; قراءة في كتاب: ذكريات الشيخ علي الطنطاوي | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في كتاب: ذكريات الشيخ علي الطنطاوي

الكاتب عبدالرازق ديار بكرلي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1986

مشاهدات 59

نشر في العدد 778

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 05-أغسطس-1986

 مثلما تطل علينا أشعة الشمس شعاعًا شعاعًا فتسكب في جوانحنا ضياء ونورًا، ومثلما تتوالى قطرات المطر قطرة قطرة فتحيل ربوعنا ريًا وخصيًا، ومثلما تتابع حبات السبحة حبة حبة فتشيع في النفس بهجة وأنسًا، مثل ذلك كله تتابع ذكريات الشيخ علي الطنطاوي، شعاعًا شعاعًا، قطرة قطرة، حبة حبة.

    يعيش المرء ساعات ممتعة وهو يجيل الطرف في صفحات الجزء الثاني من هذه الذكريات التي سبق أن نشرتها الشرق الأوسط على صفحاتها في حلقات متسلسلة.

     وإذا كان لناقد أن يقف أمام هذا الكتاب فلن يكون بوسعه إلا أن يزجي عبارات الثناء والإطراء والتقريظ؛ لأن ما بين دفتيه لايستحق إلا مثل ذلك وأزيد.

     إن الشيخ علي الطنطاوي هو تلك الشخصية المعروفة المحببة التي سعد بها العالم الإسلامي آراء، والمملكة العربية السعودية إذاعة وتلفزيونًا من خلال برامجه العديدة، لقد أصبحت هذه الشخصية أليفة إلى كل نفس، قريبة من كل قلب، وإن أكبر ميزة امتاز بها الشيخ هي أنه يقدم لنا الإسلام في ثوب بسيط مفهوم قريب من النفس، يقدمه من مدخل نفس عجيب، يحاور الكبير والصغير، الرجل والمرأة، المثقف والعامي البسيط، يحاور كل أولئك بما يفهمون وبما يعقلون، فيأخذون عنه، ويسعدون به، ويتعلمون منه.

    أما كتابه هذا فقد صدرت طبعته الأولى عن دار المنارة في جدة عام 1405/1985، ويقع في (۳۱۹) صفحة، ويمتاز بطباعته الأنيقة وحرفه الجميل الذي يريح القارئ، وغلافه الصقيل تزينه صورة الشيخ الطنطاوي والمسجد الأموي في دمشق.

يبدأ الكتاب بالحلقة (٣٥) من هذه الذكريات؛ حيث يتحدث عن احترافه الصحافة عام ١٩٢٦م، وينتهي بالحلقة (٦٤)، التي يدور الحديث فيها عن أصعب أيام حياته عام ۱۹۳۱م.

    وبين هذه وتلك أحداث ووقائع تمر في عمر إنسان ما عاش أبدًا لنفسه، بل لدينه وأسرته ووطنه وأمته ليخدم أمة، وليربي جيلًا، ويعلم ويكتب، ويحاضر ويخطب، ويناضل باللسان والبيان.

   وإذا عشت معه في الحلقات (٣٥ - ٣٩) فتراه ذلك الصحفي الكاتب المبدع والمنشئ البارع الذي كتب في الرسالة يوم كانت تجمع على صفحاتها صفوة أقلام التابعين من الأدباء والمفكرين.

    وإذا قلبت طرفك بين كلمات الحلقات (٤٠) - (٤٥) استوقفتك تلك العبارة الواردة في ص (٥٥) حيث يقول: «فلقد أدرت اللجنة العليا لطلاب سوريا، أو ما يسمى اليوم الاتحاد العام لطلاب سوريا من ۱۹۲۹ إلى أواخر ۱۹۳۱، وبذلك تعرف جانبًا من دوره في مقاومة الفرنسي المحتل من خلال هذه اللجنة وخوضه المظاهرات وقيادته الجماهير والمناضلين، وإذا سبحت بخيالك مع كلمات الشيخ في حلقات كتابه (٤٦) - (٤٩) عرفت فيه الرجل الذي يقود أسرة، تربية وتوجيهًا، وشاهدت فيه الرؤوف الرحيم بأسرة دمشقية عريقة، ولا يملك أي قارئ عواطفه من الهياج، ومشاعره من الاهتزاز، ودموعه من الانهمار وهو يحدثك بأسلوب بليغ وعاطفة والهة عن موت أمه.

     أما إذا مضى القارئ مع الكتاب في الحلقة الخمسين فسوف يراه مدرسًا يعرف كيف ينقل المعلومات المتنوعة إلى أبنائه وطلابه في مدرسة صيفية يفتتحها هو بنفسه.

وفي الحلقة (٥١) كان له حديث عن الدعوة إلى العقال بدلًا من الطربوش.

     وفي الحلقات (٥٢) - (٥٥) تلتقي بذكرياته عن أساتذته وجامعته، وهنا يطيب له الحديث عن شبابه وهو ينتقل بين أقرانه كالنحلة، له بينهم دور بارز وشأن مرموق.

