العنوان قرأت لك: الأوطان لا تباع
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1978
مشاهدات 80
نشر في العدد 381
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 10-يناير-1978
في ٢٨ تموز- يوليو- ۱۹۷۷ قدم حسان حلاق أطروحة ماجستير في جامعة بيروت العربية تحت عنوان- موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية ١٨٩٧-١٩٠٩- بإشراف الدكتور عمر عبد العزيز عمر. وقد اشترك في مناقشته الدكتورة زاهية قدورة عميدة كلية الآداب بالجامعة اللبنانية، وعميد كلية الآداب السابق بجامعة بيروت العربية الدكتور سعد زغلول عبد الحميد.
وقد نال حسان حلاق درجة الامتياز على الرسالة مع اتخاذ قرار بطبعها ونشرها. والرسالة مؤلفة من ٤٠٠ صفحة من الحجم الكبير، واعتمد الباحث على عدد وفير من الوثائق البريطانية والتركية والعربية بلغت حوالي المائة وثيقة ومخطوطة، وعلى- ١١٤- مصدرا عربيا أساسيا يضم كتبا ومقالات ومذكرات شخصية ورسائل علمية، وعلى ٥٠ مصدًرا أجنبيًا، وعلى ٢٤ دورية وصحيفة وموسوعة عربية وأجنبية، وقد اعتبرت الرسالة الصفحة البيضاء الأولى التي أنصفت السلطان عبد الحميد الثاني من الاتهامات الموجهة إليه حيث أظهرت موقفه العنيد المعادي لأهداف الحركة الصهيونية في السيطرة على فلسطين.
ونورد هنا ملخصًا موجزًا لما جاء في الرسالة حول موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية.
في الفترة الممتدة من ۲۹ آب- أغسطس- إلى أول أيلول- سبتمبر- عام ۱۸۹۷ عقدت المنظمة الصهيونية العالمية أول مؤتمر صهيوني في مدينة بال بسويسرا لإعادة الشعب المختار- إلى أرضه ولتصبح فلسطين مرة أخرى مركز حياتهم في العالم على حد قول ألكس بان.
وقد دعا إلى عقد هذا المؤتمر. تيودور هرتزل ود ماکس نوردو، وقد ضم أكثر من مئتي مندوب صهيوني للبحث بالوسائل المثمرة التي يجب أن تتخذ للنهوض بالصهيونية، وإنشاء قرى ومستعمرات خاصة باليهود في فلسطين وقد القى هرتزل خطابا في المؤتمر تحدث فيه من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ورأى أنه لو تم إرسال عشرة آلاف سنويا إليها، فإن ذلك لا يمكن أن يؤدي إلى تأسيس دولة يهودية فيها نظرا لوجود تسعة ملايين يهودي في العالم أو أكثر، وأن عمليات التسرب والهجرة على هذا النحو ستبقى مئات السنين- دون أن نحصل على هدفنا-. فلا بد من الحصول على- ميثاق دولي- من أجل إنشاء الدولة اليهودية، كما أنه لا بد من موافقة الدولة العثمانية التي تحارب الهجرة اليهودية، وقد أكد ذلك هرتزل في خطابه بقوله:.. فمما لا شك فيه أن الحكومة التركية ستعيد فرض قوانين منع الهجرة رأسا، ولا نستطيع أن نعارض هذه الخطوة أبدا. فمن يعتقد أنه باستطاعة اليهود التسلل إلى أرض أجدادهم فهو يخدع نفسه، كما أنه يخدع الآخرين. إذ ليس هناك أي مكان يلاحظ به مجيء اليهود رأسا إلا في وطنهم التاريخي لأنه وطنهم. كما أنه ليس من مصلحتنا أن نذهب إلى هناك قبل نضوج الفكرة-. ورأى هرتزل أن الهجرة اليهودية الى فلسطين- ستعطي قوة لتلك الأرض الفقيرة جدا-. وستبعث القوة في الإمبراطورية العثمانية، لأن صاحب الجلالة السلطان عبد الحميد الثاني يعلم مقدرة اليهود فهو يملك خبرة ممتازة مع رعاياه اليهود. ويضيف هرتزل بأن حل مسألة الشرق الأوسط والمسالة اليهودية في آن واحد سيكون له تأثير على العالم المتحضر بأسره.
