; قراءات في الفكر الغربي: ممارسات من أجل الإنسان | مجلة المجتمع

العنوان قراءات في الفكر الغربي: ممارسات من أجل الإنسان

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1989

مشاهدات 61

نشر في العدد 898

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 03-يناير-1989

يقدم الباحث الإنجليزي أرثر ستانلي تريتون في كتابه المعروف «أهل الذمة في الإسلام» [1](1) شواهد واستنتاجات مهمة بصدد معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، عبر العصور.. وبالرغم مما يتضمنه الكتاب –في الوقت نفسه– من أخطاء موضوعية وأحكام جائرة، فإن إقرار المؤلف بالوقائع والاستنتاجات التي سنمر بها في هذه الصفحات يحمل قیمته العقيدية والتاريخية المتألقة بصدد واحدة من المسائل الأساسية في فكر الإسلام.

ولد تريتون عام 1881 وتعلم في عدد من الكليات البريطانية، وعين مساعد أستاذ للعربية في أدنبرة 1911 وكلاسكو 1919 وأستاذًا في كليكرة في الهند 1921 ومدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن 1931 – 1947 وقد وجه جل اهتمامه إلى الفقه، وطوف في عدد من البلدان العربية، وأنجز العديد من المؤلفات أشهرها، فضلًا عن «أهل الذمة...» «علم الكلام في الإسلام» و «الإسلام إيمان وشعائر» و«مواد في التربية الإسلامية». (2)[2]

لنبدأ من الجذور..

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين رضي الله عنهم إذ وضعوا الأسس الأول، الملزمة للعلاقة بغير المسلمين، قدموا للعالم، على مستوى التنظير الفقهي والتنفيذ العملي، صورة للعلاقة بين الطرفين، لم يستطع أي دين أو مذهب أن يقدمها عبر التاريخ ولن يستطيع.

والشهادات كثيرة، وتوثيق هذه المقولة ليس أمرًا صعبًا بسبب زحمة المادة الفقهية والتاريخية في هذا المجال.

ونحن هذا لا نستطيع أن نخالف المنهج الذي اعتمدناه وهو المرور من قناة واحدة كما يقولون.. ما يقدمه هذا الباحث أو ذاك تجاه هذه المسألة أو تلك.. فما الذي يقوله تريتون بهذا الصدد؟ لتستمع إليه: 

«يصر الإسلام على وجوب اصطناع الرفق مع الشعوب المغلوبة، ويومي بحسن معاملتها، والتزام العدل معها. ومما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله «ألا مَن ظلمَ مُعاهدًا، أوِ انتقصَهُ، أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منهُ شيئًا بغَيرِ طيبِ نفسٍ، فأَنا حَجيجُهُ يومَ القيامةِ»(أبو داود:3052) (2).

وقال أبو بكر رضي الله عنه «ولا تقتلن أحدًا من أهل ذمة الله، فيطلبك الله بذمته، فيكبك الله على وجهك في النار» والروايات الواردة بحق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رأفته بالذميين كثيرة، حتى ليقال إنه مر على قوم قد أقيموا في الشمس في بعض أرض الشام، فقال: ما شأن هؤلاء؟ فقيل له: إنهم أقيموا في الجزية، فكره ذلك وقال: «هم وما يعتذرون به». قالوا: يقولون لا نجد قال: «فدعوهم ولا تكلفوهم ما لا يطيقون» ثم أمر بهم فخلي سبيلهم. وحدث أن مر عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» بباب قوم وعليه سائل يسأل، وكان شيخًا ضرير البصر، فضرب عمر عضده وقال له: «من أي أهل الكتاب أنت؟» فقال: يهودي. قال: «فما ألجأك إلى ما أرى؟» قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله وأعطاه مما وجده ثم أرسل به إلى خازن بيت المال وقال له: «انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، إنما الصدقات للفقراء والمساكين والفقراء هم الفقراء المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب» ثم وضع عنه الجزية» [3](3).

تلك هي تأشيرات فحسب عن المنطلقات والوقائع المبكرة التي شكلت أساس العلاقة بين المسلم وغير المسلم في المجتمع الجديد الذي بناه الإسلام.

يواصل تريتون متابعته للجذور فيقول: «ولما تدانى أجل «عمر بن الخطاب رضي الله عنه» أوصى من بعده وهو على فراش الموت بقوله «أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، وأن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفهم فوق طاقتهم» [4](4) وفي ص 29.

تولي المناصب الدينية الرفيعة بين المسلمين» حال إسلامه [5](18) بحجة أنه كان في ماضيه خصمًا للإسلام!

ومن هنا لا يعرف المدى الواسع الذي منح للذميين في مجالات النشاط الإداري، وحشود المناصب والوظائف التي تقلدوها؟ ومن منا لا يعرف –كذلك– الحياة الاجتماعية الهنيئة الطيبة التي عاشوها في كنف الإسلام «وتقبلهم في بلهية العيش واتساع الأحوال وكثرة النفقات» إلى حد «الشرف والإسراف» أحيانًا؟ (19)[6].

إن الوقائع كثيرة في كل اتجاه من اتجاهات التعامل بين المسلم والذمي، وكثيرة أيضًا الشهادات التي يقدمها تريتون وعشرات غيره من الباحثين الغربيين في هذا المجال، ويكفي أن نحيل القارئ هنا، إيثارًا للإيجاز على مظان بعض الشهادات في کتاب تريتون الذي بين أيدينا [7](20) ونقارن هذا بما تم للمسلمين في البلاد التي لم يكونوا يملكون فيها السلطة وكانوا فيها اتباعًا لمن لا يدين بدينهم من النصارى أو اليهود، بل يكفي أن تتذكر ما جرى في إسبانيا بعد سقوط دولة الإسلام فيها، وما يجري في فلسطين بعد بغي البغاة عليها، لكي تعرف ما الذي أراد الإسلام أن يعمله لصالح الإنسان في العالم!

 

)[1] 1) ترجمة وتعليق   د. حسن حبشي ،الطبعة الثانية ،سلسلة   المكتبة التاريخية ،دار المعارف ،القاهرة -1967

 (2) أبو يوسف: الخراج ص71

)[3]3)أهل الذمة في الإسلام ص157-158

 (4) يحيي بن آدم: كتاب الخراج ص54

)[5] 5) نفسه ص175-176

)[6] 6) نفسه ص 169

)[7] 7) لوضع اليد على المزيد من الشواهد بصدد معاملة غير المسلمين والسماح لهم ببناء مؤسساتهم التعبدية انظر  المرجع نفسه ،الصفحات 14-26،33-34،41-43،49،56-62،91،100،108،115-116

)[1] 5) نفسه ص175-176

)[1] 6) نفسه ص 169

)[1] 7) لوضع اليد على المزيد من الشواهد بصدد معاملة غير المسلمين والسماح لهم ببناء مؤسساتهم التعبدية انظر  المرجع نفسه ،الصفحات 14-26،33-34،41-43،49،56-62،91،100،108،115-116

الرابط المختصر :