; قانون التعليم الجديد يهدد الهوية العربية الإسلامية في موريتانيا | مجلة المجتمع

العنوان قانون التعليم الجديد يهدد الهوية العربية الإسلامية في موريتانيا

الكاتب محمد جميل بن منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1999

مشاهدات 58

نشر في العدد 1365

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 31-أغسطس-1999

  • بدأت إجراءات تطبيقه والإسلاميون طالبوا بإلغائه
  • هل تسعى الحكومة الموريتانية لخطب ود فرنسا بتغيير أصول هويتها؟

في موريتانيا بدأت وزارة التهذيب التربية والتعليم الإجراءات التحضيرية لتطبيق قانون التعليم الجديد الذي صادقت عليه الحكومة ثم البرلمان منذ شهرين تقريبًا، ويتعلق الأمر أساسًا بالإعلان عن اكتتاب مدرسين جدد غالبيتهم من ذوي التخصص باللغة الفرنسية من ناحية، وبدء عمل مجموعة من اللجان الفنية تمهيدًا لافتتاح السنة الدراسية القادمة أولى سنوات القانون الجديد من ناحية ثانية.

وينص قانون التعليم الجديد على توحيد النظام التربوي الموريتاني الذي كان ينقسم إلى شعبتين إحداهما عربية والأخرى فرنسية ولتحقيق هذا الغرض جعلت كل المواد العلمية من علوم وفيزياء ورياضيات حساب في الابتدائية ومعلوماتية بالفرنسية، وفي المستويات كافة، ولكل التلاميذ والطلاب، أما المواد التي تدرس بالعربية فهي التاريخ والفلسفة والتربية الإسلامية والمدنية، هذا مع إلزامية الفرنسية في مستويات التعليم كافة، خصوصًا الثانوية العامة.

وإذا ما وضعنا في الاعتبار أن عدد الثانويات العامة «الباكالوريا» هو خمس علوم رياضيات تقنيات آداب عصرية آداب أصلية فإن الفرنسية سوف تحتل أكثر من ٦٠% من لغة التعليم في البلاد، إذ إنها مهيمنة على الثلاث الأولى ولها نصيب مقدر في الرابعة والخامسة.

أما فيما يتعلق بالمواد الإسلامية، فقد شهدت تراجعًا كبيرًا في القانون الجديد، إذ أصبحت التربية الدينية الإسلامية، في المرحلة الابتدائية ثلاث ساعات فقط بدل ست في السابق وساعتين في المرحلة الإعدادية بدل ثلاث، أما الثانوية فقد حجمت في «العلوم والرياضيات والتقنيات» و«الآداب العصرية، لتصبح ساعة واحدة تلغى في السنة النهائية «أي سنة الباكالوريا» أما الآداب الأصلية وهي في الأصل خاصة بأصحاب الثقافة الشرعية، فاقتصرت على مادتين إسلاميتين، الفكر الإسلامي «يعني تاريخ الفلسفة الإسلامية» والتفسير والتشريع بينما كانت في السابق توجد مواد «القرآن والحديث والفقه والأصول».

ويعطي القانون الجديد أيضًا دورًا أكبر للإنجليزية التي أصبحت تدرس من المرحلة الإعدادية، وكذلك للتعليم المهني والحرفي وهو ما كان غائبًا في السابق.

هذا عن مضمون القانون، أما عن السياق الذي صدر فيه، فقد جاء حسب عدة مراقبين - خطبًا لود فرنسا، لتخفف من مآخذها على النظام ولتساعد في تسهيل القروض التي بدأت المؤسسات النقدية الدولية تتردد في شأنها، وقد سعت السلطات إلى تمرير القانون بطريقة مستعجلة سواء على مستوى الحكومة، أو على مستوى البرلمان وقد لاحظ الكثيرون أن البرلمان قد مورست فيه مختلف الضغوط على نواب ضعاف في الأصل للتوقيع على هذا التحول الخطير في مسار هوية البلاد ووجهتها الحضارية.

ردود الأفعال والمطالبة بإلغاء القانون

اتفقت جميع الأطراف الموريتانية على معارضة القانون باستثناء السلطة وحزبها طبعًا ففي حين اكتفت الأحزاب الكبيرة ببيانات تنديد ورفض وهو حال أكبر أحزاب المعارضة اتحاد القوى الديمقراطية عهد جديد الذي يتزعمه أحمد ولد داداه، والعمل من أجل التغيير الذي يرأسه مسعود ولد بلخير، فإن التيار الإسلامي وفصيلًا من التيار القومي الناصري طرقا عدة أبواب لفرض القانون الجديد، فقد وحد الأئمة معظم خطبهم خصوصًا في العاصمة لإعلان رفضهم لقانون التعليم الذي تنكر الأصالة البلاد وهويتها الإسلامية.

