العنوان قتلة المواهب في الشعوب
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1976
مشاهدات 104
نشر في العدد 284
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 27-يناير-1976
هناك قتلة محترفون في الشعوب لقتل المواهب وخنق العقول. لا في الأفراد فقط، بل في الأمم والشعوب لا يحاسبهم القانون ولا يحاكمهم القضاء، بل هم الذين يضعون القانون ويوجهون القضاء.
لا توضع الأغلال في أيديهم أو يجرون إلى ساحات الاتهام. بـل توضع الأوسمة على صدورهــم ويسيرون بين الورود والرياحين. لا تلفظهم الأمم أو يلعنهم اللاعنون، بـل تفتح لهم الصدور ويقدس ويعظمون وكأني بالقرآن يخبرنا بهذا الصنف من الناس.
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾«۱» (الكهف:103-104)
﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (فاطر:8) «۲» وهذا شيء يظهره بجلاء ووضوح الخط البياني لارتقاء الشعوب وانخفاضها. وصعودها وهبوطها في مسار الحياة ومن موكب التاريخ. وإذا تكلمنا بمنطـق الأسباب. الذي يحكم الكون كان لارتقاء الشعوب وانخفاضها أسباب مؤثرة وفاعلة وقد تكون هي بعينها التي تؤدي إلى زوال الأمم أو قيامها وصفحات الزمان مسطور فيها كل شيء ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (محمد:10) «۳» وإذا نظرت إلى الأمة العربية قبل الإسلام وإلى إشراقها بعده. تبين لك عظم الفارق الذي بينهما. وإذا أردنا أن نرجع هذا إلى السبب الحقيقي له وجدناه في وحي السماء. وأنوار محمد -صلى الله عليه وسلم-. إن دولة الإسلام انتصرت حقيقة يوم أن نزل وحي السماء وحمله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس. قد تقول كيف هذا. أقول لك هذه حقيقة لا بد أن يفطن إليها كل داعية وكل باني لجيل أو لامة مربي منهاج سليم قويم. وداعية مجاهد ملتزم دؤوب.
هذه حسابات من يعرفون الأمور ويقدرونها حق قدرها. وكانت هذه أيضا حسابات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوكل على ربه حينما جاءه خباب بن الأرت ضاجرا من العذاب يقول يا رسول الله ألا تدعو الله لنا ألا تستنصر لنا. فكان من رد الرسول -صلى الله عليه وسلم- له. والذي نفس محمد بیده، ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون. وكذلك في هجرته -صلى الله عليه وسلم- حينما وعد سراقة بن مالك سواري کسرى وقيصر. وكان الأعداء وقتها يتربصون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى كأنك تقول لا فكاك من مخالب الشرك وأنياب الكافرين، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يندي ذلك الوثوق العريض والأمل الكبير في هذه اللحظات. وتلحظ كذلك أن الدعوة قد انتصرت لما خرجت دار الأرقم بن أبي الأرقم في مكة رجالا على مستوى أبي بكر وعمر ومصعب بن عمير وعثمان وعلى والصحب الكرام الذين ما لانت لهم قناة ولا أعوج لهم طريق ولا غشيت في أعينهم رؤية، بل حملوها متقدة سامقة الى غاية أرادوها وأهداف رسموها «حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله» وكانت هذه أيضا حسابات من عرف تلك التربة العميقة المؤمنة الصافية التي لا تهزم رجالها أمام عفن المادة وعبادها وسدنتها. ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات:171-172-173) «٤» وقد ظهر هذا ميادين القتال حينما أحمر الحدق أيام الكفاح وغزوة الأحزاب أبانت هذا المعدن وأظهرت هذه الطبيعة فيقول القرآن ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾(الأحزاب:10) ولكن القرآن بعد ذلك يكشف عن عزيمة الرجال في هذه الساعات الحالكة فيقول ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾(الأحزاب:22-23) «٥» وإذا تأمل الإنسان بعد موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتوليه أبي بكر الصديق رضي الله عنه موقف العرب المرتدة بعد الرسول. وما كان من شأن الجزيرة العربية. ثم نظر بعد ذلك الى وقفة أبي بكر الصديق وصحابة الرسول عليـه السلام. تلك الوقفة التي أعادت الإيمان إلى ربوع الجزيرة وقطعت دابر الفتنة في حسم وثقة وإيمان.
