; قراءة في خطاب شــارون.. وسقط الحلم الصهيوني.. على صخرة المقاومة | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في خطاب شــارون.. وسقط الحلم الصهيوني.. على صخرة المقاومة

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر السبت 03-يناير-2004

مشاهدات 61

نشر في العدد 1583

نشر في الصفحة 30

السبت 03-يناير-2004

  • شعبية شارون التي قفزت في سنوات حكمه الأولى إلى ٦٩٪ هبطت إلى ٤٤٪.

  • رئيس الأركان موشيه يعلون يصف سياسة «إسرائيل» في الأراضي الفلسطينية بأنها كارثة.. وقادة الشاباك يشعلون جدلاً لم يسبق في تاريخ الكيان الصهيوني.

  •  صقر الليكود يهود أولمرت المقرب من شارون يطرح فكرة الانسحاب الأحادي.. والمعلقون يعتبرون ذلك سقوطًا الأفكار اليمين ومفاهيمه.

  •  «يديعوت أحرونوت»: شارون اجتاز خطوة مهمة لتفكيك حصاد حياته.. لقد أنفصل عن «المستوطنات».. إرثه الروحي الفعلي.

  • من الواضح أن تطبيق خريطة الطريق بحسب ما طرحه شارون لن يقود إلى أي تغيير في الوضع السياسي، بل سيقود إلى تعقيده أكثر.

تتصاعد الأزمات في الكيان الصهيوني، ومازال البحث جاريًا عن مخرج للأزمة تحت أسماء مختلفة.. مبادرات سياسية أو خطط أمنية أو مشاريع تسوية.
وفي هذه المرة وجد اليمين نفسه محاصرًا: السيف الفلسطيني لايزال مشهرًا مصممًا على استمرار المقاومة الموقف الدولي يغير من نظرته لإسرائيل بشكل جذري.
ولم يكن خطاب شارون في يوم 18/12/2003 مفاجئًا وإن حمل مضامين جديدة هدم بها كثيرًا من الأفكار التي عاش من أجلها هو واليمين الصهيوني، الذي نظر إلى شارون باعتباره ملك إسرائيل. والقادر على التمسك بأفكار الصهيونية حتى آخر رمق، غير أن الانتفاضة الفلسطينية والمقاومة الباسلة التي صمد عليها الفلسطينيون لأكثر من ثلاث سنوات متتالية كانت كفيلة باضطرار شارون إلى الإعلان- بطريقة غير مباشرة- عن تراجعه والقبول بالدولة الفلسطينية، ومخاطبته الفلسطينيين بالقول إننا لا نريد السيطرة عليكم، ثم تراجعه الواضح في الموقف من بناء المستوطنات والمشروع الاستيطاني بأكمله.
الخطاب حمل في طياته حالة يأس من الأفق السياسي فشارون يريد الاستعجال في فرض وقائع من طرف واحد إذا فشلت المفاوضات بين الطرفين لكنها في نفس الوقت تحمل تهديدًا بوضع الفلسطينيين في كانتونات معزولة وتقرير مصيرهم من قبل طرف واحد هو الاحتلال.
اعتراف بالحقائق المرة
في خطابه أضطر شارون للاعتراف بالحقائق المرة والمواجهة الدامية التي شنها الفلسطينيون ضد الكيان الأمر الذي دفعه للقول صراحة إنه لا يمكن السيطرة على شعب أخر، غير أنه في نفس الوقت يعود إلى الحيلة الإسرائيلية القديمة القائلة السيطرة على مزيد من الأرض والقليل من السكان.
وتعود المواقف التراجعية لشارون لأسباب كثيرة ومتعددة منها:

  1. الجدل الكبير: الذي شهده المجتمع الصهيوني حول صحة المسار الذي تتبعه الحكومة خاصة في المجالين الأمني والعسكري، وقد أعترف كثير من قيادات المجتمع الصهيوني بأنهم جميعًا يسيرون نحو الكارثة والانهيار، ويبدو أن هذا التوجه انعكس سلبًا على شارون الذي بدأ يرى أن استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي لا تصب في صالح سياسة حكومته، وتعترف بفشل السياسة العسكرية التي قادها شارون ضد الفلسطينيين.
    ويعتقد كثير من المحللين الإسرائيليين أن شارون لم يشأ أن يخسر الانتخابات القادمة وفضل أن يتماشى مع التوجه العام الذي بدأ يشعر بأنه لا جدوى من السيطرة على الفلسطينيين وبناء المستوطنات.