ولم يكتف هرتزل بعرض هذه الأمور، بل أراد استمالة الدول الأوروبية الاستعمارية في تنفيذ الفكرة الصهيونية لأن- تحسن وضع اليهود سيساعد على تحسين وضع مسيحيي الشرق-.
والواقع أنه بلغ من أهمية المؤتمر في حياة اليهود أن اعتبرته الحركة الصهيونية حجر الزاوية في بنيان الدولة اليهودية. وقد دون هرتزل في يومياته تصوراته المستقبلية فقال:- لو طلب تلخيص مؤتمر بال في كلمة واحدة- وعلى أن أحرص على عدم لفظها بصوت عال- لكانت هي: في بال أسست الدولة اليهودية، ولو قلت بصوت عال لضحك الجميع مني. ولكن ربما في خمس سنوات على وجه الاحتمال، وبعد خمسين سنة على وجه التأكيد سيعلم كل واحد بالأمر.
وبالرغم من مضي عدة شهور على النشاط الصهيوني بعد انعقاد مؤتمر بال ۱۸۹۷، فقد ظل اليهود يشكون في تحقيق مقرراته ويعارضونها مصورين أن صهيونية هرتزل تهدف إلى القضاء على اليهود بتشجيعهم على ترك بلادهم الأوروبية والاتجاه إلى فلسطين، لأن كثيرا من اليهود كانوا يعتبرون أنفسهم ألمانا أو فرنسيين أو إنكليز قبل أن يعتبروا أنفسهم يهودا.
ومن الأهمية بمكان القول إن محاولات الهجرة اليهودية إلى فلسطين اتخذت طابعًا تشجيعيًا من قبل الدول الأوروبية الاستعمارية سواء بواسطة منح جوازات السفر الأوروبية أو بواسطة الضغط على الدولة العثمانية. ولكن السلطان عبد الحميد الثاني لم يكن مقتنعا مطلقا بأهداف الحركة الصهيونية الهادفة إلى امتلاك فلسطين.
وقد اتخذ وسائل للحد من الأطماع اليهودية في فلسطين فأرسل بعض أعضاء أمانة السر الخاصة به في قصر- يلدز- لتولي حكم متصرفية القدس بدلا من الموظفين القدامى الذين تدرجوا في سلك وظائف الإدارة العثمانية. وكان أول من وصل إلى القدس- توفيق بك- الذي كان أمينًا وصارمًا في تطبيق نصوص القانون على حد قول المؤرخ اليهودي- ن. ماندل.
وفي عام ۱۸۹۸ أصدر السلطان عبد الحميد الثاني قوانين منع فيها اليهود الأجانب من دخول القدس إلا بداعي الزيارة الدينية ولمدة ثلاثين يوما فحسب، مع دفع تأمين مالي وتعهد بمغادرة البلاد حين انقضاء المدة المحددة. على أن هذه القوانين لقيت معارضة من القنصليات الأجنبية، فأبرق متصرف القدس إلى الباب العالي يطلب منه تعليمات دقيقة ومحددة حول القوانين الجديدة. فجاءه الرد يطلب الصدر الأعظم منه تنفيذ قوانين الهجرة الخاصة باليهود.. وقد أكد- ديكسون القنصل البريطاني في القدس، بأن متصرف القدس بعث له برسالة مع سكرتيره يعلمه بها أنه تلقى تعليمات من الباب العالي لتطبيق الأنظمة المرعية لدخول اليهود الأجانب إلى القدس- كل اليهود الأجانب- دون تمييز في جنسياتهم وبالتالي أن تطبق هذه الأنظمة على اليهود البريطانيين وأن الأنظمة المذكورة تنص على أنه لا يسمح ليهودي أجنبي بدخول فلسطين إلا بعد تعهده بدفع التأمين وبمغادرة البلاد خلال ثلاثين يوما. ولقد بلغ في تشديد السلطات العثمانية في تنفيذ هذه القوانين أنها منعت نائب القنصل البريطاني في أنطاكية من الدخول ما لم يقدم التعهد المطلوب باعتباره يهوديًا.
