العنوان قراءة تحليلية في تشكيلة الحكومة اللبنانية الجديدة- الولادة.. الحصص.. المواقف
الكاتب فادي شامية
تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2011
مشاهدات 66
نشر في العدد 1958
نشر في الصفحة 32
السبت 25-يونيو-2011
للمرة الأولى في تاريخ تشكيل الحكومات.. ينال السنة عددًا من الوزارات يفوق ما ناله الشيعة
الانقسام الحاد في البلاد قد يمنع الحكومة من مقاربة الملفات الخلافية على نحو ناجح
رئيس الجمهورية أكثر الخاسرين.. حيث فقد وزارة الدفاع واضطر للتفاهم مع «عون» على وزارة الداخلية
بعد نحو ١٤٠ يومًا على التكليف وبعدما كاد اليأس من نجاح الولادة الحكومية يسيطر على الجميع في لبنان أعلن نجيب ميقاتي حكومته الثانية المكونة من ثلاثين وزيرًا ... وتقول المعلومات إن القيادة السورية أبلغت حلفاءها في لبنان - وكذلك ميقاتي، من خلال شقيقه ، طه . بأنه لا يجوز استمرار التأخر في تشكيل الحكومة، وحذرت من أن المماطلة في التأليف تستهدف سورية مباشرة .. كما أن الكلام نفسه سمعه النائب وليد جنبلاط أثناء زيارته إلى سورية في التاسع من شهر يونيو الجاري.
القيادة السورية لم تدفع وحدها باتجاه التشكيل، فالرأي العام اللبناني بغالبيته الساحقة، بما فيه المعارضون المحتملون للحكومة، كان يريد تشكيل حكومة تنهي الفراغ المخيم على البلد منذ نحو خمسة أشهر، في ظل شلل كبير للدولة، واستنزاف مخيف لهيبتها ومقدراتها، وهي حالة لمسها - الرئيس ميقاتي بوضوح، فقرر التوجه إلى - قصر بعبدًا»، قاطعًا عهدًا على نفسه ألا يخرج من القصر الرئاسي إلا وقد أعلنت حكومته، سواء بتوافق مع حلفائه أو من دون توافق (حكومة أمر واقع).
وصل الرئيس ميقاتي إلى «بعبدا» قبل ظهر الإثنين ۱۳ يونيو ليعرض على رئيس الجمهورية تشكيلة من ٢٤ وزيرا، تراعي أحجام القوى السياسية التي سمته رئيسًا للحكومة، وعلى الفور اتصل الرئيس ميشال سلیمان برئيس مجلس النواب نبيه بري داعيًا إياه إلى القصر الجمهوري، وأثناء النقاش رفض بري مقترح ميقاتي، عارضًا بالمقابل صيغة ثلاثينية، على أن يتنازل عن وزير من حصته لصالح حل عقدة توزير فيصل نجل عمر كرامي في الحكومة، مع ما في ذلك من خسارة الشيعة مقعدًا – للمرة الأولى بعد الطائف - لصالح السنة.
شكلت «تضحية» بري مخرجًا، لأنه بات بمقدور ميقاتي توزير حليفه أحمد كرامي أيضا، وزيادة تمثيل مدينة بيروت، ما يعزز من وضع الحكومة ويجعلها مقبولة من جميع حلفائه تقريبا .. وفي تلك الأثناء، كانت الاتصالات نشطة بين السيد حسن نصر الله والعماد ميشال عون وباقي رموز الأغلبية النيابية الجديدة من أجل مباركة هذا الحل.
وفي قراءة تحليلية للتركيبة الحكومية، يتبين ما يأتي:
- للمرة الأولى في تاريخ تشكيل الحكومات، ينال السنة عددًا من الوزراء (سبعة) يفوق الشيعة (خمسة)، لكن المراقبين يعتبرون أن الأمر شكلي، ولو أنه سابقة توضع في خانة ميقاتي باعتباره السني الأول، كما قال عن نفسه .. والسبب في التقليل من أهمية هذا الاختلال المذهبي أن الحكومة كلها محكومة في أدائها بإرادة الثنائي الشيعي «أمل» و«حزب الله».
- أعطت الحكومة حصة كبيرة لمدينة طرابلس التي ينحدر منها الرئيس ميقاتي إذ نالت عاصمة الشمال أربعة وزراء مقابل اثنين فقط للعاصمة .. ومما لا شك فيه أن هذا التمثيل الكبير لطرابلس يساعد الرئيس ميقاتي في تعزيز حضوره الشعبي في مدينته، لكنه بالمقابل يثير سخط مدن ذات غالبية سنية أخرى، لاسيما بيروت (وزيران) وصيدا التي حرمت من التمثيل كليًا .
- يُعد العماد ميشال عون أكبر الفائزين بالتشكيلة الحكومية، حيث نال الحصة الأكبر (۱۱) وزيرا من ضمنها الوزارات الأساسية فضلاً عن تقاسمه تسمية وزير الداخلية بينه وبين رئيس الجمهورية.. وفي المقابل، يعتبر رئيس البلاد أكثر الخاسرين؛ إذ فقد وزارة الدفاع، واضطر للتفاهم مع عون على وزارة الداخلية، ولم يسم إلا وزيرين أحدهما بلا حقيبة منصب نائب رئيس الحكومة شكلي في لبنان.