وكان من الممكن أن ينتهي الإيمان ويضيع الإسلام في لمحة من زمان، ولكن مع وجود رجال تتلمذوا على يد الرسول الكريم لا يمكن أن ينقض للإيمان عروة أو تنكس له راية فكانت تربية رسول الله لهؤلاء الصحب انتصارا على أكداس الشرك وفلول الكافرين، فكان الرسول يعطيهم من الوحي ويعلمهم من كلمات الله ما يروى ظمأهم وينقي غلتهم وكانوا يأخذون من أنوار رسول الله ومن سيرته ما يفتح لهم مغاليق كل شيء. حتى صاروا أوعية جيدة للحكمة وشموسا وهاجة في سماء العالمين. لقد كان عطاء رسول الله لهم عطاء لا يحد. فجر ينابيع ذاتيتهم وأثار كوامن قدراتهم وأضاء مصابيح أفكارهم. فجاء الهدى غيثا وقع على أرض طيبة وبزرا غرس في تربة جيدة فانتفعت ونفع الله بها العالمين.
هذا مثال جيد لصدق التوجيه استقامة الصراط وصفاء الذهن جعل العقل الجاهلي المغلق طاقة تفقد وقوة لا تحد وحضارة لا تجارى وإذا سأل الإنسان نفسه سؤالا سهلا عن انتكاس تلك العقول وذهاب هذه القوى. وضياع الحضارة السامقة وخراب تلك الطاقات وجد الإجابة في ذهنه، بل شاخصة أمام عينيه لأنه يعايشها ويعاصرها. فالمناخ قد تغير المنهاج قد تبدل والرعاة قد اختلفوا. ولا تتسع تلك العجالة أن نبين تلك الأسباب مجتمعة، ولكنا نمس الأخير منها. وقد يذكرني ذلك بقول القائل:
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها
فكيف إذا الرعاة لها ذئاب
إن افتراس إنسانية الإنسان واغتيال كرامته هو العنصر الأصيل في ضياعه وهلاكه فحينما يقاد بالجهل ويعذى بالعفن ويساق بالمقام ع يهوى معه كل شيء، إلى الحضيض ولا تسل عما يجره ذلك من وبال ونكال.! إن هؤلاء الرعاة يأخذون كل شيء، وليس عندهم من العطاء شيء يأتون إلى الأمم ويثبون عليها لا عقول، ولا حلوم، ولا ثقافة، ولا قانون. جياع إلى لحوم عطشى إلى دماء البشر. بطونهم كالجحيم وعقولهم كالرميم. يأتي الأبله الجاهل الغبي المغرور ليعلم الناس ويثقف النشء ويقدن البلاد وينظم الدوائر ويدير المصانع ويشرف على الأبحاث ويقوم السفيه النجس بتوجيه الجماهير ودعوتهم إلى الخير والفضيلة. والخبيث النكد يدعو إلى صفاء النفوس ونقاء الضمائر وسلامة الطوية. وحينما تتولى القردة مقاليد الأمور تزدري الأسود الكواسر والكماه الأبطال يكون هذا نذيرا بليل طويل وما أجمل قول الأسمر الذي رمز بالشعر إلى عصر وحقبة من الزمان عاشها، فأجرى حوارا على
لسان أسد ونمر جالاً في غابة
فأبصرا بالقرد وهو يحكم
يومئ باللفظ ولا يكلم
منتفخ كالليث وهو قرد
منفرد بالحكـم مسـتبد
فهو هناك حاكم بأمره
الغاب رهن خيره وشره
له بطانة بها الحمار
مدخر للرأي مستشـار
والكلب فيها السيد الجليل
والأسد فيها الخادم الذليل
والبغل فيها الشاعر المقدم
وقنفذ الحجر الكمي المعلم
والببغاوات لحفظ السر
والبوم البشرى بكل خيـر
والضفدع الصداح والمغنــي
والذئب قائم بأمر الأمـن
والجرذ القائم بالإصلاح
والقط طاهي اللحم في الأفراح
والدب للزمر وقرع الطبل
والفيل للألعاب فوق الحبل
رأى الأسد ما رأى فزار
وقال الفهد أحقا ما نرى
فقال يا مولاي حقا صدق
جميع ما يفعل هذا الخلق
فليس الذي نرى من الغرائب
فنحن في دنيا العجائب
والذين يطلبون من هذه الأمم أن تنبغ وهي على هذا الشأن - إنما يطلبون من الماء جذوة نار ومـــــــن السراب الماء العميم. إن السواعد تربي النبات والزروع. والعقول تنشأ كما تبنى المصانع والمعامل العرق والجهد والخبرة والمناخ المناسب ووضع الأمور في نصابها تحت أيد أمينة حانية وأم رؤوم عطوف. إن المتشبهين بالإلهة فـي الواقع كذبة أفاكون ليس لأنهم بشر يكذبون فحسب وإنما هم ليسوا صادقين حتى في ادعاء التشبه.