وفيما يختص بالهجرة اليهودية، فإن تشدد السلطات العثمانية لم يكن مقتصرا على القدس الشريف فحسب، بل حدث أن قائمقام يافا من بعض اليهود الإنكليز من دخول البلاد وأعادهم إلى السفينة كما قام بطرد عائلتين يهوديتين لانتهاء زيارتهما، وكانت مثل هذه القوانين تطبق في مختلف أنحاء فلسطين.
وفي عام ۱۸۹۹ استمر الزعيم الصهيوني هرتزل في بذل مساعيه من أجل تحقيق الأهداف الصهيونية وفي هذه الفترة قابل- ستراوس- الوزير الأميركي اليهودي المعتمد في إستانبول- وأخذ الرجلان يتبادلان الآراء، وقد وعد السفير الأميركي الزعيم الصهيوني بتقديم المساعدة والنصائح المفيدة على أن يوقع السفير رسائله باسم مستعار هو- مسيو تامبكس-. وقد طلب هرتزل منه التوسط مع الدوائر العثمانية واقترح عليه توسيط أرتين الأرمني الموظف في الباب العالي. ولكن ستراوس حذره من هذه الفكرة وقال له: لا أرتين ولا غيره يؤثر كثيرا أو قليلا على السلطان. وأفهمه أن السلطان عبد الحميد رجل حاذق داهية، وأنه هو الذي يحكم نفسه بنفسه وليس لإنسان عليه نفوذ.
وفي١٧ حزيران- يونيو- من عام ١٨٩٩ اجتمع هرتزل بنوري بك ممثل الدولة العثمانية في مؤتمر لاهاي، وحاول رشوته لقاء التوسط لدى السلطان بقبول اليهود في فلسطين. وتناول الحديث مواضيع أخرى عن الحركة الصهيونية ومبادئها، فابتسم نوري بك لكلمات هرتزل الذي قال: لقد أوحت إلي ابتسامة سعادته الخبيثة بأن هذا لن يكون أكثر من حلم. وأشار نوري بك إلى موقفه من اليهود وهو على غرار الموقف التركي الرسمي فقال:- نقبل اليهود، تركيا واسعة.. وسوف يكون اليهود تحت حماية القانون التركي محميين من الاضطهاد. ولكن الأماكن المقدسة لا يمكن تسليمها لهم. فحتى قوانين تركيا تمنع الجماعات اليهودية من التركز هناك ومن الملاحظ أن المهاجرين اليهود استغلوا كل ثغرة وجدوها في الحكم العثماني المحلي، فبعد نقل المتصرف توفيق بك المشهور بتشدده حيال الهجرة اليهودية، وجه اليهود أنظارهم مرة ثانية إلى متصرفية القدس، لأن المتصرفين الثلاثة الذين خلفوا توفيق بك في المنصب لم يكونوا مثله أمانة وإخلاصا. لكن الحكومة العثمانية أصدرت في تشرين الثاني- نوفمبر- عام ۱۹۰۰ القوانين المتعلقة بالزوار اليهود للأراضي المقدسة، فاشترطت على كل يهودي زائر تسليم جواز سفره إلى سلطات الموانئ الفلسطينية واعطاءه بدلا منه جوازا أحمر خاص مقابل تعرفة رسمية هي قرش واحد. وبعد انتهاء الزيارة يعاد له الجواز، وإذا لم يغادر الأراضي المقدسة فإنه يطرد بالقوة إذا لزم الأمر.
