; قراءة في مفاوضات التطبيع | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في مفاوضات التطبيع

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يناير-1983

مشاهدات 74

نشر في العدد 603

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 11-يناير-1983

•صورة «تاجر البندقية» تتمثل في المفاوض اليهودي

•جلسة مطولة في علم الألفاظ بين التطبيع والتخنيع

مرة أخرى تستأنف المفاوضات "الإسرائيلية" اللبنانية، تارة في خلدة اللبنانية المحتلة، وتارة أخرى في قرية الخالصة الفلسطينية المحتلة التي يسمونها «كريات شمونه» وستطول المفاوضات وتطول، وكلنا أمل ألا يتغير اسم خلدة وغيرها من المدن والقرى اللبنانية إلى أسماء عبرية كما حدث لكثير من مدن وقرى فلسطين، تجري المفاوضات بطيئة متثاقلة من جانب اليهود الصهاينة وسريعة متلهفة من جانب لبنان الرسمي «الكتائبي». اليهود يقولون: التطبيع أولًا! واللبنانيون يقولون: الانسحاب أولًا! ويقف كل عند موقفه، متمسكًا برأيه زاعمًا أن هناك خلافًا على الأولويات «التطبيع أم الانسحاب». والحقيقة أن التطبيع، بل ما هو أبعد من ذلك «التنسيق والتعاون» قائم بين اليهود الصهاينة وبين «الصليبيين الجدد» في لبنان منذ مدة طويلة ضد الإسلام والمسلمين، بل إن الذين طلبوا من اليهود أن يقوموا بحملتهم على لبنان وقدموا لهم الورود والقبلات هم أنفسهم الذين يطلبون منهم الآن أن ينسحبوا أما الذين لا «رأي لهم» في لبنان فهم المسلمون الذين قاتلوا وقتلوا! دفاعًا عن لبنان، هذه الحقائق لا يستطيع كائن من كان أن يطمسها وهو يراقب الأحداث التي تجري في لبنان. 

اليهود يريدون أن تكون العلاقات «طبيعية مع لبنان». وما الذي عكر صفو هذه العلاقات؟ يقول المفاوض اللبناني، إن بيننا وبينكم اتفاقية الهدنة المعقودة عام ١٩٤٩. فيرد المفاوض اليهودي الخبيث: إن هذه الاتفاقية قد انتهت. وما الذي أنهاها؟ أنهاها اتفاقية القاهرة التي عقدت عام ١٩٦٩ بين لبنان والمقاومة الفلسطينية، والتي سمحت بوجود قواعد للفدائيين في جنوب لبنان، فيرد المفاوض اللبناني: ولكن لا يوجد الآن للفدائيين قواعد في جنوب لبنان، فيكون جواب اليهودي الخبيث: نحن الذين أخرجناهم من الجنوب ومن بيروت، ألا نستحق بعد ذلك أن نكون أصدقاء أعزاء؟! 

بل أنتم كذلك.. هكذا يرد المفاوض اللبناني الضعيف فيصطاده المفاوض اليهودي الخبيث بالقول: إذن فلنوقع معًا اتفاق سلام، ولنفتح الحدود، ولنسير التجارة، ولنتعاون في مجال الأمن والثقافة ومصادر المياه، ولنقتلع جذور الفلسطينيين من المنطقة إلى الأبد، ومعهم مسلمو لبنان الذين يشكلون عبئًا علينا وعليكم. فيرد المفاوض اللبناني الضعيف والانسحاب، ألا تريدون أن تنسحبوا، فيجيب اليهودي الخبيث: إذا انسحبنا الآن فمن يضمن لنا عدم عودة «المخربين» إلى الجنوب وتهديد أمن مستوطنات الجليل؟ يجيب المفاوض اللبناني: نحن الذين نضمن لكم ذلك. فينتفض اليهودي متظاهرًا بالغضب ويقول: لا.. أنتم أعجز من أن تحققوا الأمن والاستقرار لكم فكيف تحققونه لغيركم؟

-إذن ما الحل؟

-الحل في توقيع اتفاق سلام، وتطبيع العلاقات، ووضع ترتيبات أمنية في الجنوب.. 

