; قراءة في فكر سياسي أمريكي- باتريك بوكانان | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في فكر سياسي أمريكي- باتريك بوكانان

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2002

مشاهدات 88

نشر في العدد 1487

نشر في الصفحة 66

السبت 02-فبراير-2002

يقول بوكانان إنها ستتعرض لموجة من الهجرة من الدول المتخلفة والفقيرة.

 أما العامل الرئيس الذي يراه في انحدار الغرب عمومًا، وأفوله فهو تخلي الغرب عن

العقيدة المسيحية حيث يقول:

«عندما تموت العقائد يموت الناس كذلك، هناك مدنية ملحدة ترتفع الآن وتتقوى، ونتيجة لطغيان الثقافة الإلحادية ستقوم المحاكم بطرد المسيحية خارج حدود مدنيتنا».

والآن لنفكر مليًا في تنبؤات هذا السياسي.. هل يؤمن هذا السياسي فعلًا بأفول الغرب وبتصاعد دور الإسلام والمسلمين على مسرح الحياة وقيادتهم للعالم بعد خمسين سنة تقريبًا؟، أم يرمي من وراء ذلك إلى بث الرعب في نفوس الغرب ساسة وشعوبًا، والإيحاء إليهم أن الإسلام هو الخطر الداهم، وأنه يجب من الآن اتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة- مثل تحديد الهجرة ولا سيما هجرة المسلمين إلى الغرب– للحيلولة دون حدوث هذا الأمر؟

ترشح باتريك «يطلق عليه اختصارًا: بات» جي بوكانان لرئاسة الدولة عن الحزب الجمهوري الأمريكي مرتين، ولم ينجح في أي منهما، ثم اشترك في انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة عام ٢٠٠٠م كرئيس لحزب «التجديد»، ولم يوفق كذلك.

وسنتناول هنا باختصار ما أورده بوكانان في كتابه «موت الغرب» من توقعات حول مصير الغرب والحضارة الغربية، فهو يقول إن الولايات المتحدة ستكون من دول العالم الثالث بحلول عام ٢٠٥٠م، وأن العالم الإسلامي سيحتل آنذاك المكانة التي يحتلها الغرب الآن.

ويتنبأ هذا السياسي أن العرب والمسلمين والأفريقيين سيحتلون أوروبا في هذا التاريخ، وأنه لن تكون نسبة الموجودين من أصل أوروبي سوى 10% فقط من مجموع سكان العالم آنذاك، وأن ثلثهم سيكونون فوق سن ٦٠ سنة، وهو متشائم حول مصير اليابانيين أيضًا؛ لأنهم سيختفون من على وجه الأرض بشكل تدريجي كالغربيين.

وهو يتنبأ بنقص مخيف في عدد سكان أوروبا وروسيا، وندرج أدناه الانخفاض

السكاني الذي يتوقعه في ذلك التاريخ:

سينقص سكان أوروبا آنذاك بمقدار ١٣٥ مليونًا عن العدد الحالي:

نصيب ألمانيا من هذا النقصان ۲۳ مليونًا.

ونصيب روسيا ٣٠ مليونًا.

ونصيب إيطاليا ١٣ مليونًا

ويقول: بينما تتجه روسيا نحو الأفول ونحو نقص كبير في النفوس سيزداد عدد المسلمين فيها زيادة انفجارية كبيرة.

وهو يتنبأ أن أوروبا ستكون أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القيام بتخفيض كبير جدًا في مساعدات التأمين الصحي والتأمين ضد البطالة، وبتخفيض كبير في رواتب المتقاعدين، أو تقوم بجلب ملايين العرب والمسلمين؛ للحفاظ على استمرار مستوى الرفاه والرخاء فيها.

بالنسبة للكيان الصهيوني فهو يتوقع له الكارثة أيضًا بحلول عام ٢٠٥٠م حيث سيزداد عدد الفلسطينيين إلى ١٥ مليونًا؛ أي سيكونون ضعف عدد اليهود، وسيكون هذا الأمر مشكلة قاصمة للكيان الصهيوني. 

وهو يقول إن عدد المسلمين حاليًا قد تجاوز عدد الكاثوليك الذين كانوا الأكثر عددًا من بين جميع الأديان قبل ذلك. ويقول إن الأمم المسيحية في طريق الانحدار والزوال، وإن العالم المسيحي لن يستطيع العثور على أي حل لزيادة النفوس، أي لا يستطيع حل أهم معضلة تواجهه؛ وهي تناقص عدد أفراده.. ولن تستطيع الهرب من القدر المحتوم الذي ينتظره.

