العنوان قد ضل من كانت العميان تهديه
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 31-مارس-2007
مشاهدات 57
نشر في العدد 1745
نشر في الصفحة 37
السبت 31-مارس-2007
عندما يكون السياسي أعمى ينتظر الناس كارثة، وتعظم الكوارث عندما يضاف إليه عمى القلوب والبصائر، وتصاب الأمة بالنحس، وتعظم فيها الزلازل إذا وصم الجهل والهوج، ولا تضيع الأمم إلا بأمثال هؤلاء الذين وصفهم القرآن بأقذع لأوصاف، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: 179).
هؤلاء في الحقيقة يمثلون جثثًا متقيحة، يحيط بها الذباب والحشرات تحملهم الشعوب نعوشًا على كاهلها، ورممًا على أعناقها إلى مثواها الأخير المقدر لها.
وهذه الجثث الميتة ليست لها قوة ولا همة، ولا معرفة ولا تطلعات كما لا تنفعها نصائح أو تجارب السنين أو عبر الأيام والليالي (وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ) (الأنعام: 28).
حتى إنك لو نظرت في تضاعيف أيامنا المعيشة، لوجدتها كما يقول القائل: ما أشبه الليلة بالبارحة، وسأعقد مقارنة واضحة بين اليوم والأمس القريب، أما اليوم قد عجزت أمريكا في العراق وخاب فألها وتضعضع اليهود وغلبوا، وعجزت أمريكا من حمايتهم، فما العمل إذن؟ لا بد من أن تدخل السلطات العربية لتقوم بالدور المطلوب، تمامًا كما عجزت الجيوش الإنجليزية من قبل عن حماية نفسها وعن حماية اليهود، أمام هجمات المجاهدين في الأربعينيات بقيادة عبد القادر الحسيني وفوزي القاوجي فبدأت المؤامرات، واتصل اليهود بالملوك والرؤساء العرب حتى أصدر هؤلاء بيانا يناشدون فيه المجاهدين وقف القتال، ثم منعوا عنهم الدعم وأحكموا الحصار، وطلبوا منهم اللجوء إلى التفاوض، وتعهد الملوك والرؤساء بمفاوضة الإنجليز وحل المشكلة، وقال رئيس عربي كبير قولته المشهورة «لن أدع قضية فلسطين ولو ضحيت بأولادي جميعًا» ووقف القتال، ودعي إلى المائدة المستديرة في لندن، وليت المقاتل ما أطاع، وليته ما وضع السلاح، ولكن هكذا تم الخداع، ثم شرعت بريطانيا في المماطلة وتنفيذ مخططاتها لتصفية الثورة الفلسطينية فحاصروا الجبال وسدت المنافذ إليها وأحكم الحصار، وجمع السلاح من المجاهدين تحت سمع وبصر الملوك والرؤساء ثم بدؤوا يجهزون اليهود ويسلحونهم، ويمنون العرب بالأماني العذاب تارة، وبالتحذير تارة أخرى حتى ينفذ المخطط، وقامت الحرب العالمية الثانية، وأعلن اليهود تكوين فرق حربية مجهزة للدفاع، وفرق للتدريب على الحرب وسط الحلفاء، وصاروا يخططون وينفذون ويتسلحون ولا يتكلمون، كما قال بن جوريون: «أريد أن يكون جيش الدفاع الإسرائيلي، مثل جبل الثلج العائم لا يظهر منه إلا قمته».
أما العرب فيتكلمون على استحياء ويتنصلون من وعودهم للفلسطينيين ولا يستطيعون فعل شيء إلا الضغط على الفلسطينيين، حتى إن أحد رؤساء مصر وهو ذاهب إلى لندن، يسأله أحد الصحفيين: هل ستتحدث في موضوع فلسطين؟، فأجابه متذمرًا: أنا رئيس وزراء مصر، ولست رئيس وزراء فلسطين.
ولكن للحقيقة ظل العمل الشعبي مساندًا للحق الفلسطيني، وظل الإخوان يقومون بالعمل الجاد لمساندة الثوار وجمع التبرعات، وإعداد ما تتطلبه المعركة، وإدخال المجاهدين إلى فلسطين لمساندة إخوانهم، ثم قاموا بطبع كتاب «النار والدمار في فلسطين»، مزودًا بالصور والأسانيد التي تفضح تآمر الإنجليز وفظائعهم في تعذيب العرب وقتلهم وتشريد النساء والأطفال، وتدمير القرى والبيوت ومحاصرتها وتفتيشها بهمجية ووحشية، وانتشر دعاة الإخوان في كل مساجد مصر يخطبون ويحركون الضمير الإسلامي في قلوب الناس، ولكن الاستعمار الإنجليزي حرك سلطات الحكم في مصر لضرب الإخوان فهوجم المركز العام، وكان ما كان.
واليوم يطلب من المجاهدين الاعتراف «بإسرائيل» وإلقاء السلاح في انتظار المفاوضات، وتتبنى هذا .. الدول العربية، ويقاطَع الشعب الفلسطيني، ويعمل على إفشال أي حكومة وطنية فلسطينية ومحاصرتها بغية أن يثور الفلسطينيون على حكومتهم المنتخبة المكافحة، حتى تستسلم، وكل ذلك برعاية عربية، كما أنه لا بد من ضرب التيار الإسلامي المساند للفلسطينيين وكل ذلك بأوامر أمريكية حتى إن وزيرة خارجية أمريكا.. دائمة الاجتماعات، برجال الأمن العرب تارة وبوزراء خارجيتهم تارة، لإدارة المعركة الخاسرة إن شاء الله، ولكن ينبغي أن نسأل أنفسنا: متى يظل هذا العمى والجهل وعدم الاعتبار بالحوادث؟ وهل سيستمر الفصام بين السلطات والشعوب؟ وهل ستظل الحالة الإسلامية مشكلة، وهي قوتنا الحقيقية؟! نسأل الله السلامة، آمين آمين.