ومن الأهمية بمكان القول إن تيودور هرتزل حرص منذ زمن بعيد على مقابلة السلطان عبد الحميد الثاني إلى أن استطاع الحصول على وعد بلقائه بعد توسط- فامبري- صدیق هرتزل والسلطان- وفي ۱۸ أيار- مايو- ١٩٠١ كان موعد اللقاء مع السلطان، لكن- فامبري- حذره قبل الاجتماع من الانجراف في آراء مضادة لما يفكر به السلطان وقال له:- إياك أن تحدثه عن الصهيونية. إنها فانوس سحري، القدس مقدسة لهؤلاء الناس مثل مكة-.
وفي اليوم المحدد حرص هرتزل على مرافقة حاخام اليهود في تركيا- موسى ليفي-، وفي الاجتماع بدأ هرتزل ممالاة السلطان واستعطافه بواسطة مترجم القصر الخاص إبراهيم بك- وقال له:- إني أكرس نفسي لخدمته لأنه يحسن إلى اليهود، واليهود في العالم كله مدينون له بذلك، وإني بشكل خاص مستعد لتأدية أية خدمة له وخاصة الخدمات الكبيرة.. وأشار إلى الخدمات المالية لإصلاح الاقتصاد العثماني المتدهور وتصفية الديون المقدرة بمليون ونصف المليون جنيه، وعرض توسطه لإيقاف حملات صحف- تركيا الفتاة- في أوروبا. ثم لمح إلى أن الحركة الصهيونية تهدف إلى إيجاد - ملجأ لليهود- في الأراضي المقدسة- وكان الحاخام موسى ليفي يؤيد هذا الرأي فبادره السلطان غاضبا:- إننا نظن بأن بني قومكم يعيشون في الممالك المحروسة الشاهانية بعدالة ورفاة وأمن.. هل لكم شكاية ما أو هنالك معاملة غير عادلة ولا نعرفها نحن؟. ويذكر المؤرخ التركي جواد رفعت أتلخان- المعاصر للسلطان عبد الحميد- بأن الحاخام موسى ليفي أجاب السلطان بخوف وقال: أستغفر الله سيدنا.. بفضل ظل شاهانتكم نعيش بكمال الرفاه. حاشا لا توجد لنا شكاية ما. إننا نسترحم فقط جعل شعبنا المشتت فوق الأرض صاحب وطن في ظل شاهانتكم ليقوم هناك بفرائض الشكر والدعاء لحياة سيدنا العظيم طول بقاء الدنيا. فرد السلطان منزعجا- لا يمكن أن نعمل أكثر مما عملناه، حتى الآن لجماعتكم حيث أنكم تستفيدون من كافة خيرات بلادنا كمواطنينا الآخرين.. إن بلادنا التي حصلنا على كل شبر منها ببذل دماء أجدادنا لا يمكن أن نفرط بشبر منها دون أن نبذل أكثر مما بذلناه من دماء في سبيلها-. وأضاف السلطان:- إني أحب تطبيق العدالة والمساواة على جميع المواطنين، أما إقامة دولة يهودية في فلسطين التي فتحناها بدماء أجدادنا العظام فلا.. وذكر السلطان أنه لو علم بأن هذا الاجتماع سيدور حول فلسطين دون القضايا المالية لعمد منذ البدء إلى إلغائه. مما اضطر هرتزل إلى الخروج من الاجتماع وقد أصابته صدمة شديدة.