فالله رؤوف رحيم.. وهم غلاظ لأكباد عليم حكيم. وهم جهلـة سفهاء. غافر الذنب، وهم يأخذون الظنة ولا يرحمون أحدا. رزاق لا نفد خزائنه.. وهم ينهبون أموال لناس ويمتصون دماءهم. كرم الله بني ادم. وقد استعبدوه وامتطوه، أذلوه. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ «۱» (الزمر:53) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (النحل:90) ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:70) إن معرفة الأشياء وإدراك قيمتها يؤدي إلى المحافظة عليها ورفعتها أو إلى إهمالها وعدم الركون إليها فبالجهل يستوي الزجاج والماس والنحاس والذهب. والطيــن والمسك. فإذا كان قدر أمة من الأمم في قطيع من هؤلاء انتشروا فيها كالجراد ما تذر من شيء إلا جعلته كالرميم وكالذئاب الجائعة في الحملان الوديعة تبقر بطونها وتلتهـم أحشاءها. أن منافقا واحدا عن هؤلاء أعز كثيرا من جمهور من المخلصين. وعبدا مطيعا راكعا أفضل كثيرا من كوكبة من الشجعان والقادة العظام. وواش حقود انفع من ألوف من أصحاب الكرامات والقيم. وغبي يبدد ويبعثر ويمتطي خير من جموع عاقلة نابهة عاملة شريفة. وبار واحد لا يقاس ولا يوازي بكثير من دور العبادة ومناهل العرفان. وتدشين مسرح أو ملهى أفضل كثيرا من إقامة المصانـع واستغلال الثروات. واكل من حرام وكسب من ربى. تشتهيـه الأنفس وتلذ به الأعين وطعمة من حلال وكسب من عرق الجبين. شيء مرذول مزدرى آناء الليل وأطراف النهار. وخنوع وتخنث وضياع.
تقدم وحضارة ومدنية. وجد ورجولة وإنتاج قسوة واضطهاد ودعوة التمرد والتخلف والرجوع إلى الوراء.
عري وابتذال وتهتك واختلاط. حقوق وحرية وكرامة وغاية، وفضيلــة، وستر وكرامة. تسلط واستعباد وقهر وتخلف. وفوضى وتهري ووقاحة سمر وترفيه وترويـح إسراف وتبديد وتبذير في ضلال.
رفعة وكرامة وإصلاح، وهضـم الحقوق ومصادرة للأموال ومنـع لخير. دهاء، وحنكة، وسياسة، وادخار. وتسير الأمور على هذا المنوال منكسة مقلوبة مشوهة لتعمل عملها في الإنسان نفسه أولا فتدمره تدميرا وتجعله كعصف مأكول، تقتل تفكيره وعقله الذي يقيس المقدمات ليأخذ منها النتائج، فإذا بالقضايا الصحيحة تنتج عكسها مخيلته فالطهر والإخلاص والوفاء.
مثلا. ينتج جوعا واضطهادا وإغلاقا فيجد الفرد نفسه بعد مدة اختلفت معاييره للأشياء وأصبح يدور في حلقة مفرغة في دوامات لا نهاية لها وسط ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها إلا فكم من أمم دمرت بغير حرب أو قتال وهلكت بغير وباء أو مرض وذهبت كأمس الدأب قائدها ومقودها وشريفهـا وصغيرها كأني بالقرآن يشير إلى تلك الخاتمة. ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ (غافر:47-48) «۲» ويمضي ركب الهالكين يلعن القتلة الظالمين قائلا «لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار».
«1» الكهف - ١٠٣
«۲» فاطر
«۳» غافر – ۸۲
«٤» الصافات - ١٧٣
«5» الأحزاب - ۲۲
«٦» الزمر – ٥٣
«۷» غافر - ٤٧ ٤٨