قرظاي، والتي لا تسيطر إلا على العاصمة كابل، وليؤكدوا بقاء القوات الأوروبية والدولية لحلف الأطلسي حتى إنجاز المهمة التي لم تعد بنفس الوضوح السابق في ظل تواتر الأخبار عن اتصالات سرية يقوم بها سياسيون أوروبيون مع طالبان، مما أزعج حكومة قرظاي، فقامت بطرد اثنين من هؤلاء ولم تعباً بالاحتجاجات الأوروبية.
قطعاً كان أهم مطالب أمريكا من تحالف بوتو مشرف القضاء على الدعم القادم من باكستان، ولعله من قطاعات استخباراتية وعسكرية لحركة طالبان، ولعل الاتهامات التي ظهرت حتى الآن ضد الحكومة الباكستانية وضد مشرف شخصيا، تعكس حجم الفوضى الضاربة في جهاز الدولة الباكستانية، وكما هو الحال في أهم محطات الاغتيالات العالمية ستبقى أسرار ضخمة طي الكتمان مع دفن جثمان بوتو وسيعلق الاتهام في رقبة القاعدة وطالبان.
إذا كان عام ٢٠٠٦م ودعنا بالمشهد المروع لإعدام، صدام حسين، فها هو ٢٠٠٧م يودعنا بمشهد أكثر دموية باغتيال بوتو فإن الشهور الـ ١٢ بين المشهدين تعكس تراجع القوة العظمي الوحيدة، ووهم الانفراد بالعالم من جانب نخبة المحافظين الجدد الذين رسموا سياسة إدارة بوش الابن على مدار السنوات الماضية، ثم قفزوا من السفينة الغارقة كالفئران المذعورة.
أصبح المشهد العراقي الآن مع نهاية ٢٠٠٧م يبحث عن استراتيجية للخروج المشرف للقوات الأمريكية التي كادت أن تصبح وحيدة بعد انهيار الحلف بخروج الحلفاء الواحد إثر الآخر بعد الهزائم المتتالية للزعماء الذين التحقوا بسيد البيت الأبيض، وخروجهم من كراسي الحكم واحد بعد الآخر، وها هو جورج بوش الابن نفسه وبحكم الدستور الأمريكي سيترك البيت الأبيض بعد أقل من عام غير مأسوف عليه، وها هو يستعد لرحلة وداعية لبلادنا ولسان حاله يقول للزعماء العرب الذين ورطهم بمغامراته الفاشلة خلصوا أنفسكم لأني لا أستطيع خلاص نفسي بعد أن تركني الأصدقاء والحلفاء والناصحون المقربون !!
يودع لبنان عام 2007م رئيس للجمهورية في بلد التوافق والطوائف وها هي الجلسة العاشرة أو الـ (۱۱) لا أدري قد تم تأجيلها إلى ما بعد الأعياد المسيحية بالميلاد المجيد.
أما فلسطين الحبيبة فتودع عامًا وتستقبل آخر بمزيد من الشهداء والدماء الزكية التي تروي شجرة الاستقلال والحرية، ومع ارتقاء الشهداء تتواصل اجتماعات أبو مازن مع أولمرت بدون نتيجة حيث يستمر الاستيطان والتوسع في المزيد من المساكن والمستوطنات وبناء الجدار العازل جدار الفصل العنصري والهجمات البربرية على غزة والضفة مع صمت عربي بل وصل إلى درجة التواطؤ في حصار غزة ومنع الاحتجاجات الشعبية على ذلك الحصار والتهديد الصهيوني والعقاب الأمريكي لفرض المزيد من الحصار والتجويع على شعب مقاوم ومجاهد وعقابه على اختياره الحر في انتخابات نزيهة حرة.
وفي عام ٢٠٠٧م شهدت مصر أغرب تهمة من خلال الرسائل المتضاربة التي أرسلتها هيئة المحكمة للمتهمين وأسرهم، وللإخوان والرأي العام فقد اتضح للجميع أن التهمة الحقيقية التي يحاكم عليها هؤلاء هي انتماؤهم للإخوان، وكأن الإخوان شيح خفي ليس له ۸۸ نائباً في البرلمان (۲۰%) ويملؤون الأصقاع والبلاد بعشرات الآلاف.
ويودع المصريون عام ۲۰۰۷م مع تصاعد حركة الاحتجاجات العمالية التي انضم إليها قبل نهاية العام في سابقة لم تحدث منذ عام ١٩١٩م موظفو الضرائب العقارية كممثلين لموظفي الحكومة، وبدأ تذمر الأطباء وأساتذة الجامعات وغيرهم، هذه الاحتجاجات تتواكب مع موجة الغلاء وارتفاع الأسعار وعدم قدرة غالبية الشعب على مواجهة الغلاء البشع الذي وصل إلى نسبة تزيد على ٣٠%.
نودع عام ٢٠٠٧م ومعه ودعنا آخر انتخابات شبه حرة في عام ٢٠٠٥م حيث بدأ العام بانتخابات مزورة تمامًا لمجلس الشورى، وانتهى بانتخابات مزورة تمامًا تكميلية لـ 4 مقاعد في مجلس الشعب بينما يظل ۱۲ مقعداً أصليًا خاليا دون انتخابات منذ عام ٢٠٠٥م في مفارقة عجيبة لا تحدث إلا في مصر.