وفي عام ۱۹۰۲ حاول هرتزل ثانية دون ملل إقناع السلطات العثمانية بالقبول بهجرة يهودية منظمة والحصول على تعهد بإقامة كيان يهودي مستقل في فلسطين، ولكن إبراهيم بك وعزت بك أفهماه بأن القوانين صريحة وهي لا تسمح بمثل هذه الهجرة وإنشاء الدولة اليهودية. ثم أكد له هذا الأمر سعيد باشا الصدر الأعظم. إلا أن الزعيم الصهيوني عاود اتصاله عام ۱۹۰۳ بالحكومة التركية حيث عرض في ثلاث رسائل- إحداها إلى السلطان والثانية إلى الصدر الأعظم والثالثة إلى إبراهيم باشا- مسألة القروض اليهودية إلى الدولة العثمانية وأنه على استعداد لتأمين مبلغ مليون ليرة تركية مقابل تنفيذ مطالبه السابقة، وأقحم في هذا الموضوع بعض الشخصيات المقربة من السلطان عربية وتركية على السواء، فأرسل رسالتين إحداهما إلى عزت باشا العابد والأخرى إلى تحسين باشا لبذل مساعيهما في تحقيق المشروع الصهيوني في فلسطين أو على أجزاء منها مثل حيفا وعكا ملحقتين بالعراق.
وكان تيودور هرتزل قد أجرى اتصالات مع الدوائر البريطانية والروسية والنمساوية والإيطالية للتوسط والمساعدة في تحقيق الهدف الصهيوني. وحدث في عام ١٩٠٤ أن طلب من الملك الإيطالي أن يراسل السلطان العثماني للتوصية باستعمار فلسطين ولكن السلطان عبد الحميد الثاني ظل على موقفه المعارض للحركة الصهيونية، وأخبر وسطاءه بقوله:- انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جديدة في هذا الموضوع. إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني بل ملك شعبي. لقد قاتل شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، إذا مزقت إمبراطوريتي فعلهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، ولكن يجب أن يبدأ ذلك التمزق أولا في جثثنا، وإني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة.
ومن الأهمية بمكان القول، إن هذا القرار العثماني أثر تأثيرا مباشرا على المنظمة الصهيونية بل وعلى الدول الأوروبية حيث رأت أن السلطان عبد الحميد الثاني لم يغير مواقفه من الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وهذا مما يؤثر على تطلعاتها مباشرة. وكان الموقف الذي اتخذه السلطان نتيجة قناعة وشعور منه بأن الهدف من تدخل الدول الأوروبية في المسالة اليهودية، هو زرع شعب غريب في الأراضي المقدسة من الدولة العثمانية والعمل على إضعافها ليجري تقسيمها والسيطرة على كافة مناطقها، والدلالة على ذلك ما اتخذته الحكومة البريطانية من موقف معارض ومستمر للقوانين العثمانية الخاصة بالهجرة اليهودية، فقد أوعزت إلى قنصلها في القدس في نيسان- أبريل- عام ١٩٠٤، بأن الحكومة البريطانية لن تقبل قوانين الهجرة ومن أجل ذلك لا يمكن إرغام اليهود الإنكليز على مغادرة البلاد، ولكن الحكومة العثمانية أصرت بدورها على تنفيذ قوانينها الخاصة بالهجرة وبيع الأراضي سواء لليهود أو الشركات اليهودية الأجنبية، كما مانعت بإجراء معاملات نقل الملكية إليها ويعترف ديكسون- القنصل البريطاني في القدس- بذلك حينما يؤكد أن الحكومة العثمانية تمسكت عام ١٩٠٤ بقرار منع بيع الأراضي والعقارات في فلسطين إلى اليهود من جميع الجنسيات، لأن معظم اليهود الأجانب كانوا يأتون إلى فلسطين بغرض شراء الأراضي والإقامة الدائمة.
وفي ١٦ أيار- مايو- عام ١٩٠٤ حدث تطور مفاجئ في مسار الحركة الصهيونية إذ توفي زعيمها تيودور هرتزل، وبوفاته طويت صفحة نشطة من التحرك الصهيوني. ومن اللافت للنظر أنه بلغ من خطورة الحركة الصهيونية ونشاطاتها أن جعلت هرتزل يناشد محرري يومياته ضرورة الحفاظ عليها وإخفائها. لأنها تبرز مخططات الصهيونية الخطرة والتحركات السياسية المتناقضة بين الدول الأوروبية التي اجتمع هرتزل بممثليها وذكر في يومياته:- أنه يجب أن تحذف تلك الملاحظات التي قد تزعج الحكومات الأجنبية، ولكن يجب أن يبقى تفصيل أسلوب المفاوضات حتى يعلم كيف قدت اليهود إلى بلدهم.
