العنوان قراءة في فقه الشهادة (٣ من ٣)- القتال الاقتحامي ضرورة شرعية
الكاتب مركز الدراسات الإسلامية
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1996
مشاهدات 91
نشر في العدد 1201
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 28-مايو-1996
تامبا - الولايات المتحدة
العمليات الاستشهادية تحطم معنويات قوات العدو وتلقي فيها الرعب من المجاهدين فتحيا النفوس المسلمة وتثير فيها العزة بقوة الإسلام
الدفاع عن أرض فلسطين فرض عين ولا يمكن أن يتم إلا ضمن سنن الصراع المعاصرة.
إذا ما تأملنا وضع الصراع على أرض فلسطين آخذين بعين الاعتبار أنه يتم الآن بعد مضي عشرات السنين من البطش بالثورات الإسلامية، وبعد زوال دولة الخلافة وتجزئة الأمة إلى عشرات الدويلات والكيانات، وجعل أغلبها حالة تبعية للاستعمار تنهج النهج الذي يريده أعداء الإسلام في تسيير أمور شرائعها وسياساتها واقتصادها وثقافتها وحياتها الاجتماعية، مما جعلها في حالة وهن وعجز بل مما جعلها تشل بعضها بعضًا، الأمر الذي سمح بإقامة دولة الوطن القومي اليهودي، وفق تعبير وعد بلفور على فلسطين، وسمح له أن يعلو علوًا كبيرًا، بل ويصبح أكثر نفيرًا، ويمتلك قوى عسكرية متفوقة تفوقًا هائلًا، ليس بالنسبة إلى شعب فلسطين المسلم المستضعف فحسب، وإنما أيضًا بالنسبة إلى الدول العربية والإسلامية الممزقة المتعادية المتغربة.
أي أن الواجب الإسلامي في الدفاع عن أرض الإسلام في فلسطين أرض المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، هذا الواجب الذي هو فرض عين كما أفتى بذلك علماء الأمة المعاصرون لا يمكن أن يتم إلا ضمن سنن للصراع تختلف في كثير من قسماتها عن السنن التي اعتاد المجاهدون الإسلاميون في السابق أن يقاتلوا ضمن ظروفها، وإذا كانت الحالة الأكثر شبهًا هي حالة الأمة في ظروف الهجمة الصليبية واحتلالها الأرض المباركة، إلا أن الوضع الحالي من حيث توازن القوى العسكرية مع العدو الصهيوني وحلفائه، ومن حيث وضع السيطرة الأجنبية على أجزاء الأمة ودولها، ومن حيث حال تلك الأجزاء والدول مع شعوبها، وفيما بينها، أشد سوءًا بالنسبة إلى المسلمين اليوم مما كان عليه وضع أجدادهم إبان الهجمة الصليبية المذكورة، وهذا ما فرض ويفرض على الجهاد في فلسطين خصائص معينة لا مفر من أن يتسم بها إذا أريد له البقاء والاستمرار والتعاظم بعد أن شق طريقه، وبدأ بإرساء أسسه وأقدامه، وإن من هذه الخصائص خاصية اتباع نمط القتال الاستشهادي في سبيل الله كنمط لابد من أن يركز عليه من بين أنماط القتال الميداني الأخرى التي تجري ممارستها.
أسلحة القتال المستخدمة في هذا العصر
لا شك في أن أسلحة القتال المستخدمة في هذا العصر، وعلى التحديد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، اختلفت اختلافًا نوعيًا عن أسلحة القتال التي استخدمت طوال التجربة السابقة، وأصبحت الهوة بين فعالية الأسلحة وحجمها وقوة نيرانها التي يمتلكها العدو ويمتلكها المجاهدون هوة كبيرة جدًا، أين منها الهوة بين أسلحة الصليبيين وأسلحة المجاهدين في القرنين السابع والثامن للهجرة الموافق للقرنين الثاني عشر والثالث عشر ميلادي، أما ما هو أكثر من ذلك فقد أصبحت وسائل العدو وإمكاناته في اكتشاف العمليات الجهادية وإحباطها أو سد الطريق عليها، أو إضعاف فعاليتها، وتأثيرها كبيرة جدًا أيضًا، ناهيك عن تلك الظروف العربية والإسلامية غير المواتية للعمل الجهادي في فلسطين إن لم تكن في كثير من الأحيان معادية عداء شديدًا له، ثم إذا أضيف إلى ذلك أن الجهاد المسلح في فلسطين أخذ يشق طريقه بعد حوالي عشرين عامًا من تجربة العدو في مواجهة الكفاح المسلح الذي شنته فصائل م ت .ف الأمر الذي يعني أن هذا الجهاد أخذ يشق طريقه بعد أن سدت طرق العبور إلى فلسطين سدًا محكمًا تقريبًا، وبعد أن نضب السلاح من الداخل نضوبًا كبيرًا، ويكفي أن يلحظ المرء ما تعانيه تلك الفصائل بالرغم مما تمتلكه من خبرات وإمكانات وطاقات ومن صعوبات هائلة في العبور إلى فلسطين أو في توفير السلاح للداخل أو في إنجاح عملياتها العسكرية حتى يدرك أن العمل الجهادي يبدأ ظروف غير مواتية من هذه الناحية البيضاء في ناحية العمل العسكري، الأمر الذي يتطلب من هذا الجهاد أن يتسم بسمات معينة حين استطاع أن يشق طريقه، وكانت بداية ناجحة فعلًا، ويتطلب منه تكثيفًا لتلك السمات وتحليًا بسمات إضافية إذا ما أريد له البقاء والاستمرار والتصعيد، وهذه أصعب من البداية ولاشك، ومن هنا لا مفر من أن يصبح نمط القتال الاقتحامي الاستشهادي خاصية مهمة للجهاد في فلسطين بسبب الحيثيات التي تقدم ذكرها.