وهو يتنبأ بحدوث حرب بين الولايات المتحدة والمكسيك؛ لأنه يرى أن الولايات المتحدة ستواجه سيلًا من المهاجرين الفقراء من المكسيك، وهؤلاء سرعان ما تتحسن أحوالهم وظروفهم المعيشية ويصبحون أصحاب رؤوس أموال وشركات، وأن العديد من الزعماء المكسيك يخططون للاستيلاء على القسم الجنوبي الغربي من الولايات المتحدة من الناحيتين السكانية والثقافية، وأن تفاقم هذا الأمر سيدفع إلى إشعال نار الحرب بين المكسيك وبين الولايات المتحدة.

ولكن كيف تنقلب الولايات المتحدة إلى دولة من دول العالم الثالث بحلول عام ٢٠٥٠م؟

أهذا الكتاب نمط آخر من كتاب «صراع الحضارات»؟

أهو نوع جديد من حملة الكره الموجهة ضد المسلمين؟

وهل يقدر المسلمون- وهم بهذا المستوى من التخلف العلمي والتكنولوجي- على ردم هذه الهوة الواسعة بينهم وبين الغرب في العلم والصناعة والتكنولوجيا- والتي تتسع على الدوام ولا تتناقص- في أقل من خمسين سنة؟

وهل زيادة عدد النفوس هو العامل الأول والأخير في تقرير من سيحكم العالم غدًا؟

نحن لا نريد تثبيط عزائم المسلمين.... ولكن عليهم ألا يتصوروا أن أفول حضارة وقيام حضارة أخرى مرتبط فقط بعدد النفوس... فالأمر أعقد من هذا بكثير. 

ما لم يرجع المسلمون إلى دينهم وعقيدتهم الصافية، وما لم يتفوقوا في مجالات العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والقوة العسكرية المعتمدة على صناعتهم، لا على استيراد الأسلحة العسكرية الغربية- وأكثرها تعود لسنوات سابقة- فلن يستطيعوا تحقيق أمر ذي بال.

ولكن الخطر الذي يشير إليه مؤلف الكتاب حول تناقص النفوس في الغرب هو خطر حقيقي ومهم، وهو أبلغ دليل على مدى تشوه العلاقة الفطرية الموجودة بين الرجل والمرأة في الغرب، وكيف انقلبت هذه العلاقة إلى تجارة للجنس واستغلال للمرأة في ميادين الإعلانات كبضاعة من البضائع.

وكيف أدى هذا إلى تدهور نظام الأسرة وقلة الإقبال على الزواج والإعراض- بنسبة كبيرة- عن الإنجاب إشباعًا لروح الأنانية السائدة في الإنسان الغربي الذي لا يريد تحمل مسؤولية إنجاب الأطفال؛ لأنه يراهم قيدًا على حريته وعبئًا على اقتصاد البيت. 

ونحن نوافق المؤلف على أن الغرب لن يستطيع العثور على أي حل لهذه المشكلة؛ لأنه لن يستطيع إقامة العلاقة بين الرجل والمرأة على أسس صحيحة وفطرية كما فعل الإسلام.

ونريد هنا أن نجر أذان العلمانيين عندنا الذين لا يزالون على عادتهم القديمة- يدعون العالم الإسلامي للعيش على النمط الغربي- ونقول لهم: «ألا ترون مصير أساتذتكم الغربيين الذين تقلدونهم دون أي تفكير؟... ألا ترونهم يجأرون بالشكوى ويحاولون العثور على حل ينقذهم وينقذ المدنية الغربية من الزوال؟

إن بقاء مؤسسة الأسرة والزواج في العالم الإسلامي سليمة في الأغلب، وفي وضع جيد من أهم عوامل الصحة والقوة في العالم الإسلامي، ولهدم هذه المؤسسة وتشويهها وإضعافها عقد العديد من المؤتمرات الدولية التي دعت إلى حرية الشذوذ الجنسي، وحرية الإجهاض، وإلى تحديد النسل، وإلى الحرية السائبة الخالية من أي قيد للمرأة. وكلها دعوات تستهدف هدم النظام العائلي في العالم الإسلامي.. القلعة الحصينة الوحيدة التي بقيت سليمة.

ولعل ما جاء في هذا الكتاب عبرة للببغاوات من الكتاب العلمانيين الذين أيدوا بحرارة أهداف ومقررات تلك الندوات الدولية المشبوهة.

الرابط المختصر :