وهنا يتوقف الطرفان اليهودي واللبناني عن الحديث وينتظران من المندوب الأمريكي أن يحسم الأمر ولكنه يقول كلامًا مبهمًا لا يقدم ولا يؤخر، فيعود كل مندوب إلى حكومته يستشيرها وتطلب لبنان من واشنطن الضغط على تل أبيب، وتلوح تل أبيب بمصير كيندي الذي حاول أن يضغط فأسكتته الصهيونية إلى الأبد. ويقف ريغان الذي أخذ على عاتقه أن يكون حامي حمى «الصليب» حائرًا أمام «النجمة المتألقة في سماء الشرق الأوسط» التي يزعم اليهود أنها قطعة من أوروبا، ومبعث حيرة كبير «الصليبيين الجدد» إنه يوافق على أن تكون السيادة لليهود على المسلمين في منطقة «الشرق الأوسط» ولكن هل يوافق على أن تكون السيادة لليهود على المسيحيين أيضًا؟!

الضغوط العربية والتحالف مع "إسرائيل"

يقول أحد قادة الصليبيين الجدد من «حراس الأرز» في لبنان: «حان الوقت لكي يتوقف لبنان عن الخضوع للضغوط العربية» وهو يدعو علنًا للتحالف مع «إسرائيل»، وفي الوقت نفسه الذي تجرى فيه المفاوضات الرسمية تذكر مصادر يهودية أن هناك مفاوضات أخرى تجرى بين شارون وبين «زعيم المسيحيين اللبنانيين» ولما كانت هناك دول عربية قد وعدت بالمساعدة على إعمار لبنان ودعمه اقتصاديًا فقد أرسلت عدة وفود لبنانية إلى عدد من العواصم العربية لشرح موقف لبنان في المفاوضات مع "إسرائيل". 

وهكذا يمكن إجمال الموقف الرسمي اللبناني الذي هو في نفس الوقت الموقف النصراني في لبنان بما يلي:

  1. استعان بالردع وقيادته النصيرية ضد المسلمين اللبنانيين والفلسطينيين وبعد أن انتهت مهمتهم يريد إخراجهم.

  2. استعان بالجيش "الإسرائيلي" ضد المسلمين اللبنانيين والفلسطينيين وهو الآن يريد لهذا الجيش أن يخرج رغم أن هناك فئات مسيحية موغلة في الخيانة والحماقة تريد لليهود أن يبقوا وتريد أن تنشئ معهم حلفًا ضد «العرب»!

  3. استعان بالقوات متعددة الجنسيات التي جاءت إلى لبنان للمساعدة على إخراج المقاتلين الفلسطينيين وحماية مخيمات اللاجئين ولكنها خرجت بعد خروج المقاتلين وعادت بعد ذبح المخيمات لتكمل المهمة الموكولة إليها والتي لم تنته بعد. 

  4. لبنان الرسمي الموعود بالمساعدات العربية لا يريد في هذه المرحلة الانقطاع عن العالم العربي ذلك أن ما يجري فيه ليس معزولًا عن محيطه العربي وهو من خلال مندوبيه إلى البلاد العربية يريد أن يطمئن على جدية الدعم العربي له سياسيًا في الوقت الحاضر واقتصاديًا في المستقبل. 

  5. إنه يتشبث بأمريكا ذات الأعصاب الباردة لتكون أكثر فعالية في الضغط على اليهود، ولكن أمريكا ذات التحالف الاستراتيجي مع "إسرائيل" لها حساباتها المختلفة نوعًا.

والمفاوضون اللبنانيون الذين أمضوا الجولة الثالثة من المباحثات دون الوصول إلى اتفاق حتى على جدول أعمال هذه المفاوضات اكتشفوا أن التعامل مع اليهود ليس أمرًا سهلًا وأن صورة «تاجر البندقية» تمثلت واضحة في التعامل معهم، ولذلك خرج راديو الكتائب بوصف للجولة الثالثة في ليبانون بيتش بأنها «جلسة مطولة في علم الألفاظ» فقد أصرت لبنان على رفض كلمة «التطبيع» في وصف العلاقات مع "إسرائيل" واستنجدت بأمريكا فتظاهرت "إسرائيل" بالموافقة على استبعاد كلمة تطبيع لتحل محلها عبارة «جعل العلاقات طبيعية» ولا خلاف في المعنى أو المضمون بين تلك الكلمة وهذه العبارة، ولذلك رفضت لبنان هذه العبارة أيضًا واقترحت بدلًا منها عبارة «إطار عمل علاقات مستقبلية» وعندئذ رفضت "إسرائيل" هذه العبارة المبهمة ووضعت بدلًا منها عبارة «علاقات حسن جوار» وقد رفضت لبنان هذه العبارة الأخيرة وانفض الاجتماع دون الوصول إلى اتفاق على صيغة جدول الأعمال، وخرج البيان المشترك عن المباحثات يقول «سنتابع الجهود للوصول إلى اتفاق حول جدول أعمال المفاوضات في اجتماعنا المقبل»، وذلك يوم الخميس 6/ 1/ 1983 في كريات شمونه «الخالصة».