طبيعة الأسلحة المستخدمة
بكلمات أخرى إن طبيعة الأسلحة المستخدمة في القتال في هذا العصر وما فرض قوانين على المعركة، ولاسيما فيما يتعلق بالاشتباك والكر والفر والثبات، فعلى سبيل المثال الاشتباك في المعركة بالسلاح الناري والقنابل والمتفجرات وغيرها
حين كان الاشتباك بالسيف والرمح والقوس والفرس، ومواجهة جيش معزز بالدبابات والطائرات والحوامات والملالات غيره حين كانت المواجهة مع جيش متفوق بالخيول أو الفيلة أو العربات والمنجنيق، مما يجعل تعاليم القرآن بالنسبة إلى القتال، وهي صحيحة في الحالتين تتطلب تجليًا من المجاهدين في حالتنا الراهنة يناسب هذه السمات الجديدة للأسلحة وقوانين القتال، أي قد يصل الأمر بأن تفهم التوصية الربانية المتعلقة بضرورة دب الرعب في قلوب العدو ، ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (الحشر ۲)، وضرورة أن نغلط عليهم ونثخنهم ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (التوبة: ۱۲۳)، وننصر الدين ونعلي كلمة الله، وهو ما يقضي في بعض الحالات بأن يلجأ المجاهد إلى نمط القتال الاقتحامي الاستشهادي بالمتفجرات، كأن يدخل بسيارته أو بحزام ناسف إلى قلب مواقع قوات العدو العسكرية ونقاط تجمعها بانقضاض سريع يقع فيه التفجير فورًا، فننزل أكبر الخسائر بقوات العدو وهي خسائر لا يمكن الحصول عليها دون هذه الشرط الاقتحامي الاستشهادي، أما استخدام أسلوب العبوة ومغادرة المكان فغالبًا ما يعرض العملية للفشل أو يؤدي إلى الحصول على نتائج أقل بكثير، لأن العدو وأفراد جمهوره أصبحوا شديدي اليقظة من كثرة تجاربهم السابقة مع هذه الحالات، مما جعل هذا الشكل القتالي في أغلب حالاته لا كلها معرضًا للاكتشاف قبل الأوان، أو معرضًا لأن تأتي نتائجه قليلة حين تكون مدة التوقيت قصيرة جدًا حين لا يتمكن العدو من إبطال التفجير، ولكنه يتمكن من إخلاء المكان، وبالرغم من ذلك يظل أسلوب التوقيت ممكنًا ومفضلًا في الحالات التي تكون فيها شروط نجاحه عالية، والخسائر المتوقعة عالية وإن كان من سيئاته فضلًا عن قلة حظوظه بالنجاح أنه قد لا يصيب المقصودين أو قد يصيب أطفالًا ونساء بينما العمل الاستشهادي الاقتحامي بالمتفجرات لا يخطئ هدفه، ولهذا يكون نمط العمل الاستشهادي الاقتحامي بالمتفجرات أسلوبًا في القتال في فلسطين فرضته ظروف القتال الحديث من جهة وفرضه تفوق العدو بالنيران والأسلحة والتفجير، وفرضه ما يمتلكه من وسائل التحوط والإجهاض المسبق للعمليات المضادة له، وفرضه شح الأسلحة والمتفجرات، ومن ثم ضرورة الاقتصاد بها مع تأمين أفضل النتائج، وفرضه من ناحية أخرى وهذا هو السبب الأكثر أهمية أن هذا النمط من العمليات يوجه ضد القوات المسلحة للعدو وأساطين الإجرام، ويصيب هدفه، ويلحق أكبر الخسائر بأقل ما يمكن من الخسائر البشرية من جانب المجاهدين، كما أنه يحمل طابعًا هامًا في تحطيم معنويات قوات العدو وجبهته، ويدب فيهما الرعب من المجاهدين وهذا من شروط الانتصار، وبالمناسبة يستطيع المرء أن يتصور ما كان سيفعل الكثير من المجاهدين المقاتلين من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لو أنهم قاتلوا ضمن ظروف الأسلحة التي يقاتل فيها المجاهدون الفلسطينيون اليوم.