وفي عام ١٩٠٥ تزعم الدكتور ماكس نوردو الحركة الصهيونية، واستمر على نهج هرتزل في بذل مساعيه لتحقيق التطلعات الصهيونية بأسلوب قانوني في الوقت الذي كانت عمليات التسرب والهجرة غير القانونية لا تزال مستمرة إلى فلسطين. وقد لعب رشيد باشا متصرف القدس- ١٩٠٤– ١٩٠٦– دورا مهما في إنجاح عمليات التسرب غير القانونية، وذلك لأن هذا المتصرف خضع لشهوة المال الصهيوني وأصدر عدة قرارات داخلية مخالفة للقوانين العثمانية الرسمية وإن كانت لا تنص صراحة على السماح بالهجرة الصهيونية إلا أنها كانت ضمنًا تحقق الهدف الصهيوني.
وفي عام ١٩٠٦ قامت بريطانيا بمناورات عسكرية في أراضي الدولة العثمانية رمت من ورائها إلى- جس نبض- الأتراك حينما حاولت أن تنتزع العقبة وخليجها من الدولة العثمانية وتضمها إلى سيناء المصرية التي كانت تحت حكمها وسيطرتها وحدث من جراء ذلك نزاع طويل بين الدولتين انتهى بفشل إنكلترا وبقاء العقبة بيد الدولة العثمانية. وكانت الحركة الصهيونية بمساعدة المظاهرات العسكرية البريطانية في المنطقة تحاول الضغط على الدولة العثمانية نظرا للعجز الاقتصادي الذي كانت لا تزال تعاني منه وبالرغم من هذه الأوضاع العسكرية والاقتصادية التي كانت تواجهها الحكومة التركية فقد استمرت في اتخاذ موقفها الثابت من الصهيونية وبريطانيا على السواء. وكانت ديون الدولة توحى من جديد بأنه بالإمكان الحصول على تنازلات من قبلها، ولكن شيئا من هذا لم يحدث.
والواقع أن التمويل الصهيوني عمل في هذه الفترة على تشجيع عمليات شراء الأراضي في فلسطين معتمدا على رضوخ عاملين للحركة الصهيونية وهما: الإقطاع والإدارة الفاسدة. وبالفعل فإن المستعمرين اليهود في حيفا ابتاعوا عام ۱۹۰۷ من العائلات الإقطاعية اللبنانية من آل سرسق وتويني قريتي بيت لحم وأم العمد في جوار الناصرة، كما اشترى اليهود بعض القرى الأخرى بأسماء مستعارة على أساس أنهم من رعايا الدول الأجنبية.
ومن الأهمية بمكان القول إنه في الوقت الذي كانت فيه الحركة الصهيونية تنشط للسيطرة على فلسطين كانت الدول الاستعمارية الأوروبية تخطط لنفس الغاية، فقد عقد في لندن عام ۱۹۰۷ مؤتمر- كامبل بانرمان- واشترك فيه سبع دول أوروبية هي: إنكلترا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال، بلجيكا، هولندا، واتخذ المؤتمرون قرارات تقضي باستمرار السيطرة الأوروبية على شعوب آسيا وأفريقيا وبقية المستعمرات، إلا أنهم استبعدوا حدوث أخطار من هذه المستعمرات، ورأوا أن مصدر الخطر الحقيقي على الدول الاستعمارية إنما يكمن في المناطق العربية. وفي الوقت الذي كانت المؤامرات تحاك في الخارج ضد الدولة العثمانية كانت مؤامرات تحاك في الداخل تضم مجموعات تركية ويهودية بتشجيع من الدول الاستعمارية، وكانت تهدف إلى قلب نظام الحكم وخلع السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش، ذلك لأن السلطان كان العقبة التي تقف في طريق الصهيونية إلى فلسطين.