  2.  الموقف الدولي لم يكن في صالح شارون ولا سياسته على الإطلاق فالرأي العام الأوروبي كان موقفه سلبياً من «إسرائيل»، كما أن الحكومات الأوروبية أعلنت عن تذمرها من الموقف الإسرائيلي من عرفات واللقاءات الأوروبية معه، الأمر الذي أثار غضب بعض الدول الأوروبية وأصرت على لقاء عرفات رغم المقاطعة الإسرائيلية

  3. الجمود السياسي أيضًا انعكس على الموقف والصراع القائم في المنطقة، إذ إن فقدان
    شارون لأي أفق سياسي ورفضه المبادرات المطروحة، وأخرها خريطة الطريق إضافة إلى أن يوسي بيلين نجح في كشف عورة شارون عبر ترويجه المبادرة جنيف والتي لاقت ترحيبًا دوليًا الأمر الذي أحرج شارون ودفعه للمسارعة للإعلان عن امتلاكه رؤية سياسية للحل وهو الذي كشف عنه في مؤتمر هرتزيليا.

تراجع اليمين
اليمين الإسرائيلي ورغم كونه يتصدر التيار العام في الكيان الغاصب، إلا أن حالة الانحسار بدت واضحة فشعبية شارون التي قفزت في سنوات حكمه الأولى إلى 69% ما عادت تتجاوز 44% فضلًا عن أن الإسرائيليين ينظرون إليه على أنه فشل اقتصاديًا واجتماعيًا.
داخل اليمين بدأ الخطاب التراجعي الانهزامي يأخذ مجراه بدءًا برئيس الأركان موشيه يعلون الذي وصف سي ياسة إسرائيل، في الأراضي الفلسطينية بأنها «كارثة»، ومرورًا بقادة الشاباك الذين أشعلوا جدلًا لم يسبق له مثيل، وانتهاء بصقر الليكود يهود أولمرت، المقرب جدًا من شارون الذي بدأ يطرح فكرة الانسحاب الأحادي.
عامة المعلقين في إسرائيل اعتبروا أن طروحات أولمرت ما هي إلا تعبير واضح عن سقوط أفكار اليمين ومفاهيمه وتراجع عن التشدد الذي طالما تمترس خلفه وساق الإسرائيليين إلى كوارث ومآسٍ.
التهديد الأخير
الخطة التي أعلن عنها شارون هي أقرب للتهديد منها إلى البحث عن شريك سياسي، فقد ركز في أغلب خطابه على الخطوات أحادية الجانب وكأنه يريد أن يحشر الجانب الفلسطيني «السلطة الفلسطينية» في الزاوية ويرغمه على المسارعة بقبول طروحاته، لكن على ما يبدو فإن السلطة الفلسطينية لن تتجاوب مع طروحاته كما أن تنفيذ الخطوات أحادية الجانب محل شك كبير.
في خطابه وبعد ان قدم شارون الاحترام والثناء على خريطة الطريق، ليرضي الأمريكيين وأعلن أنها تبقى الخطة السياسية الوحيدة على الأرض، بعد أن وعد بأن يبذل كل جهد مستطاع بكل سبيل من أجل استئناف المفاوضات بكل ثمن، وصل شارون إلى السيناريو البديل إذا ما تبين أنه لا توجد إمكانية
للوصول إلى استئناف خريطة الطريق بعد فترة تجربة لنحو نصف عام، أعلن شارون عما يصفه مقربوه بخطة الانقطاع، أو الانفصال، وهو لم يذكر الخطوط الدقيقة ولم يحص عدد المستوطنات التي ستزول عن الأرض، ولكنه أوضح أنه في إطار هذه الخطة ستكون هناك حاجة إلى نسخ تجمعات سكانية دائمة يهودية من مكانها والتوجه إلى ترتيبات أمنية من طرف واحد تتيح لإسرائيل أن تقضي الزمن حتى استئناف المفاوضات بأمن نسبي.
ورغم أن هذه الخطة ليست ذات قيمة بالنسبة للفلسطينيين إلا أنها تعد تنازلًا وتحولًا كبيرين بالنسبة لشارون صاحب الآراء اليمينية المتطرفة واللاءات الكثيرة.
شارون أراد أيضًا أن يوضح للفلسطينيين أن الزمن يعمل ضدهم كونه سيخصص ستة أشهر لتطبيق خريطة الطريق والمفاوضات مع أبو علاء، وإذا لم تصل المسيرة إلى أي مكان فسيتعين على «إسرائيل» القيام بعمل ما وان تجد لنفسها مأوى مؤقتًا لفترة انتقالية هذا المأوى سيتضمن انسحابا إلى خطوط أمنية وإزالة لتجمعات سكنية في قطاع غزة والضفة الغربية.