فعلى سبيل المثال أما كان للبراء أن يحزم نفسه بحزام ناسف وينقض علي أقوى نقاط العدو ليمزقها تمزيقًا وهو ما فعله عمليًا حين اقتحم بنفسه جبهة الفيلة التي تدوس من يقترب منها كأن البشر نمل، لعلها نعمة من الله تعالى يسبغها على مجاهد واحد أو مجاهدين اثنين حين يتمكن أو يتمكنا من الانقضاض على موقع من مواقع العدو أو على حشد من قواته العسكرية في عملية استشهادية اقتحاميه بالمتفجرات تمزق ما حولها تمزيقًا وتلحق بها أكبر الخسائر فتنهار معنويات العدو وعزيمته أمام هذا المستوى من الروح الإسلامية الاستشهادية التي لا تقاوم، بينما تزداد هيبة المسلمين بعد طول ضعف ووهن وهوان ويزداد تدفق الدماء الجديدة طالبة الجهاد في سبيل الله، إنه لنعمة أن يتمكن مجاهد واحد أو مجاهدان اثنان أن يحققا كل ذلك بضربة واحدة وبهذا تعود العزة النفسية للأمة ويقترب يوم النصر، هذه العزة التي يراد لها أن تصبح إذلالًا فتأتي أعمال من هذا الطراز فتحيي نفوس المسلمين، وتثير فيهم العزة بقوة الإسلام لتصبح كلمة الله هي العليا، إن من يقتحم لا هروبًا من حياة، ولا قنوطًا، أمام صعوبات، ولا قتلًا لنفسه وإنما يفعلها جهادًا خالصًا في سبيل الله ويوجهه القتل قوات العدو يكون قد مارس الجهاد القتالي في أسمى حالاته في فلسطين ضمن الظروف الراهنة، ويكون قد باع نفسه لله ونال الشهادة من أجل نصرة الإسلام وهزيمة أعدائه في الدنيا وغايته الشخصية أن يدخل في الفردوس في مكان قريب من الأنبياء والصديقين.
أما النمط الآخر من القتال الاقتحامي الاستشهادي فيتمثل في الاشتباك من خلال القنابل اليدوية، والأسلحة الخفيفة السريعة، مع قوات عسكرية للعدو متفوقة بعددها، وقوة نيرانها. وقدرتها العالية على جلب التعزيزات والمدد والتطويق، فضلًا عن قدرتها على المطاردة بالطائرات المروحية والآليات وإغلاق مناطق واسعة تمنع من عودة المقاتلين إلى نقاط آمنة وهذا ما يفرض أن يتخذ شكل القتال ضمن هذه الظروف نمط القتال الاقتحامي الذي يكسب من عنصر المفاجأة الأول، والضرب السريع، ولكن ذلك يتطلب في بعض الأحيان تهيؤًا للثبات في المقاومة، واستمرارًا لروح الهجومية حتى الاستشهاد، وإن مثل هذه العمليات بهذه الروح الحاسمة تسمح للمجاهدين بأن يصعدوا عملهم المسلح ويحققوا نتائج باهرة ويجترحوا بطولات حقيقية تستعيد هيبة الإسلام والمسلمين وتستنفر الأمة لنهضة جهادية شجاعة، بينما تنزل بالعدو أشد الخسائر بالأرواح والمعنويات وتسقيه من بعض ما جرع الشعب الفلسطيني وعددًا من الشعوب العربية من ويلات وحسرات، ومن تقتيل وبطش وخسائر، إنها عمليات يجب أن ترد للأمة بعض ما أصابها من إذلال وإهانة إنها عمليات استرداد العزة للمؤمنين بعد طول غيبة وهي عمليات إذلال لذلك العلو والإفساد بعد طول صولة.
وهذا ما يجعل نمط القتال الاقتحامي الاستشهادي ضرورة مسوغة وواجبًا شرعيًا لا تتحقق كل تلك المعاني إلا به، على الأقل ضمن هذا الظرف الراهن، ومن ثم لا مفر من أن يعبئ نفر من المجاهدين أنفسهم بهذه الروح الجهادية في سبيل الله ومن أجل نصرة دينه على أرض فلسطين وخارجها، وإنقاذ الأرض المباركة التي تئن تحت العلو والإفساد مدركين أنهم يفدون الأمة بدمائهم، ويوفرون عليها الكثير من التضحيات، ويقلون من قدرة العدوان والبطش لدى العدو، هذه القدرة التي تشكل تحطيم جزء من قواتها العسكرية ومعنوياتها إنقاذًا العشرات ومئات الأطفال والنساء والشيوخ من بطشها وعدوانها ومخالبها الدامية وإفسادها في الأرض، إنها غايات تستحق أن يبيع بعض الأفراد المجاهدين أنفسهم لله من أجل تحقيقها، فيعود ذلك كسبًا للجهاد من أجل إعلاء كلمة الله وإنقاذ الأمة واستنهاضها، كما يعود على الشهداء بالفردوس حيث النعيم المقيم والحياة الخالدة، إنه كسب للحسنيين في آن واحد، وإنها التجارة الرابحة التي لا تبور.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الصف: ۱۱۰۱۰).