    وإذا تخرج الطالب فلا بد له من مزاولة عمل يكون لصيقًا بطبيعة دراسته، وكان للطنطاوي دور كأستاذ في «سلمية» قرب حمص وحماة، وهنا يحدثك عن أهل هذه البلدة واصفًا أحوالهم ومعايشتهم ومعتقداتهم، ويعود بعد ذلك إلى دمشق ليعمل فيها، وعندما يعود فكأنه طفل قد عاد إلى حضن أمه الرؤوم فهو عاشق دمشق، وكلمة «عاشق» قليلة في حقه، فهو يصورها ويتغزل بها ويناغيها، وبإمكان القارئ أن يلمس في وصفه لها روح الأديب، وريشة الرسام، ومشاعر الواله العاشق، وإذا عاد القارئ إلى الحلقات (٥٥ - ٥٩ - ٦٠) فسيراه يقول في الصفحة (٢٤٢): «وبردی؟ إنه سطر خطته يد الله على صفحة هذا الكون ليقرأ فيه أولو البصائر فلسفة الحياة والموت، وروعة الماضي والمستقبل، واختص به العرب فجمع فيه تاريخهم كله ببلاغة علوية معجزة».

    «وما (بردى) إلا سورة من قرآن الكون أجراه في الأرض الذي أنزل القرآن من السماء، وما إعجاز بردى في أنه يجري، فكل الأنهار تجري، ولكن في أنه ينطق، وإن في كل شبر فيه تاريخ حقبة من العصور، وقمة أمة من الأمم».

    لقد خرج الشيخ إلى الريف الدمشقي مدرسًا في مدرسة «سقبا»، وأن أي قارئ لا بد له أن يمسك جنبيه من شدة الضحك وهو يقرأ الصفحات الأخيرة من الكتاب، وهو يحدثك عن رحلته إلى قرية «حلبون» قرب دمشق وانقطاعه في حلكة الليل البهيم وهو يمشي تحطه الوهاد، وتصعد به النجاد وسط الثلج والبرد والطين.

     نستطيع أن نقول: «إن الطنطاوي هو بحق شاهد القرن العشرين الميلادي» إنه الشاهد الذي سجل ملاحظاته بدقائقها، وكأنها تمر أمام ناظريه لتوها، إنه يملك حافظة قوية حادة تعينه على الرجوع إلى تلك التفاصيل وكأنها بنت ساعتها.

     إنه يصور نفسه أدق تصوير في الصفحة (٦١) عندما يقول: وأنا فوق ذلك قد مارست (الصحافة) كتابة فيها واحترافًا، و(التعليم) في جميع مراحله من المدارس الأولية في القرى إلى أقسام الدراسات العليا في الجامعات، وعلمت شبابًا ومشايخ، وعلمت في دمشق وقراها، وفي العراق أدناه وأقصاه، وفي لبنان، وفي هذه المملكة حجازها ونجدها، واشتغلت بـ«القضاء» قاضيًا في أصغر محكمة، إلى أن غدوت مستشارًا في محكمة النقض في دمشق ومحكمة النقض في القاهرة، وكتبت القصة والمقالة، وألفت مسرحيات، وساعدت على إخراجها، وسرت في أرض الله شرقها وغربها، وأعددت نفسي لذلك بالدراسة النظامية إلى آخر مراحل الدراسة في بلدي، وفي القراءة على المشايخ كما يقرأ طلاب الأزهر والمطالعة الدائبة المستمرة في كل علم وكل فن».

    لم يعش الشيخ لنفسه ولأدبه في برجه العاجي كما يقولون، بل نزل إلى معترك الحياة مشاركًا في مختلف القضايا، مسخرًا كلماته في سبيل دينه، ولم ينس قضية فلسطين التي منحها الحظ الأوفر يقول: «كأني وكنت وكان غيري ممن يكتب عن هذه القضية نحس بالخطر الذي يتربص بفلسطين وأهلها، ما اطلعنا على الغيب، ولكن المقدمات أشعرتنا بالنتائج».

     وأخيرًا هل لشيخ مثل الطنطاوي أن يحدثنا عن الحب الرقيق، وعن صفات الرجل المحبوب الذي تعشقه الفتاة وتتمناه، يقول في الصفحة ۲۹۰ – ۲۹۱: «أحب ولكن لا تنس دينك ولا رجولتك في حبك، ابق رجلًا، انتصب قائمًا على قدميك وشد عضلاتك، وقل لمن تحب «بالحلال» تعالى، لا أن تجيئها خاملًا متهافنا ضعيفًا تجثو على قدميك، وتقول لها من خلال دموع الضعف: أنا أحبك، إن المرأة لو اختارت لما اختارت إلا الرجل القوي في جسده، وفي روحه، الذي يعمل على تحقيق أمله في مستقبله، أما الرجل الأصفر النحيل البائس اليائس الميت من قبل الممات فماذا تصنع به، هذا يحتاج إلى ممرضة لا إلى حبيبة.

وبعد:

    فإن هذا الكتاب ينقل لك قطعة من تاريخ الأمة من خلال حياة رجل ذكي، وثاب الفكر، خصيب الخيال، قارئ، متابع للدنيا والناس، مؤثر في مجريات الأحداث كان له فيها دور مشكور، وعمل مبارك، وأثر محمود.

الرابط المختصر :