الثلاثاء 12-ديسمبر-1989
الناس الذين يخوضون المعارك الطاحنة غالبًا ما تقسو قلوبهم، وتجف دموعهم،
وتبطش أيديهم وأرجلهم، ونادرًا ما ترى الشخص الذي يوغل في هذا العمل أن يكون
متصفًا بصفة الرحمة والشفقة إلا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقد جمع الله له
ذلك كله.
فقد كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قائدًا مجربًا جلدًا صبورًا، وكان
رحيمًا عطوفًا، يداري أتباعه، ويتحرى لهم الخير، ويرفق بهم، ويراقبهم ويعالج
مشاكلهم، ويقيل عثرتهم، وكان أبًا رحيمًا لجميع المسلمين، قد امتلأت نفسه بالرحمة
والحنان حتى على أعدائه، لا يعاملهم إلا بالحق ولأجل الحق.
فقد ضرب لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صور الرحمة حتى وهو يقاتل
أعداءه وأعداء الله؛ فكان ينهى عن قتل المرأة والشيخ والطفل والمعاهد، وألا يقطع
شجرٌ ولا يحرق إلا للحاجة الماسة لذلك، أي للضرورة.
فقتاله كان لغاية سامية شريفة لم تغب عنه أبدًا، وأخلاقه- صلى الله عليه
وسلم- لم تتغير أبدًا، حتى لو كان في هذه المواطن التي تحتاج الغلظة والشدة والعنف.
فعن عبدالله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: «وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي
رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فنهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن قتل
النساء والصبيان» (البخاري ومسلم).
وعن بريدة- رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا أمر
أميرًا على الجيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا.
ثم قال: اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا
تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين
فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى
الإسلام؛ فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار
المهاجرين، وأخبروهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين،
فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبروهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم
الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا
مع المسلمين، فإن هم أبوا، فلهم الجزية؛ فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن
هم أبوا، فاستعن بالله عليهم وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة
الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة
أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله أو ذمة
رسوله.
وإذا حاصرت أهل حصن، وأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم
الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا» رواه مسلم.
هذا ميثاق بینه رسولنا الكريم، ورسم فيه لنا منهجًا واضحًا في حال الحرب،
وفي حال الحلف والهدنة وغيره.
هذا المنهج بني على الحق والعدل والرحمة، لم ينس رسول الله- صلى الله عليه
وسلم- نفسه وهو في هذا الموطن، ولم ينس دعوته التي قامت على الحق والرحمة، بل
غمرها بالحب والحنان والعطف، كما أقامها عن الحق والعدل، ليرسم لنا منهجًا نهتدي
به في حياتنا، حتى لا تزل بنا الأقدام، ونحن نحمل هذه الرسالة العظيمة، ونشق بها
الحياة، دعانا ألا تتبدل شخصيتنا الرحيمة، ولا تنفك دعوتنا عن هذا الخلق العظيم.
«إنها دعوة الرحمة ودعوة الحق»
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
(الأنبياء: 107).