; قبرص ما زالت العقبة الكبرى.. مسار تركيا الصعب نحو بوابة الاتحاد الأوروبي | مجلة المجتمع

العنوان قبرص ما زالت العقبة الكبرى.. مسار تركيا الصعب نحو بوابة الاتحاد الأوروبي

الكاتب طه عودة

تاريخ النشر السبت 01-يناير-2005

مشاهدات 64

نشر في العدد 1633

نشر في الصفحة 32

السبت 01-يناير-2005

جول للأوربيين: هل تعتقدون أنكم تتحدثون مع قائد جيش مغلوب؟.. إذا باءت المفاوضات بالفشل.. فقد زرعتم بأيديكم بذور "تصادم الحضارات"

أخيرا قدر لتركيا أن تنال الرضا الأوروبي، فبعد أربعين عاماً من الانتظار تارة مصحوبة بالأمل وتارة أخرى بخيبة الأمل منحت تركيا الضوء الأخضر لبدء محادثات العضوية مع الاتحاد الأوروبي في الثالث من أكتوبر ٢٠٠٥م والتي تعد خطوة مهمة انتظرتها أنقرة طويلاً في سياق جهودها للانضمام إلى المنظومة الأوروبية رغم أن الموافقة جاءت مشروطة؛ إذ يتعين على تركيا أن تخوض اختبارات عديدة لقبول عضويتها الكاملة في الاتحاد.

عقبات أمام تركيا: على الرغم من حصول أنقرة على موافقة الدول الأوروبية على بدء مفاوضات العضوية معها العام القادم، إلا أنه كان هناك بعض العقبات التي عادة ما تحدث في اللحظة الأخيرة وخصوصاً عندما يتعلق بالقضايا المصيرية والحساسة بالنسبة للأمن التركي فقد طلب زعماء الاتحاد الأوروبي من أردوغان الاعتراف بجمهورية قبرص اليونانية التي رفضت في شهر أبريل الماضي خطة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بإعادة توحيد الجزيرة، لذا فإن القيام بهذه الخطوة من جانب أردوغان كان أمراً مستحيلاً من الناحية السياسية، بالإضافة إلى أن الشعب التركي لم يكن سيقبله بأي حال من الأحوال، لذلك فقد تم التوصل إلى صيغة بديلة في بروکسل؛ حيث وافق أردوغان على توسيع اتفاق الجمارك الموقع عام ١٩٦٣م بين تركيا وعدد من الدول الأوروبية ليشمل الدول العشر التي انضمت مؤخراً للاتحاد الأوروبي بما فيها جزيرة قبرص اليونانية.

مفاوضات بدء العضوية كادت تتعرض في بدايتها للفشل التام بإعلان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الانسحاب اعتراضاً على الشروط التي وضعها الاتحاد لبدء مفاوضات العضوية ومنها:

-        الاعتراف بقبرص قبل الثالث من أكتوبر عام ٢٠٠٥م والتوقيع على ورقة تثبت ذلك. المفاوضات ستبدأ على أساس الضم الفعلي للاتحاد، ولكن في حال فشلها فإنه سيكون على تركيا قبول الارتباط بأوروبا ضمن اقتراحات بديلة.

-        فرض شروط دائمة على تركيا.

يقول الكاتب الصحفي فكرت بيلا في جريدة "ملييت" اليومية: لقد بدأت فكرة مغادرة طاولة المفاوضات تكتسب بعداً كبيراً في رؤوس المسؤولين الأتراك على أمل أن تتراجع أوروبا عن شروطها والقناعة بأن الأوروبيين لن يفضلوا ٦٠٠ ألف قبرصي يوناني على ٧٠ مليون تركي. وبما أن للعملة وجهاً آخر فقد كان هناك سؤال آخر يقلق المسؤولين الأتراك ماذا لو تعنت القادة الأوروبيون في شروطهم؟ وعندها ماذا سيحصل للاقتصاد التركي والقروض والمحيط السياسي والتوقعات الشعبية بنيل العضوية؟.

 كل هذه الأسئلة بدأت تدور في عقول المسؤولين الأتراك بينما انتفض وزير الخارجية عبد الله جول ليقول: "دول الاتحاد الأوروبي قاطعت المؤتمر الإسلامي لمجرد أن تركيا طبعت اسم دولة قبرص الشمالية التركية على بطاقات الدعوة". فماذا ستفعل الآن لو نحن غادرنا طاولة المفاوضات، وأضاف: "يجب أن نتمسك بالخيط الأوروبي ونشده حتى آخره، ربما ينقطع في أي وقت ولكن على الأقل لن نكون نحن من قطعناه".

وفي صباح اليوم التالي أي نهار "الخميس ١٦-١٢-٢٠٠٤م، وصلت مسودة البيان الأوروبي إلى أيدي الأتراك ليجدوا بأنه لم يحدث أي تعديل فيها كما طلبوا.. عندها قرر رئيس الوزراء مغادرة طاولة المفاوضات قائلاً : ولا يمكن الاستمرار على هذا المنوال، فلنغادر فوراً".