كما أصدرت شخصيات معروفة في الحركة الإسلامية بيانًا تحليليًا باللغتين العربية والفرنسية، تناولوا فيه واقع التعليم وأهم مظاهر الفشل والارتباك فيه والتي أرجعوا معظمها لسياسات الإشراف ومستوى العناية الحكومية، ثم تناولا القانون الجديد بالنقد على المستويين الشكلي والمضموني وخلص بيان الأطر الإسلامية قائلًا:

من هنا نطالب بإلغاء هذا القانون الذي تنكر للمرجعية الحضارية للبلد، ونهيب بكل القوى الحية أئمة وعلماء وأحزاباً ونقابات وآباء تلاميذ وعامة أن يعملوا لتحقيق هذا الهدف النبيل، ثم واصل البيان مختتمًا: وفي الأخير نؤكد أن أي إصلاح للنظام التربوي في بلادنا يجب أن ينطلق من الأمور التالية:

  • التأسيس على المرجعية الإسلامية جملة وتفصيلاً.
  • صيانة مكاسب التعريب وتعزيزها 
  • تطوير لغاتنا الوطنية الأخرى وجعلها في موقع أقدر على تحقيق التواصل والألفة والتفاهم. 
  • التركيز على التعليم العلمي والمهني لما لهما من أهمية استراتيجية ملموسة.
  • الانفتاح على اللغات العالمية وخصوصًا الفرنسية والإنجليزية بما لا يؤثر على الثوابت.

وقبل كل هذا، يجب أن تتسع دائرة التشاور والحوار عند أي إصلاح أو تغيير.

 أما التيار القومي الناصري... ممثلًا بالأساس في حزب التحالف الشعبي التقدمي فقد أصدر عدة بيانات تحليلية ضمنها جداول توضح مساوئ النظام التربوي الجديد ومخاطره على الهوية العربية الإسلامية لموريتانيا.

 وتشهد الساحة الوطنية خصوصًا في دوائر التيار الإسلامي والقومي عدة مشاورات قد تنتهي بتشكيل هيئة وطنية للدفاع عن الأصالة تسند رئاستها لشخصية وطنية مستقلة، ولا يخفي الشارع الموريتاني عمومًا امتعاضه من هذا القانون الجديد، غير أن انشغال الناس بهم المعاش ومتعلقاته يقلل من آثار هذا الامتعاض، وحتى في دوائر النظام نفسه برز بعض المعارضة، فقد انفرد نائب برلماني من الحزب الحاكم «إسماعيل ولدا عمر»، بمعارضة القانون والاستمرار في تلك المعارضة، رغم ضغوط حزبه والسلطة من ورائه.

الآثار وآفاق المستقبل

إن أثار هذا القانون على هوية البلاد العربية والإسلامية واضحة وخطيرة، فعودة الفرنسية إلى دائرة الاهتمام والهيمنة تعني عودة الفرانكفونية، فكل لغة حمالة ثقافة، والفرنسيون معروفون بالتركيز على الاستعمار الثقافي، ثم إن تهميش اللغة العربية والتربية الإسلامية، سيجعل الأجيال الجديدة معرضة للمسخ والتغريب في واقع لا يشجع على الالتزام والأصالة، وينتظر الا تحمل التربية المدنية وهي مادة ركز عليها القانون الجديد كثيرًا، مما يخدم يـ التوجه العربي الإسلامي بل إنه من المفترض - حسب البعض - أن تركز على مسائل هي في أولويات وأجندة الجهات الغربية التربية السكانية، قضايا المرأة والبيئة، إلخ.... أما إذا انضاف لهذا أن المشرفين على تطبيق القانون الجديد - أو بعضهم على الأقل - ليسوا من المتحمسين لاتجاه التعريب والأصالة الإسلامية، فستزداد الصورة قتامة.

 أما عن أفاق المستقبل فقد لا تكون مشجعة خصوصًا مع إصرار السلطة على تطبيق قانون النظام التربوي الجديد واستعدادها للتصدي - ولو بالقوة - لكل من يعرقل ذلك، غير أن معارضة هذا القانون إذا ما استمرت وتطورت وأخذت أشكالًا مختلفة وبنفس طويل ستكون قادرة على إلغائه أو مراجعته وتعديله - على الأقل - بما يحفظ للبلاد الحد الأدنى من ثوابتها العربية الإسلامية.

ويسجل كثيرون أن النظام الموريتاني الحالي لم يعد يبالي بأي من الثوابت، بل إنه تجاوز خطوطًا حمراء كانت في السابق من المحرمات وأهمها إضافة للفرانكفونية التي يكرسها القانون الجديد التوجه الرسمي نحو فتح جسور للعلاقات مع اليهود، والتعاون مع الكيان الصهيوني، وقد بلغت التحركات الرسمية في هذا الاتجاه مستوى خطيراً في الفترات الأخيرة.

الأمر الذي يدعم وجهات النظر القائلة بوجود علاقة بين التغييرات الجديدة على الصعيد الداخلي في مجال التربية والتعليم، والتوجهات السياسية الخارجية بخصوص العلاقة بالكيان الصهيوني وعملية السلام.

الرابط المختصر :