العنوان قراءة في خطاب "أردوغان" في مؤتمر "الموصياد"
الكاتب د. سعيد الحاج
تاريخ النشر الخميس 01-يناير-2015
مشاهدات 59
نشر في العدد 2079
نشر في الصفحة 62
الخميس 01-يناير-2015
كان افتتاح "معرض الموصياد الدولي" الخامس عشر في إسطنبول فرصة مواتية للرئيس التركي "رجب طيب "أردوغان" ليوجه خطاباً إلى الحاضرين وعموم الشعب، متناولاً عدداً من القضايا الداخلية والخارجية المهمة، فقد تخطى معرض "الموصياد"، أو جمعية رجال الأعمال والمصنّعين المستقلين، الحدود المحلية ليصبح مناسبة لتجمع رجال الأعمال والشركات الرائدة في تركيا والإقليم والعالم.
يمكن اعتبار الملف الاقتصادي الركن الأساس في رؤية الحكومة التركية نحو مشروع "تركيا الكبيرة" التي تهدف لتحقيقه في الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية عام 2023م، فالأهداف المذكورة تتعلق تحديداً بعنوانين رئيسين؛ هما: الإصلاح السياسي، والنهضة الاقتصادية، وفي العنوان الثاني تحديداً يبرز هدف "الاقتصاد العاشر عالمياً" كمعيار مهم؛ ولذلك كانت الإشارة الأولى لـ"أردوغان" في الخطاب المذكور هو أن هذه الفعالية بحد ذاتها، التي شهدت مشاركة 7000 رجل أعمال ومئات الشركات وعدد كبير من السياسيين والأكاديميين من 102 دولة، تظهر كم هو الاقتصاد التركي حيوي وواعد.
وباعتبار أن هذه القفزة الكبيرة في الساحة العالمية لعالم الاقتصاد من المركز السابع عشر إلى العاشر تحتاج جهداً كبيراً وعملاً دؤوباً، إضافة إلى مضاعفة الاستثمارات الخارجية، فقد حرص الرئيس التركي على التأكيد على متانة واستقرار الاقتصاد التركي، وضمانة الاستثمار الأجنبي الذي حمته الدولة في الماضي وستحميه مستقبلاً، مستعرضاً ما تم تحقيقه خلال 12 عاماً من حكم "العدالة والتنمية"، ففي حين ينمو الاقتصاد التركي بمعدل 5% سنوياً، زاد إجمالي الدخل القومي ثلاثة أضعاف، وارتفعت مساهمة أنقرة في التجارة الدولية (الصادرات التركية) خمسة أضعاف، وأغلقت الأخيرة ملف استدانتها من صندوق النقد الدولي عارضة عليه أن تقرضه 5 مليارات دولار.
وقد حدد "أردوغان" عوامل عدة لنجاح اقتصاد بلاده واستمراره في النمو، منها "البنية الاقتصادية القوية، البنية المالية المنظمة، الاستقرار السياسي، مناخ الأمن والثقة، والعمل الدؤوب بحماسة شديدة".
وبناءً على هذه الرؤية، يرى "باني نهضة تركيا الحديثة" أن الأهداف الاقتصادية عالية السقف الخاصة بعام 2023م أهداف طموحة جداً، ولكنها ممكنة التحقيق، مدللاً على المكانة التي وصلت إليها تركيا بترؤسها الدوري في عام 2015م لمجموعة العشرين الاقتصادية الدولية؛ الأمر الذي يؤهلها للمشاركة في توجيه بوصلة الاقتصاد العالمي.
فلسطين وسورية
ولم تغب قضايا المنطقة عن الكلمة التي حضرها رجال أعمال وسياسيون من معظم الدول العربية، بل حرص الرئيس التركي على التأكيد على الجانب الأخلاقي والمبدئي في سياسة بلاده الخارجية، موضحاً أن دعم بلاده لسورية وليبيا والعراق وفلسطين ومصر واليمن وغيرها ليس دعماً باسم المصلحة التركية، بل "باسم الحق والعدل والإنسانية".
وأكد "أردوغان" أن القضية الفلسطينية ما زالت محافظة على زخمها وعالميتها، مندداً باغتصاب حقوق وأراضي وآمال الفلسطينيين يومياً، واصفاً تدنيس قوات الاحتلال للمسجد الأقصى بالاعتداء البربري على ثاني أقدس مسجد للمسلمين، وضربة قاصمة لآمال السلام في المنطقة.
وكما كان متوقعاً، فقد شغلت الأزمة السورية حيزاً غير ضئيل من خطاب "أردوغان"، معتبراً أن الأسوأ من كل أزمات المنطقة هو بقاء الغرب بلا موقف واضح إزاءها، مذكراً بعقم الجهود الدولية لحل الأزمة السورية.
الخلاف مع الغرب
ولئن كان التركيز التركي على المأساة السورية والانقلاب في مصر مبدئياً وأخلاقياً في جزء منه، فهو أيضاً يفيد من ناحية أخرى تركيا في خلافها المتصاعد مع الغرب؛ الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي تحديداً.. هنا، تصبح هذه القضايا التي ساهمت في زرع بذور الشقاق بين تركيا وحلفائها الغربيين عامل إسناد لموقف تركيا في مواجهتهم.
ولذلك، فلا يفوّت "أردوغان" أي فرصة للتذكير بازدواجية المعايير الغربية، منتقداً تركيزهم على بعض الإجراءات الأمنية والأحداث السياسية في تركيا، باعتبارها تؤثر على طلب عضويتها للاتحاد الأوروبي، في حين يفضل الاتحاد الصمت إزاء الجرائم والمجازر والانقلابات وقتل الناس والإنسانية يومياً.
لكن سقف الخطاب التركي تخطى مواقع الدفاع ليبادر بالهجوم هنا أيضاً، فذكر الرئيس التركي نظراءه الغربيين باستحالة الحديث عن الحضارة والمدنية في الوقت الذي يُقتل فيه الناس يومياً في الشرق الأوسط، بل واتهمهم – ضمناً – بافتعال الأزمات والحروب بهدف السيطرة على مصادر الطاقة، في حين يصمتون حيال قتل الإنسانية من أجل برميل نفط وحفنة ألماس، ومتسائلاً: لماذا يتكثف الوجود الغربي في أفريقيا؟ ولماذا يأتون إلى الشرق الأوسط قاطعين آلاف الكيلومترات؟
لقد تكلم الرجل بما اعتدنا مؤخراً أن نسمعه منه، فامتدح تجربة بلاده الاقتصادية راسماً أهدافها عالية السقف، وجدد دعمه لقضايا العالم العربي العادلة في أكثر من بلد وفي مقدمتها سورية وفلسطين ومصر، وانتقد الصمت الدولي ومعايير الغرب المزدوجة.