وفور سماع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير هذا الخبر وتيقنه من أن الخيوط ستنقطع بالفعل بين تركيا وأوروبا تدخل فوراً ليجتمع بنظيره الهولندي الذي يتولى الرئاسة المرحلية للاتحاد الأوروبي، ومن ثم مع المستشار الألماني جيرهارد شرودر وبعده الرئيس الفرنسي جاك شيراك ليؤكد لهم أن قطع الخيوط مع تركيا سوف يضر بالجانبين على حد سواء.. وبعد ذلك تم استصدار مسودة قرار أكثر ليونة مع تركيا بشأن قبرص قابلة للتفاوض. نعم يمكن القول إن تركيا عاشت حرباً دبلوماسية مع أوروبا لتصل إلى النتيجة التي يمكن وصفها "بالناجحة".

من وراء الكواليس

من الواضح أن تصميم المسؤولين الأتراك على رأيهم والذي وصل في بعض الأحيان إلى مرحلة من الخشونة والتعنت في الوقت الذي كانت فيه المفاوضات مهددة بالانقطاع قد جاءت بنتيجة وكان له الأثر الأكبر في تراجع الأوروبيين عن إملاء الضغوط على تركيا.

وسائل الإعلام نقلت عن عبد الله جول قوله لرئيس الوزراء الهولندي بالكنيندة ووزير خارجيته بوتا: "إذا باءت المفاوضات بيننا بالفشل، فإنكم بذلك تكونون قد زرعتم بأيديكم بذور تصادم الحضارات..." وأيضاً إذا وصلت العلاقات بيننا إلى مرحلة الانقطاع عندها ستجدون تركيا سلبية بمواجهتكم.. ونصيحتي لكم بأن تفكروا جيداً وتأخذوا بعين الاعتبار ماذا ستعني سلبية تركيا بقوتها الاقتصادية والسياسية بالنسبة لكم..".

إصرار الاتحاد الأوروبي على دفع تركيا إلى توقيع بروتوكول بشأن الاعتراف بقبرص كان من أهم العوامل التي دفعت أردوغان وجول إلى اتخاذ موقف صارم وحاسم بهذا الشكل بيد أن الأوروبيين سلطوا ضغوطهم على أردوغان وجول لتوقيع البرتوكول دون قيود أو شروط، بل ضمن مراسم تجرى أمام الصحفيين. هذه الضغوط أدت إلى تصعيد حالة الانفعال والتوتر لدى أردوغان وجول، فما كان من جول إلا أن قال: هل تعتقدون بأنكم تتحدثون مع قائد جيش مغلوب؟ حكومة قبرص اليونانية نفسها لم تتمكن من رفع قضيتها إلى الأمم المتحدة، فهل تعتقدون أنكم أنتم (الاتحاد الأوروبي) ستتمكنون من رفعها؟ طبعاً لا سلطة ولديهم القبارصة اليونانيون في يدهم، حق باستخدام الفيتو ضدنا، وإذا كانوا يريدون استخدامه فليفعلوا، هذا الموقف الصارم والحاسم من أردوغان وجول وصل إلى درجة أنهما رفضا وساطة وزير خارجية إحدى الدول الكبرى الذي جاء الفندق لإقناعهم حين قالا له: لا داعي لذلك، فالأمر انتهى.. وهو الأمر الذي رسخ الاعتقاد في ذهن القادة الأوروبيين من أن تركيا لا تتحايل عليهم بل هي في غاية الجدية من أمرها.

كما أكد جول أيضاً على أن موافقة القبارصة الأتراك على خطة الأمم المتحدة كان له الفضل الأكبر في حصول تركيا على موعد للتفاوض مع أوروبا. وأضاف: "لولا النعم التي خرجت من أفواه القبارصة الأتراك على الاستفتاء لما كانت تركيا لتحلم بانتزاع تاريخ من الاتحاد الأوروبي، نعم، السيد دنكطاش هو من فتح هذا الطريق".

تفسيرات أوروبية: اصطدام المفاهيم أو التفسيرات التركية الأوروبية حول: من يسعى إلى الآخر؟ بمعنى هل تركيا هي التي تسعى وراء الحصول على العضوية في الاتحاد؟ أم أن الاتحاد هو الذي يسعى لضم تركيا في عضويته نظراً لأهميتها الجيوستراتيجية؟.

الرؤية التركية تؤكد أهمية تركيا الجيوستراتيجية بالنسبة للاتحاد الأوروبي من ناحية الغاز التركي، وأن تركيا بوابة القوقاز ووسط آسيا وكذلك حاجة أوروبا إلى القوة العسكرية والجنود الأتراك لحماية القارة والبلقان أيضاً، وخصوصاً بعد تأكيد بعض المسؤولين الأتراك أن تعداد السكان الأوروبيين سيتناقص كثيراً بعد عشرين عاماً إلى درجة تعجز أمامها أوروبا عن حماية القارة.

