العنوان قدْ خلتْ من قبلِكُمْ سُنن
الكاتب محمد عبدالله الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1998
مشاهدات 69
نشر في العدد 1311
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 04-أغسطس-1998
- طريق الدعوات ليس هيناً.. والدعاة مطالبون بتحمل تكاليف الدعوة والصبر على التكذيب بها.. واحتساب ما ينالهم من أذى عند الله.
- إذا كان الذين يحاربون الإرهاب صادقون في زعمهم فليتركوا التيار الإسلامي الصحيح ليقوم بدوره في تصحيح المفاهيم والتربية السليمة.
إن القرآن الكريم يرد المسلمين إلى سنن الله في الكون، يردهم دائماً إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور، فالمسلمون ليسوا بدعاً في الحياة؛ لأن النواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف، والأمور لا تمضي جزافاً إنما تتبع هذه النواميس.
ونهاية المكذبين على مدار التاريخ وعاقبتهم محتومة، الهزيمة والخزي والهلاك أما حملة المنهج الإلهي فالعاقبة المحتومة لهم النصر والفوز والتمكين، وما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل وتلك سنة الله في خلقه.
يقولُ الإمامُ الشهيد حسن البنا:
(حقيقة ما جمعه الحق لا يفرقه الناس، إننا يوم أن قمنا، قمنا لله، ومن الله، وإلى الله، ويوم أن عملنا عملنا لله، ومن الله، وإلى الله، ويوم أن قامت دعوتنا قامت لله، ومن الله، وإلى الله كذلك، وإن دعوة يرعاها الله سبعة عشر عاماً -مضى عليها اليوم ما يقارب السبعين عاماً- تتخطى فيها العقبات، وتجتاز فيها المصائب والمتاعب والزلل لا بُدَّ من أن تكون لله تعالى فيها إرادة، هذه الدعوة قامت ولا زالت تقوم على أكتاف موحدة، وقلوب مؤمنة، وجهود مجموعة وأشخاص مجهولة، لا يكاد يعرفها أحد، وليست مجموعة رياء ولا سمعة ينصرها الله ويؤيدها، ويقيم دعائمها بتوفيق الله الصانع والزارع والطالب والفقير والغني، والأتقياء الأحباء، الأقوياء بصلتهم بالله، وستظل قائمة عليهم إن شاء الله تعالى).
إن أصحاب هذا الطريق يدركون جيداً، أن الناس لا يتركونهم من غير نقد، ولا تشويه، ولا تحامل وتضليل، فإن كل من أسس مبادئ صالحة، وسار على نهج الأنبياء، لا بُدَّ من أن يحارب وأن يفتري عليه سنة الله تعالى في خلقه، قال الله تعالى: ﴿۞ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (سورة آل عمران: 186).
وتتوالى هذه التوجيهات الربانية للأمة الإسلامية تقودها إلى إدراك حقيقة القيم الباقية، والقيم الفانية فالحياة على هذه الأرض محدودة بأجل، وكل نفس ذائقة الموت على كل حال، إنما الجزاء هناك، ﴿... فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ ...﴾(سورة آل عمران: ١٨٥)، والفانية زائفة وإلى انتهاء ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (سورة آل عمران: 185)، وهم مختبرون ومبتلون في أموالهم وأنفسهم، والأذى سينالهم من أعدائهم، فلا عاصم لهم إلا الصبر والتقوى والاعتصام بحبل الله والمضي في الطريق، وهذا التوجيه الرباني، عن طبيعة الطريق ما يزال هو هو قائماً اليوم وغداً، يبصرنا بطبيعة أعدائنا من الملحدين وبقايا الشيوعيين والعلمانيين الذين يجلسون تحت كل الموائد، ويتلقون الفتات من أسيادهم، ثم يوصينا سبحانه وتعالى بالتقوى ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران: 186).
وقال جل شأنه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة آل عمران: 142).
فهو طريق محفوف بالمخاطر، ومفروش بالشوك لا بالورود، وهكذا كان طريق النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ مكث بعد البعثة ثلاثة عشر عاماً، لم يسمع فيها إلا ما يؤلمه، ثم هاجر إلى المدينة، فغزا فيها سبعة وعشرين غزوة، وبعث مائتين وسبعين سرية في عشر سنين، فليست الدعوات لعبة بل هي جد وجهاد، واحتمال ولا بُدَّ من سعة الصدر والصدق، والعفو، حتى تجتمع كلمة الأمة، ولا بُدَّ من الصبر حتى يفتح الله بالحق وهو خير الفاتحين.