رجل الأمن اليهودي ورجل الأمن اللبناني

ومن غرائب ما لاحظه الصحفيون على هامش تلك الاجتماعات الفرق الشاسع بين رجال الأمن اللبنانيين ورجال الأمن "الإسرائيليين" الذين يحرسون الاجتماعات ففي الوقت الذي سقط فيه أحد رجال الأمن اللبنانيين مغشيًا عليه «من التعب أو القهر» كان أحد رجال الأمن "الإسرائيليين" دائب الحركة وبيده شنطة بها جهاز للتصنت والإرسال والاستقبال، رجل الأمن الأول علموه كيف يكون قاهرًا لشعبه مقهورًا أمام أعدائه، ورجل الأمن الثاني علموه كيف يكون لطيفًا مع شعبه شديد اليقظة والمراس مع أعدائه وشتان بين رجل ورجل !

المسلمون في لبنان وذكرى المولد النبوي

وما دمنا بصدد الحديث عن لبنان والمفاوضات مع اليهود فلا بد لنا هنا أن نقول لكل الذين أسقطوا الإسلام والمسلمين من حساباتهم في لبنان إن إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف التي أقامها المسلمون في بيروت الغربية وبعض مناطق لبنان رغم الظروف المريرة التي يعيشون فيها تكشف مدى أصالة هذه الأمة ومدى تمسكها بدينها وطبيعة الصراع الدائر الآن في لبنان والذي تحاول أجهزة الإعلام المشبوهة تصويره على غير حقيقته.. بيروت الإسلامية هبت عن بكرة أبيها تهتف «الله أكبر» وترفع صورًا مجسمة للكعبة الشريفة مكتوبًا عليها «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» وترفع اليافطات المكتوب عليها «أيها المسلم.. لا تحزن إن الله معنا» ويافطة أخرى كتبت عليها هذه الآية الكريمة: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (سورة الفتح: 29) 

وأنيرت المساجد، وسار ما يزيد عن خمسة عشر ألف طالب من مختلف الأعمار في مسيرة كبرى تهتف «الله أكبر» ووزعت الهدايا على المتفوقين في ترتيل وحفظ القرآن الكريم وأنشدت الموشحات الدينية واجتمع قادة المسلمين من كافة المذاهب في بيت مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد وتنادوا إلى وحدة المسلمين في وجه المخاطر التي تواجههم. 

وأما في صيدا في الجنوب اللبناني المحتل، فقد احتفل المسلمون هناك بذكرى المولد النبوي بطريقة أخرى فقد تسللت إحدى المجموعات المجاهدة من الأهالي واقتحمت أحد المراكز العسكرية "الإسرائيلية" في المدينة وأطلقت على الجنود اليهود قذيفة أر. بي. جي فقتلت البعض منهم وجرحت آخرين وبهذه العملية الجريئة تكون صيدا البطلة قد أعطت المناسبة حقها وكرمت الرسول الكريم المحتفى به خير تكريم وأعادت إلى مفهوم الجهاد في سبيل الله محتواه الإيماني وقيمته العملية. 

إن المسلمين في لبنان مستهدفون بالإبادة والتشريد سواء كانوا فلسطينيين أو لبنانيين وسواء كانوا متدينين أو غير متدينين فلقد ذبحوا على الهوية على يد الكتائبيين واليهود وهم يذبحون الآن استكمالًا للمخطط. ولعل هذه المصائب تعيد إلى المسلمين صوابهم وصحوتهم، وتنفث فيهم روح الحمية، وتقضي على عوامل الفرقة بينهم وتجعلهم كما قال صلى الله عليه وسلم «كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى» إن المسلمين المعذبين في لبنان ما زالوا يصرخون «أيها المسلمون.. اتحدوا» ورب العزة من فوق سبع سماوات يقول لكم ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (سورة التوبة: 29).

الرابط المختصر :