عجز سياسي
شارون- بحسب خطابه- يرى أن إسرائيل، هي صاحبة القرار في تحديد وجهة المسيرة السياسية وأنه لا يمكن له أن ينتظر الفلسطينيين إلى ما لا نهاية وبهذا يؤكد أن الطرف الفلسطيني في عملية التفاوض ليس في مقام شريك وإنما في مقام المتلقي للأوامر، يقول شارون في خطابه نريد مفاوضات مباشرة، ولكننا لن نجعل المجتمع الإسرائيلي رهينة في أيدي الفلسطينيين قلت هذا من قبل لن ننتظر الفلسطينيين إلى ما لا نهاية.
شارون الذي أعلن مرارًا وتكرارًا عدم قبوله بخريطة الطريق ووضع عليها ألف علامة استفهام وتحفظ عاد الآن لكي يستدرج الفلسطينيين إليها مرة أخرى لكن بثوب مختلف تمامًا، حيث غلفها بشروطه الأمنية والسقف السياسي الذي أرتاه للفلسطينيين، وبرزت نبرة التهديد لشارون قوية بأنه إذا لم يقبل الفلسطينيون تطبيق خريطة الطريق فإنهم لن يحصلوا إلا على الفتات، وجاء في خطابه أن خطة الفصل لن تحول دون تطبيق خريطة الطريق إنه تدبير ستتخذه إسرائيل في غياب أي خيار آخر بهدف تعزيز أمنها إن خطة الفصل لن تطبق إلا إذا واصل الفلسطينيون المماطلة وإرجاء تنفيذ خريطة الطريق، وبالطبع سيحصل الفلسطينيون بعد تطبيق خطة الفصل على أقل بكثير مما كانوا سيحصلون عليه إثر مفاوضات مباشرة كما تنص عليه خريطة الطريق.
ومن الواضح أن تطبيق الخريطة- بحسب ما يطرحه شارون في خطابه- لن يقود إلى أي تغيير في الوضع السياسي، بل سيقود إلى تعقيده أكثر، إذ إن الفلسطينيين سيجدون أن حكمًا ذاتيًا محدودًا، سيطبق عليهم لكن في غلاف دولة.
التخويف بفك الارتباط
من الواضح أن قضية فك الارتباط التي أعلن عنها شارون لا تهدف إلا إلى الضغط على السلطة الفلسطينية واستدراجها إلى القبول بالطروحات الإسرائيلية القائمة على المصالح الأمنية له إسرائيل والقائمة على توفير الأمن للصهاينة وتخفيف العب عن جيش الاحتلال دون الحاجة إلى أي من المطالب الفلسطينية، أي أن الطابع الغالب عليها هو الطابع الأمني فقط حيث قال شارون في خطابه أود أن أؤكد أن خطة الفصل هي تدبير أمني وليست تعبيرًا سياسيًا وهذا يغلق الباب أمام الطرف الفلسطيني لإبداء رأيه في أي وجود أمني إسرائيلي سواء داخل الأراضي الفلسطينية أو على الحدود، وفي خطابه صرح شارون بهدف فك الارتباط حيث قال: الهدف من خطة فك الارتباط خفض الإرهاب بأكثر ما يمكن وتوفير أقصى درجة من الأمن للإسرائيليين، كما ستقود عملية الفصل إلى تحسين الحياة وتساهم في تقوية الاقتصاد الإسرائيلي التدابير الأحادية الجانب التي ستتخذها إسرائيل، في إطار خطة فك الارتباط ستتم بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، ولن نسيء إلى تنسيقنا الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، هذه التدابير ستزيد أمن سكان «إسرائيل» وستخفف الضغوط على الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن في ممارسة المهام الصعبة التي تتصدى لها.