حقاً.. إن طريق الدعوات غير معبد، ولا مفروش بالورود والرياحين، بل هو طريق شاق طويل سار فيه موكب الأنبياء والمرسلين عليهم أفضل الصلاة والسلام، وتحملوا فيه الأهوال، ولقد قال الله السيد الدعاة: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (سورة الاحقاف: ٣٥)، وقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ﴾ (سورة الكهف: ۲۸)، وقال له أيضاً: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام: 34).
طريق واحد:
إنه طريق واحد لا يتعدد طريق ثابت لا يتغير ولا يتبدل، فلا ابتداع في دين الله، لكنه طاعة واتباع والتزام، إنه موكب ممتد في شعاب الزمن، مستقيم الأقدام، ثابت الخطى، يعترضه المحجوبون، ويصيب الأذى من يصيب، والموكب ماض في طريقه، لا ينحني ولا يحيد، والعاقبة للمتقين مهما طال الزمن، ومهما طال الطريق.
يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (سورة الروم: 60).
إن الدعوة يتلقاها أصحابها بالتصديق واليقين ويتلقاها من كتب عليهم الشقاوة بالتكذيب، ولا يكتفون بهذا، بل يعمدون إلى الكيد والأذى، ويقابل الدعاة هذا بالصبر الجميل والاحتساب، ثم تجري سنة الله بالنصر المبين.
وهذا الأمر أكده ورقة بن نوفل لرسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ حين علم باللقاء بين الرسول وجبريل -عليهما السلام- فقال ورقة: "لتكذبنَّ، ولتؤذينَّ، ولتخرجنَّ، ولتقاتلنَّ فقال صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ مستغرباً: أو مخرجي هم؟، قال ورقة: نعم.. لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي" (سيرة ابن هشام جـ1).
إن التكذيب وحده بلاء عظيم للدعاة، ويحتاج لصبر أعظم، وحين نعي هذه الحقيقة ندرك معنى الحديث: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء.
وأصحاب الدعوات لا بُدَّ من أن يتحملوا تكاليفها، وأن يصبروا على التكذيب بها، والإيذاء من أجلها، وتكذيب الصادق الواثق مرير على النفس حقاً، ولكنه بعض تكاليف الرسالة، فلابُدَّ لمن يكلفون حمل الدعوات من أن يصبروا ويحتملوا، ولا بُدَّ من أن يثابروا ويثبتوا، ولابد من أن يكرروا الدعوات ويبدئوا فيها ويعيدوا.
إنه لا يجوز لهم أن ييأسوا من صلاح النفوس واستجابة القلوب، مهما واجهوا من إنكار وتكذيب، ومن عقوق وجحود، فإذا كانت المرة المائة لم تصل إلى القلوب فقد تصل المرة الواحدة بعد المائة، وقد تصل الواحدة بعد الألف، ولو صبروا هذه المرة وحاولوا ولم يقنطوا لتفتحت لهم أوصاد القلوب.
ركام التقاليد والعادات:
إن طريق الدعوات ليس هيئاً ليناً، واستجابة النفوس للدعوات ليست قريبة يسيرة، فهناك ركام من التقاليد والعادات والنظم والأوضاع، يجثم على القلوب، ولا بُدَّ من استحياء القلوب بكل وسيلة، ولا بُدَّ من لمس جميع المراكز الحساسة ، ومن محاولات العثور على العصب الموصل وإحدى اللمسات ستصادف مع المثابرة والصبر والرجاء ولمسة واحدة قد تحول الكائن البشري تحويلاً تاماً في لحظة متى أصابت اللمسة موضعها، وإن الإنسان يندهش أحياناً وهو يحاول ألف محاولة، ثم إذا لمسة عابرة تصيب موضعها في الجهاز البشري فينتفض كله بأيسر مجهود وقد أعيا من قبل على كل الجهود.
وأقرب ما يحضر في التمثيل لهذه الحالة جهاز الاستقبال عند البحث عن محطة إرسال، إنك لتحرك المؤشر مرات كثيرة ذهاباً وإياباً فتخطئ المحطة، وأنت تدقق وتصوب، ثم إذا حركة عابرة من يدك فتصل الموجة وتنطلق الأصداء والأنغام.
إن القلب البشري هو أقرب ما يكون إلى جهاز الاستقبال، وأصحاب الدعوات لا بُدَّ من أن يحاولوا تحريك المؤشر، لتلقى القلب من وراء الأفق، ولمسة واحدة بعد ألف لمسة، قد تصله بمصدر الإرسال.
