العنوان قراءة تحليلية للموسوعة العصرية للفقه الجنائي الإسلامي
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-2000
مشاهدات 66
نشر في العدد 1424
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 31-أكتوبر-2000
في عدد من المقالات نقدم للقارئ الموضوعات الأساسية التي تتضمنها الموسوعة العصرية للفقه الجنائي الإسلامي، وهي الطبعة الثانية المنقحة لكتاب التشريع الجنائي الإسلامي للشهيد عبد القادر عودة، الذي نشرت الطبعة الأولى منه في الخمسينيات من القرن الماضي.
أول هذه الموضوعات هو تميز شريعتنا بمصدريها: الكتاب والسنة، هذان هما المصدران الثابتان والخالدان للأحكام الشرعية، وذلك عبر الاجتهاد والعلم والعقل الذي يكون العنصر المتجدد في فقهنا.
إن هذه المصادر هي التي جعلت شريعتنا تتميز بأنها تحررت من سلطة الدولة، وحرمت المسيطرين عليها من استعمال السلطة التشريعية وقوانينها الوضعية سلاحًا لفرض سلطاتها واستبدادها الذي أدى إلى الحكم الشمولي الذي يشكو منه العالم اليوم.
وقد أفاض فقيهنا في صفات الثبات والخلود والسمو التي تميز بها الكتاب والسنة، وهي الأسس الثابتة للشريعة، ونحن نؤيده في ذلك، وإن كنا قد أضفنا لذلك الخصائص التي تميز الفقه المكمل لهما.
وهي:
إن الفقه هو علم وفكر يتسع لتعدد المذاهب واختلاف الآراء.
إن فقهنا مقيد بأصول الفقه التي تجعله تابعًا للمنابع والمصادر السماوية «الكتاب والسنة» ومرتبطًا بها، ومفصلًا لها، ومستنبطًا لأحكامها، ولا يستمد من فلسفات بشرية أو وضعية أو مستوردة من الخارج.
إن الفقه كعلم وفكر يتولى تجديد المجتمع وإصلاحه كلما أصيب بالتخلف أو الجمود والتجديد يجب أن يكون مستندًا إلى أصول شريعتنا.
الأمة وكل سلطة في المجتمع تلتزم بالفقه، كما تلتزم بالشريعة مثل الفرد تمامًا، لأن الشريعة هي صاحبة السيادة في المجتمع والفقه جزء منها، وكل ما للأمة والفرد هو الحق في الاختيار بين المذاهب والآراء المتعددة والمختلفة في فقهنا.
بعض أعدائنا ينتقدون الطابع الديني لشريعتنا، مما جعل فريقًا من رجال القانون يتصور أن هذا الطابع الديني، والمصدر الثابت الخالد يمكن أن يكون عيبًا في التشريع الإسلامي، وأن هذا العيب المزعوم يمكن علاجه بإدماج القوانين الوضعية في شريعتنا تحت ستار كامل.
ونحن على العكس من ذلك نعتبر أن المصدر السماوي والطابع الديني في شريعتنا هو مزية نفخر بها ونقدمها للعالم لمقاومة الحكم الشمولي الذي يريد العالم التحرر منه.
ونعتقد أن هذا الموقف هو أول أبواب التجديد الذي يجب أن نسير فيه لمواجهة ظروف الزمان والمكان.
إن هذا الطابع الديني والمصدر الخالد هو الذي جعل أحكام شريعتنا تتميز بأنها ملزمة بذاتها للأفراد بحكم مصادرها الإلهية وطابعها الديني، ولذلك فهي لاتحتاج لإرادة الدولة لإلزام الناس بها، بل إن الدولة ذاتها ومن يسيطرون عليها يلتزمون بأحكام الشريعة ويخضعون لها كغيرهم من أفراد المجتمع.
ولهذا السبب عارضنا ما يميل إليه البعض -ومنهم فقيهنا الشهيد- من إعطاء القوانين الوضعية وصف التعازير في التشريع الجنائي الإسلامي، لأن أحكام التعازير الشرعية يجب أن تستمد من المصادر السماوية والاجتهادية فقط، ولا يمكن الاستغناء عن تلك المصادر بسلطة الدولة وحكامها أو الاستيراد من الخارج.
في شريعتنا أن الاجتهاد والإجماع هما المكملان للنصوص القرآنية والنبوية الخالدة -باعتبارهما مصدرين للأحكام الشرعية وهما في نظرنا متكاملان- لأن الاجتهاد يوجب ما تميز به فقهنا من تعدد المذاهب واختلاف الآراء، بينما الإجماع هو الذي يضمن لنا توحيد القضاء على مذهب واحد ورأي واحد، ثم إن الإجماع والاجتهاد مستقلان عن الدولة والمتحكمين فيها لأن الذي يتولاه هم ممثلو الأمة أو الشعب بالشورى الحرة، ثم محكمة النقض أو قاضي القضاة بعد ذلك وليس لرئيس الدولة ولا السلطة التنفيذية أي دور في نظرنا.
لهذا السبب نعترف لفقيهنا بالفضل الكبير فيإبراز أهمية الإجماع النسبي الذي هو الممكن والضروري في عصرنا والعصور القادمة، ولذلك انتقدنا ما يسير عليه البعض من اعتبار الإجماع الكامل هو الصورة الوحيدة من صور الإجماع.
وللسبب نفسه عارضنا وصف شريعتنا بأنها قانون إسلامي، أو وصف تشريعنا الجنائي بأنه قانون جنائي، لأن القانون هو النصوص التي تستمد قوة إلزامها من سلطة الدولة والمسيطرين عليها، أما أحكام شريعتنا فتستمد قوة إلزامها من الإيمان الراسخ بأن مصدرها هو الوحي الإلهي.