أيضًا فإن شارون لا يريد أن يغير من الوقائع على الأرض على الإطلاق الجدار سيستمر المستوطنات ستظل قائمة الطرق الالتفافية لن تغير وجهتها لكن ما يريده شارون هو مخطوط أمن وإسناد للجيش وحماية إضافية للمستوطنات وتخفيف الاحتكاك بالفلسطينيين، ويشدد شارون في خطابه على أن إسرائيل لن تنسحب إلى حدود عام ٦٧ وأن المصلحة الأمنية الإسرائيلية هي التي ستحدد مدى هذا الانسحاب يقول شارون: خطة الفصل ستتضمن إعادة نشر الجيش الإسرائيلي على طول الخطوط الأمنية الجديدة، وإعادة رسم خريطة المستوطنات ستخفض قدر الإمكان عدد الإسرائيليين الذين يعيشون بين السكان الفلسطينيين.. «خطة فك الارتباط ستخفف الاحتكاك بيننا وبين الفلسطينيين إن تخفيف الاحتكاك سيتطلب أن نتخذ التدبير الشديد الصعوبة المتمثل إعادة توزيع بعض المستوطنات سأكرر ما قلته في الماضي في إطار اتفاق مستقبلي، لن تبقى إسرائيل في كل الأماكن التي توجد فيها اليوم إعادة توزيع المستوطنات ستتم قبل كل شيء بهدف رسم المسار الأكثر جدوى للسياج الأمني بحيث يتم الفصل بين إسرائيل والفلسطينيين.
سقوط حلم الاستيطان
تراوحت ردود الفعل الإسرائيلية على خطاب شارون بين الغضب في صفوف اليمين، وخيبة الأمل في صفوف اليسار الصهيوني الإسرائيلي لكنه وخلافًا لم تهديدات، سابقة لم يصدر عن اليمين ما يشير إلى نيته الانسحاب من حكومة شارون.
بدورها شددت الصحف الإسرائيلية على أن شارون تخلى على ما يبدو عن حلم الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال خطابه في هرتزيليا، ففي افتتاحية لنعوم بارنيا بعنوان شارون ينفصل عن شارون، أكدت صحيفة يديعوت أحرونوت، أن شارون أجتاز خطوة مهمة أساسية لتفكيك حصاد حياته.. لقد انفصل عن إرثه الروحي الفعلي المستوطنات، وتابعت الصحيفة تقول إن جورج بوش- الرئيس الأمريكي- ودوف فايسغلاس رئيس مكتب شارون- وشكوك الشعب في قدرته على مواصلة إدارة شؤون البلاد قضت على تردده وأعتبر يوسي فيرتر من صحيفة هارتس»، يسار- أن «أريك- لقب رئيس الوزراء الإسرائيلي- هرم شارون ورأى أن الخبير في التكتيك الحاضر دائمًا داخله يهزم في كل مرة رجل الاستراتيجية ورجل الدولة، وفي حال تحولت هذه الأقوال فورًا إلى حقيقة فإن النظام السياسي الإسرائيلي سيشهد تحولًا كبيرًا.. وحزب الليكود- اليميني بزعامة شارون سيتخلى عن أيديولوجيته، وتابع لكن هذا ما لا يريده شارون في الوقت الحاضر، إنه ليس مستعدًا لذلك ويشك بأن يصبح مستعدًا في الأشهر القليلة المقبلة فقط.
تباين فلسطيني
في السلطة الفلسطينية يشعرون أن الخطة وخطاب شارون تهدید موجه لهم بالدرجة الأولى، لذا رفض أحمد قريع رئيس الوزراء الفلسطيني بشدة خطاب شارون وما تضمنه من خطط أحادية الجانب، ووصف هذه الخطط بأنها مسائل غاية في الخطورة.
إلا أن المقاومة الفلسطينية ترى موقف شارون من زاوية مختلفة وأنه امتداد للإرهاب والإجرام والاحتلال الإسرائيلي، ولكنه في هذه المرة بثوب المتراجع البائس والعاجز، وأن أي انسحابات أو تفكيك لأي مستوطنة نتيجة مباشرة لفعل المقاومة والانتفاضة.
لذا فقد وصفت حركة حماس اقتراح شارون بأنه لا يساوي شيئًا.. وتعهدت بمواصلة نضالها المسلح، وقال الشيخ أحمد ياسين زعيم حماس إن شارون يطالب الفلسطينيين بأن يرفعوا الأعلام البيض ويستسلموا وهذا مرفوض تمامًا من جانب الشعب الفلسطيني، كما انتقدت حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في بيان لها بهذا الخصوص اقتراح شارون، وقالت إنه سيؤدي إلى مزيد من العنف.
 

الرابط المختصر :