إن من السهل على صاحب الدعوة أن يغضب؛ لأن الناس لا يستجيبون لدعوته، فيهجر الناس، إنه عمل مريح قد يهدئ الأعصاب، ولكن أين هي الدعوة؟ وما الذي عاد عليها من جراء المكذبين المعارضين؟
إن الدعوة هي الأصل لا شخص الداعية، فليضق صدره ولكن ليكظم ويمض وخير له أن يصبر، فلا يضيق صدره بما يقولون إن الداعية أداة في يد القدرة، والله أرعى لدعوته وأحفظ، فليؤد واجبه في كل ظرف، وفي كل جو، والبقية على الله، والهدى هدى الله، وإن قصة ذي النون لدرس الأصحاب الدعوات ينبغي أن يتأملوه، وإن في رجعة ذي النون إلى ربه واعترافه بظلمه لعبرة لأصحاب الدعوات ينبغي أن يتدبروها وإن في رحمة الله لذي النون، واستجابة دعائه المنيب في الظلمات لبشرى للمؤمنين ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾(سورة الأنبياء: 88) (في ظلال القرآن جـ4، بتصرف).
ومن المؤسف أن البعض من الكتاب، من أصحاب الميول المعروفة، لا يكف عن الكذب وإلقاء التهم على العاملين للإسلام، إنه يتصيد الأخطاء دائماً، ويحاول أن يبرز العاملين للإسلام بصورة بعيدة عن الحقيقة، وهؤلاء بهذا العمل يقدمون أجل الخدمات السائر القوى المعادية للإسلام والتي تتربص بدين الله، وبخاصة يهود الذين يعلنون أن عدوهم الأول هو الإسلام.
ويزعم البعض أنه يحارب الإرهاب والغلو والتشدد ونحن نقول بصراحة: نحن أسبق من كل من يزعم هذا ويدعيه، ولو فتح لنا الطريق الساد بين الشباب الفهم الصحيح للإسلام، ولما بقي شيء من هذه الأمراض.
إن الذي يزعم أنه يحارب الإرهاب، إن كان جاداً في موقفه، وإن كان صادقاً في زعمه، يسره أن يترك كل من يساعد على تحجيم هذا الأمر، وبيان وجه الإسلام الحق في كل جوانبه.
إن ترك التيار الإسلامي الصحيح العامل للإسلام في الساحة لأداء دوره عن طريق البيان، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتصحيح المفاهيم والتربية الواعية، والخطاب الصادق الأمين، والمقال الحق، لهو العلاج الصحيح للموقف بدل أن يترك الشيوعيون والعلمانيون والملحدون يفسدون في الأرض، ويصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجاً، إنهم يهاجمون الإسلام يزعم الإصلاح، وذلك هو الإفساد نفسه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ (12)﴾ (سورة البقرة: 11-12).
إن كيد هؤلاء للإسلام والمسلمين معروف، وإن حرية الكلمة -في حدود القانون- لها أثر كبير في النفوس والقلوب، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة فصلت: 33).
النهوض بواجبات الدعوة:
إن النهوض بواجبات الدعوة أمر شاق وصعب، ولكنه شأن عظيم؛ لأن أحسن كلمة تقال وتصعد إلى السماء في مقدمة الكلم الطيب، هي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهي أفضل كلمة تُقال، ومعها العمل الصالح الذي يصدقها، وأحب أن يعلم الجميع أن أهل الدعوة يحتسبون دائماً ما يقع عليهم من عنت وتعذيب وظلم وعدوان، ومن حرب في أرزاقهم ووظائفهم، يحتسبون كل ذلك عند الله يريدون الأجر والمثوبة، فكل شيء في سبيله يهون، ويقينهم أن الله وحده هو المنتقم الجبار.
وأوصيكم بما قاله الإمام عليِّ – رضي الله عنه- في آخر لحظة من حياته، قال: أوصيكم بتقوى الله تعالى، والرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا، لا تأسفوا على شيء فاتكم، فإنكم عنها راحلون افعلوا الخير، وكونوا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً، كل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار عافية ولا شرف أعلى من الإسلام، ولا كرم أعزَّ من التقوى ولا شفيع أنجع من التوبة، ولا لباس أجمل من العافية.
فاللهم منك العون، وإليك التوجه، وعليك الاعتماد اللهم ربنا وجهك أردنا، ودينك أحببنا، ورسولك اتبعنا، وبقرانك اهتدينا، وفي سبيلك صبرنا وجاهدنا، وإليك أنبنا، اللهم تقبل أعمالنا، واغفر ذنوبنا، وثبتنا على الطريق..
اللهم آمين.