أما الرؤية الأوروبية فتؤكد أن تركيا هي التي تسعى منذ فترة سعياً حثيثاً من أجل الحصول على العضوية، بدليل تحسن علاقاتها مع اليونان. إجمالي القول أن الأوروبيين وهم يضعون شروط انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي يدركون أن هذا الانضمام لن يكون سهلاً، بل سوف تكتنفه صعاب وعقبات كثيرة سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو ثقافية، ومن الناحية السياسية فإن انضمام تركيا سوف يجبرها على التراجع عن سياستها تجاه الأكراد والمتبعة منذ سنوات طويلة. لذلك ستضطر تركيا إلى انتهاج سياسة جديدة مناقضة لما سبق ممارسته من سياسات في السنوات الأخيرة.

آمال أمريكية

تأمل الولايات المتحدة أن تتحول تركيا كدولة إسلامية إلى حليف استراتيجي تضيف إلى عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) الانضمام للاتحاد الأوروبي في يوم ما، وتعتقد الولايات المتحدة أن تركيا هي النموذج الأمثل لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تسعى لتطبيقه، وترى بأن تركيا لن تكون دولة إسلامية فلن يسمح الجيش بذلك فما زالت أفكار أتاتورك تعيش في البلاد. وكان الرئيس الأمريكي جورج بوش حريصاً على دعم طلب تركيا الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي لدرجة أنه أثار حفيظة بعض الحكومات الأوروبية في قمة حلف شمال الأطلسي التي عقدت في إسطنبول في يونيو الماضي. وقال بوش للمسؤولين الأتراك، أعتقد أنه يتعين على الاتحاد الأوروبي تحديد تاريخ لقبول عضويتكم في الاتحاد الأوروبي". وأغضبت تصريحات بوش الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي رد عليها قائلاً: "ليس من شأن بوش تقديم النصح للاتحاد الأوروبي، ويبدو الأمر كما لو أنني أقول للأمريكيين: يجب أن تعيدوا النظر في علاقتكم بالمكسيك".

ويرجع قبول الاتحاد الأوروبي بدء مفاوضات العضوية مع تركيا نتيجة تراكم جملة من المتغيرات الإقليمية والدولية في علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي. وفي البداية لا يمكن أن نغفل البعد الأمني والدور الأمريكي الذي أسهم في ليونة الموقف الأوروبي تجاه تركيا سواء بسبب الدعم الأمريكي للطلب التركي أو الحقيقة تنامي العلاقات التركية الأمريكية التي وصلت ذروتها في زيارة بوش إلى أنقرة يونيو الماضي، مما جعل الاتحاد الأوروبي يدرك خطورة ابتعاد تركيا عن الدائرة الأوروبية واتجاهها نحو توثيق علاقاتها مع أمريكا على حسابه، فهناك توتر معلن وغير معلن داخل حلف الأطلسي بين الولايات المتحدة وأوروبا بسبب الحرب على العراق.

مستقبل غير مضمون

التحدي الذي تواجهه تركيا حالياً بعد قرار الاتحاد الأوروبي هو الحصول على ود الأوروبيين غير المقتنعين بالكامل بمصير تركيا الأوروبي، وهل سيتم فعلاً قبول عضويتها في الاتحاد أم لا؟ وهم في الوقت نفسه لا يوصدون الباب أمام الفكرة ما دامت أنقرة ستلبي المتطلبات المحددة للعضوية والشروط التي وضعت لبدء محادثات الانضمام وعلى رأسها قضية الاعتراف بقبرص والتي تعتبرها أنقرة من الخطوط الحمراء.

الموافقة المشروطة التي أعلنها الاتحاد الأوروبي بشأن تركيا لا تعني ضمانة للعضوية التامة لها وربط المفاوضات بسقف زمني مفتوح أيضاً مؤشر إلى احتمال أن تكون هناك صيغة أخرى في حال فشل تركيا في مرحلة المحادثات. لقد أصبحت قبرص ومسألة الاعتراف بها الشرط المهم ضمن الشروط الرئيسة التي وضعها الاتحاد الأوروبي أمام تركيا، بل والعقبة الرئيسة أمامها في المفاوضات مع القادة الأوروبيين. وبشرطه الاعتراف بقبرص فقد تجاوز الاتحاد الأوروبي الخطوط الحمر لتركيا، بالرغم من أنه أعطاها الضوء الأخضر للانضمام إليه.

وأخيراً.. الكرة الآن في ملعب أنقرة والطريق إلى الاتحاد الأوروبي أصبح ممهداً لكنه يمر عبر قبرص الخط الأحمر بالنسبة إليها.

الرابط المختصر :