ويؤكد القنصل البريطاني الجديد في القدس بلش- عام ۱۹۰۸، المصاعب التي وضعها السلطان عبد الحميد الثاني في مواجهة الاستيطان اليهودي في فلسطين.
ويمكن القول إن اليهود لعبوا دورا فعالا في ثورة عام ۱۹۰۸ ويؤكد سيتون واتسون هذه الحقيقة بقوله:- إن أصحاب العقول المحركة لثورة- الاتحاد والترقي- عام ۱۹۰۸ كانوا يهودا ومن الدولة- مسلمون من أصل يهودي- وأما المساعدات المالية فإنما كانت تصلهم عن طريق الدونمة ويهو دسالونيك المتمولين، كما تذكر صحيفة- المشرق- من أن الكل يعلم أن مركز الانقلاب إنما كان في سالونيك واليهود فيها ليف وسبعون ألفا.
وهناك معلومات تؤكد أن الحقيقة الظاهرة في تكوين جمعية الاتحاد والترقي أنها غير تركية وغير إسلامية، فمنذ إنشائها لم يظهر بين قادتها عضو واحد من أصل تركي خالص. فأنور باشا مثلا هو ابن رجل بولندي، وكان- جاوید يهوديا من الدونمة- وقارصوه- من اليهود الإسبان القاطنين في سالونيك، وكان- طلعت باشا بلغاريا، أما أحمد رضا فقد كان نصفه شركسيا والنصف الآخر مجريا، أما نسيم روسو ونسيم مازلياج فقد كانا يهوديين.
ويبرز دور اليهود ثانية في حادثة خلع السلطان عبد الحميد الثاني عندما مارس الاتحاديون الضغوط على مفتي الإسلام محمد ضياء الدين بإصدار فتوى الخلع، ثم أوفدوا في ٢٤ نيسان- أبريل- ۱۹۰۹ هيئة مكونة من عارف حكمت باشا وأسعد طوبتاني باشا وغالب باشا، ومن زعماء اليهود قراسوه رئيس المحفل الماسوني في سلانيك وشلمون إبران، ووصلوا إلى يلدز لإبلاغ السلطان نبأ الخلع. وكانت مشاعر الثأر والانزعاج بادية عليه فقال بغضب: - طيب- ما هو عمل هذا اليهودي- يقصد قراصوه- في مقام الخلافة، بأي قصد جئتم بهذا الرجل أمامي.
ويذكر النقيب التركي- دييريلي- بأن السلطان عبد الحميد الثاني حدثه عندما كان مسجونا في سلانيك، عن آخر اجتماع له مع الزعيم الصهيوني هرتزل ورئيس الحاخامين في تركيا فقال:- تصور يا سيادة النقيب أن هذين اليهوديين مثلا أمامي ليقدما إلى سلطنتنا رشوة صرخت في وجهيهما قائلا: اخرجا من هنا، إن الوطن لا يباع بالنقود، طلبت إلى رجال القصر أن يقودوهما حالا إلى خارج القصر. وبعد ذلك أصبح اليهود أعدائي، فما ألاقيه الآن هنا في سلانيك من عذاب الاعتقال ليس سوى جزائي منهم حيث لم أرض أن أقتطع لهم أرضا لدولتهم المزعومة.
ويذكر السلطان نفسه في وثيقة على قدر من الأهمية موقف الاتحاديين والصهيونية من سياسته فيقول:- إن هؤلاء الاتحاديين أصروا علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة- فلسطين-... ووعدوا بتقديم مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهبا، فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية.. وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى سلانيك فقبلت بهذا التكليف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل