العنوان جنوب إفريقيا: قبل الانتخابات العامة: أثرياء جنوب إفريقيا والفرار من المجهول
الكاتب عمار التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1994
مشاهدات 109
نشر في العدد 1097
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 26-أبريل-1994
مقال: الأوضاع في جنوب إفريقيا قبيل الانتخابات
مع اقتراب موعد الاقتراع في أول انتخابات عامة تجرى في جنوب إفريقيا
يسمح للأغلبية من السود بالمشاركة فيها، تزداد الأوضاع تدهورًا، وتسود حالة من
التوتر الشديد، وأكثر ما تؤثر هذه الحالة على غير الأفارقة، حيث ينتاب القلق
المواطنين من أصل غير إفريقي لعدم وضوح الرؤية وللتخوف مما يمكن أن تؤول إليه
الأوضاع أو تسفر عنه نتيجة الانتخابات، هذا إن تمت في موعدها المقرر.
● موقف البيض
ولئن كانت أعداد كبيرة من البيض الأثرياء قد غادرت البلاد منذ عامين،
فقد جاء الآن دور الآسيويين، وخاصة المنحدرين من أصول هندية؛ فهؤلاء جلهم من
التجار ورجال أعمال تمكنوا عبر سنوات الأبارتيد "التفرقة العنصرية"
ولأسباب خارجة عن إرادتهم ناتجة عن تصنيف النظام العنصري للمجتمع إلى طبقات لونية
من بناء ثروات لا بأس بها. فكما هي طبيعة أصحاب رؤوس الأموال في كل مكان في
العالم، بدأت تنتابهم مشاعر مختلطة من عدم الاطمئنان وعدم الاستقرار.
كثيرون منهم يميلون عاطفيًّا إلى دعم المؤتمر الوطني الإفريقي بقيادة
نيلسون مانديلا، لكن منطلق المال والتجارة يجعلهم يتمنون ألا يفوز فوزًا كاسحًا
لئلا يغلب على الحكومة القادمة العنصر القومي الإفريقي، مما سيعني أن كثيرًا من
الامتيازات التي تمتعوا بها حتى الآن يمكن أن تفقد بين عشية وضحاها، وخاصة أن
كثيرًا من النشطاء السود لم يكفوا عن التوعد والتهديد بأنهم إذا آلت مقاليد الأمور
إليهم فسيفعلون بالبيض والهنود العجائب، مكررين بعض التجارب المريرة التي حدثت من
قبل في دول إفريقية أخرى إلى الشمال.
ويرى أصحاب الأموال والمصالح التجارية من الهنود أن زعامة الحزب
الوطني الإفريقي ذكية معتدلة ولا يخشى منها، ولكن الخوف كل الخوف من قيادات الصف
الثاني والثالث الذين لا يتمتعون بنفس المواصفات من الدهاء السياسي والحذق
الإداري؛ ولذلك دفعت هذه الشكوك كثيرًا من الأثرياء إلى دعم حزب البيض الذي يقوده
ديكليرك على الرغم من عدم احترامهم له ناهيك عن أن يحبوه أو يثقوا به، وإنما هم
يرون في التصويت لصالحه محاولة لتقليل نسبة الأصوات التي يمكن أن يحقق بسببها حزب
مانديلا أغلبية كبيرة تؤهله لأن يتصرف وحيدًا في معزل عن المعارضة القوية.
● موقف المسلمين
وأما المسلمون، فانحاز بعضهم إلى جانب الحزب الإفريقي القومي بزعامة
كليرانس ماكويتو نكاية بحزب مانديلا الذي بات يحتفظ بعلاقات قوية بإسرائيل، وخاصة
بعد أن دخلت منظمة التحرير -التي يرتبط رئيسها عرفات بمانديلا بصداقة حميمة- عملية
السلام مع الكيان اليهودي، وخاصة بعد تردد أنباء عن توقيع اتفاقيات تعاون في
المجال الأمني -تدريب الشرطة والمخابرات- بين المؤتمر الوطني والكيان الصهيوني.
أما التوتر الحاصل وانعدام الأمن والاستقرار، فمصدره بشكل رئيسي
فريقان من الناس؛ يتشكل الفريق الأول من أنصار المجموعات العنصرية من البيض، بينما
يتكون الفريق الثاني من أنصار حزب إنكاثا وهم من الزولو، والفريقان يطالبان
باستقلال ذاتي وبتقسيم البلاد عبر صيغة كونفدرالية لشعورهما بأن الانتخابات لن
تكون في صالحهما. وقد تواترت الأخبار في الآونة الأخيرة حول تزويد ضباط كبار في
الجيش، موالين للعنصريين البيض، قبائل الزولو بكميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات،
بهدف زعزعة الأوضاع وخلق حالة عامة من الفوضى، ونشر الذعر في صفوف المواطنين.
ومؤيدو الانفصال من أبناء الزولو في غالبيتهم جهلاء ومضللون استخف بهم
زعماؤهم من أمثال بوتوليزي واستغلوهم استغلالًا سيئًا، موجهين إياهم نحو العصيان
والتمرد والمطالبة بمملكة مستقلة. ويجدر التأكيد أن الزولو ليسوا جميعًا من أنصار
بوتوليزي أو من المطالبين بالانفصال، بل إن كثيرًا من نشطاء المؤتمر الوطني والحزب
القومي -وهما أكبر حزبين سياسيين في البلاد- هم من قبائل الزولو أيضًا، ويشغل
بعضهم مناصب رفيعة داخل الحزبين. ولذلك، يرى الحزبان المذكوران أن بوتوليزي لا يحق
له الادعاء بأن حزبه يمثل مصالح الزولو أو ينطق باسمهم جميعًا، بل زادت في الآونة
الأخيرة الاتهامات الموجهة ضد بوتوليزي من أبناء قبيلته أنفسهم بأنه عميل
للعنصريين البيض، حيث يطالب هو بدولة منفصلة في إقليم ناتال بينما يطالبون هم
بدولة خاصة بهم في إقليم ترانسفال، والطرفان معًا مسؤولان عن معظم أحداث القتل
والتفجيرات التي بلغت حد التواصل اليومي في المنطقتين المشار إليهما.
● تخزين المواد التموينية
ومن المشاهد اليومية في الوقت الراهن، تدافع الناس على المحال
التجارية الكبرى للتسوق، حيث يشترون كميات كبيرة من السلع والمواد الأساسية بهدف
تخزينها خوفًا من أن تنزلق البلاد في حرب أهلية ينتج عنها انقطاع السبل وشح المؤن.
ولا يبذل التجار وأصحاب المحال التجارية جهدًا لاستبدال البضائع التي تنفد خشية من
المستقبل المجهول، ولم تعد ترى الرفوف ملأى كما كانت من قبل، مما دفع الناس نحو
الشراء بهلع واضح، فأصحاب المحلات التجارية تعلموا فيما يبدو درسًا مما حدث في
بوتسوانا حيث هوجمت المحلات وسرقت محتوياتها وحرق منها ما حرق قبل فترة بسيطة.
ومع ذلك تتنازع الناس رغبة في الصمود والصبر إلى أن تنقشع سحابة الصيف
التي حجبت الرؤية وتسببت في حالة من الكآبة. ومصدر هذه الرغبة معرفتهم اليقينية
بما تحويه هذه البلاد الغنية في باطنها وعلى سطحها من خيرات وثروات، وأملهم في أن
تؤدي العملية الديمقراطية بعد نجاحها إلى أن تصبح جنوب إفريقيا بحق درة النصف
الجنوبي للقارة الإفريقية، مما يرجى معه انتعاش الاقتصاد وتحول أنظار المستثمرين
إليها، خاصة بعد أن رفعت كل القيود وقرارات المقاطعة التي كانت سائدة في عهد
الأبارتيد عنها.
● موقف اليهود
وفيما يتعلق بموقف الجالية اليهودية مما يحدث، وهي التي طالما تحكمت
بالاقتصاد وامتلكت وأدارت مناجم الذهب والماس واليورانيوم، فثمة مؤشرات على مغادرة
عدد لا بأس به من العائلات اليهودية البلاد إلى أوروبا وأمريكا وإسرائيل بعد أن
هربت كمية كبيرة جدًّا من الأموال، بينما أوت أعداد أخرى إلى أماكن محصنة ضمن
المناطق الآمنة والمحمية التي أنشأها العنصريون مطالبين بانفصالها عن باقي البلاد.
ورغم القيود التي فرضتها الحكومة على إخراج الأموال، إلا أن اليهود لا تنقصهم
الحيلة ولا تنعدم لديهم الوسائل.
ومن المشاهد المألوفة هذه الأيام إقبال عدد كبير من الآسيويين على بيع
سياراتهم وأثاث منازلهم استعدادًا للرحيل، ويحاول المسلمون منهم الحصول على
تأشيرات سفر إلى بعض الدول الإسلامية وخاصة ماليزيا، حيث يسعى المسلمون من أصل
مالاوي إلى العودة إليها بعد قرون من مغادرة أسلافهم لها إبان عهد الاستعمار
الهولندي.
ويذكر أن معرضًا تجاريًّا كبيرًا يعرف باسم "ذي راندشو"
يقام سنويًّا في جنوب إفريقيا، قد نظم قبل فترة قصيرة أثناء عطلة عيد الفصح، فلم
يحضره إلا عدد قليل من المهتمين، ومني العارضون والمنظمون بخسارة كبيرة حيث لم
تتجاوز نسبة الحضور عشرة بالمائة من نسبة الحضور في العام الماضي، وذلك بسبب حالة
القلق التي تنتاب الناس وتكاد تذهب بلب رجال الأعمال والتجارة منهم بشكل خاص.
وإلى أن يأتي اليوم السابع والعشرون من شهر نيسان "أبريل"،
فلن يكون بإمكان أحد التكهن بمستقبل البلاد التي تقف على مفترق طرق خطير، فإما أن
تتجاوز المحنة بسلام وتواصل مسيرتها نحو تحقيق مزيد من الرقي والتقدم في المجال
الإنساني والاقتصادي على حد سواء، أو تنهار التجربة وتشتعل في البلاد حرب أهلية
تحرق الأخضر واليابس، لن يستفيد منها سوى سماسرة السلاح وصانعوه الذين يجنون
الثروات ويرغدون في النعيم بينما تشقى البشرية ويقتل الإنسان أخاه الإنسان في
تنافس جنوني على السلطة والثروة مخلفًا دمارًا أو مجاعة ومآسي يشيب لها الوليد،
كما يحدث الآن في كثير من بقاع الأرض مثل أفغانستان، وأنغولا، ورواندا وبلاد أخرى
عديدة.