- نال النائب وليد جنبلاط حصة مريحة ثلاث حقائب مهمة، وأتيح له للمرة الأولى أن يسمي وزيرًا سنيًا من حصته هو النائب علاء الدين ترو، بعدما التزم الأخير قرار جنبلاط التصويت للرئيس ميقاتي في عملية التكليف، خلافًا لمزاج ناخبيه السنة.
- استطاع الرئيس ميقاني تأمين ثلث معطل في الحكومة مكون من الوزراء المحسوبين عليه وعلى رئيس الجمهورية والنائب وليد جنبلاط، كضمانة من أن تجنح الحكومة نحو قرارات كيدية يتخوف منها هذا الثلاثي، وقد بدا هذا واضحًا في كلام ميقاتي عقب التأليف: «لا انتقام ولا كيدية».
انتقادات متنوعة
أول المواقف من الحكومة جاءت من أحد أركانها، وفريق الثامن من آذار نفسه؛ وهو الأمير طلال أرسلان، حيث عقد مؤتمرًا صحفيًا قال فيه كلامًا كبيرًا بحق ميقاتي وأعلن استقالته من الحكومة، لأن ميقاتي خدعه» ولم يعطه حقيبة وزارية، وقد تزامن ذلك مع أعمال شغب لأنصاره في الشارع وهو الأمر الذي علق عليه ميقاتي بالقول: أستغرب أن يصدر هذا التصرف عن رمز في عائلة أرسلانية عريقة.
كما انتقد الحكومة أطراف من فريق الثامن من آذار على الأرجح بسبب بقائهم خارج «الجنة الحكومية»، ومن بين هؤلاء حلفاء مهمون لـ«حزب الله» أمثال الوزير الأسبق عبد الرحيم مراد الذي وصف الحكومة متهكمًا بأنها شركة وزارة الشمال المتحدة نظرًا لعدم تمثيل البقاع الذي ينحدر منه مراد لصالح تمثيل زائد عن الحد الطرابلس). ومن بينهم أيضا نائب رئيس مجلس النواب الأسبق إيلي الفرزلي الذي اعتبر أن الحكومة تحمل بذور تدمير نفسها بنفسها...
غير أن الموقف الأهم داخليا هو موقف فريق ١٤٠ آذار، الذي وصف عدد من أركانه المعارضة الحكومة بأنها سورية الهوى النائب نهاد المشنوق، وبأنها حكومة «حزب الله» (تيار «المستقبل»، وحزب الكتائب»...). وبأنها حكومة الوصاية (مروان حمادة) وصولاً إلى قول رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع: «لا هنيئًا للبنان بالحكومة.
الموقف العربي والدولي
وعلى الصعيد العربي بدا لافتًا تبكير الرئيس السوري بشار الأسد بالاتصال بعد أقل من ساعة على ولادة الحكومة - برئيس الجمهورية ميشال سليمان» ورئيس مجلس النواب نبيه بري مهنئا بولادتها ... كما لفت أيضًا إعلان ميقاتي اختياره دمشق لزيارته العربية الأولى بعد نيل حكومته الثقة على أن يعقبها جولة عربية للتسويق للحكومة على ما يبدو، لاسيما أن المتغيرات الإقليمية وسوء علاقات عدد من البلدان العربية وغير العربية مع سورية أثر في قدرة هذه الحكومة على الحركة.
أما دوليًا أمريكيًا وأوروبيًا)، فقد حافظت المواقف على حالها: «الحكم على الحكومة سيكون بناءً على أفعالها»، ما يعني أن الولايات المتحدة والغرب سينظران بدقة في البيان الوزاري، وفي القرارات اللاحقة للحكومة.. وقد كان لافتًا في هذا المجال تذكير ميقاتي - فور الإعلان عن تشكيل الحكومة - بأن حصول «حزب الله» على أكثرية حكومية لا يعني أن لبنان في مواجهة المجتمع الدولي».
ويدرك الرئيس ميقاتي قبل سواه خطورة الموقف الدولي السلبي من حكومته، سواء فيما يتعلق بعلاقة لبنان بالعالم، أو ما يتعلق بانعكاسات أي موقف دولي سلبي من الحكومة على الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية في لبنان.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، وصفت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية الحكومة الجديدة بحكومة «حزب الله» والنظام السوري، وفي مقال تحت عنوان: «لا تتعاملوا مع المصارف اللبنانية، اعتبرت أن القطاع المصرفي - وهو أحد ركائز الاقتصاد اللبناني - بات وسيلة لتهريب الأموال لحزب الله»، مستشهدة باكتشاف عمليات من هذا النوع في أحد المصارف الذي قرر المصرف المركزي اللبناني حله.
وفي كل الأحوال، فإنه لا يتوقع من الحكومة الميقاتية الثانية أكثر من إدارة الفترة الفاصلة عن الانتخابات النيابية عام ٢٠١٣م في أحسن الأحوال؛ إذ يبدو أن الانقسام الحاد في لبنان سيمنع الحكومة الجديدة من مقاربة الملفات الخلافية على نحو ناجح.. أما إذا جنحت الحكومة نحو خطوات يعتبرها الفريق غير الممثل فيها «استفزازية»، فإن الوضع سيكون مختلفًا، سواء فيما يتعلق بنجاح الحكومة أو ببقائها حتى الانتخابات النيابية ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل