; قراءة في هموم عرفات | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في هموم عرفات

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1984

مشاهدات 119

نشر في العدد 658

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 14-فبراير-1984

على هامش لقاء عرفات برؤساء تحرير الصحف والمجلات الكويتية

•ماهي الفرصة الأخيرة التي يتحدث عنها مبارك ويوافق عليها جزئيًا عرفات.

في مطلع لقائه مع رؤساء تحرير الصحف والمجلات الكويتية قال عرفات يوم الثلاثاء الماضي 7/2/1984، «إنه سيتحدث بشيء من الصراحة، وليس بالصراحة كلها؛ لأن الصراحة أمر مفجع!!».

لقد وعد عرفات أثناء حصار بيروت بأنه سيكشف كثيرًا من الحقائق المذهلة عن تآمر وتواطؤ وخيانة بعض الأطراف العربية، وأن ما سيكشفه سيهز كثيرًا من الكراسي... وبعد خروجه لم يفعل من هذا شيئًا، وأثر الصمت على الكلام.

وأثناء حصار طرابلس وعد بمثل ما وعد به أثناء حصار بيروت، كما تحدث لبعض الذين نصروه وقاتلوا معه- واستشهد منهم من استشهد- بأنه بعد الخروج من الحصار سيكشف، وسيقوم بعمل يرضي الله، ولكن... ما زال الشعب الفلسطيني ومعه كل الشعوب المسلمة تنتظر من عرفات الجديد.

ومع أن عودة عرفات إلى مصر ومطالبته بإعادتها إلى «الحظيرة العربية» بعد أن نجح- مع غيره من الدول العربية والإسلامية- في إعادتها إلى المؤتمر الإسلامي، نقول: مع أن عرفات يطرح بعض المبررات في ذلك وهي:

- مساهمة مصر في إنقاذه من الإبادة في طرابلس.

- تغيير رئيس الجمهورية في مصر، وما يحمله ذلك من احتمال بعض التغيير في السياسة المصرية.

- محاولة إعادة التوازن في الساحة العربية لصالح منظمة التحرير، بعد أن كادت هذه المنظمة أن تنتهي في طرابلس نتيجة مؤامرة رهيبة متشعبة الأطراف.

إلا أننا نتساءل: هل تخلت مصر عن كامب ديفيد؟

هنالك تلميحات من حسني مبارك بأن اتفاقيات كامب ديفيد أصبحت في ذمة التاريخ. 

يقول مبارك في لقائه مع رؤساء تحرير الصحف الكويتية: «ربنا عرفوه بالعقل، اتفاقيات كامب ديفيد إيه؟»، ثم لا تلبث أن تخرج تصريحات من القاهرة تؤكد تمسك مصر باتفاقيات كامب ديفيد.

ويقول عرفات في لقائه مع رؤساء تحرير الصحف الكويتية: «لقد طلبت الحماية من مصر وأعطوني إياها... ومعنى ذلك أن القيادة المصرية المكبلة باتفاقيات كامب ديفيد وافقت على حماية قوات فلسطينية تشتبك في حرب مع "إسرائيل"، وأنا أعتبر ذلك اختراقًا لكامب ديفيد... وكان من الواجب عليَّ أن أذهب إلى هذا الرئيس، وأشكره على موقفه هذا»...

زيارة مصر... لماذا؟

والواقع أن الزيارة لم تكن فقط لمجرد تقديم الشكر، وإنما تعدت ذلك إلى اجتماعات مغلقة، وبحث في إستراتيجية المرحلة القادمة، وما نتج عن ذلك من عودة مصر إلى المؤتمر الإسلامي دون شروط كما تقول مصر، وبشرط الالتزام بمقررات المؤتمرات الإسلامية السابقة كما يقول وفد المؤتمر الإسلامي، وهذه المقررات لا يرى فيها المصريون شروطًا؛ لأنهم هم أنفسهم الذين أسهموا في صياغتها وصناعتها.

فماذا يعني هذا؟

إن كل الدلائل تشير إلى أن مصر لن تلغي اتفاقيات كامب ديفيد، بل إنها تعتبر نفسها على حق؛ لأن هذه الاتفاقية أعادت إليها الأرض، ولم تخسر شيئًا، فإذا قيل لهم: «والصلح مع إسرائيل؟» قالوا: إن الاعتراف "بإسرائيل" أمر واقع، ولم يكن توقيع الاتفاقية إلا إضفاء الصفة الرسمية عليه.

يقول عرفات أنه يوافق جزئيًا على رأي مبارك القائل بأن «عدم الوصول إلى اتفاق هذا العام- وهو عام الانتخابات الأمريكية- سيسهل خطة "إسرائيل" في التهام الضفة وغزة، وهي الخطة التي بدأت فعلًا بنقل المواطنين العرب إلى غور الأردن تمهيدًا لطردهم إلى الضفة الشرقية، ولذلك فإنها الفرصة الأخيرة...».

الفرصة الأخيرة لماذا؟ الفرصة الأخيرة للحل، وإلا ضاعت الضفة، وضاع القطاع إلى الأبد، ومعنى ذلك أن فلسطين بحدود عام ١٩٦٧ لا مطالبة بها؛ لأنها أصبحت في حكم الضائعة إلى الأبد، فإذا استطعنا الحصول على الضفة والقطاع فهو غاية المني!

ولقد ظهرت مؤخرًا تصريحات تشير إلى اعتزام الأردن التفاوض عن الضفة الغربية، بينما يفاوض عرفات عن قطاع غزة باعتبار أن الضفة رسميًا جزء من الأردن، وأما القطاع فلم يكن جزءًا من مصر، وإن كانت تحكمه إدارة مصرية، فإن صح هذا القول فكيف يمكن أن تقوم «الدولة الفلسطينية» التي تسعى إليها منظمة التحرير؟ وكيف يمكن لهذه «الدولة» أن تتحد كونفدراليًّا مع الأردن عبر فلسطين المحتلة؟

إن الإدارة الأردنية وهي تعيد ترتيب بيتها الأردني الفلسطيني تسعى حثيثًا إلى التسوية. 

ومن جهته فإن عرفات يسابق الزمن للحصول على شيء، وأمريكا التي لا يهمها إلا بسط سيطرتها على المنطقة تصنع هناك أولويات في سياستها «الشرق أوسطية» وأول هذه الأولويات بقاء حكومة "إسرائيل" سيدة الموقف في المنطقة، وبعد ذلك لا يهمها أن يتسابق إلى الصلح مع "إسرائيل" هذه الجهة العربية أو تلك، ما دام الصلح في محصلته النهائية يلجم أفواه الفلسطينيين عن المطالبة بوطنهم فلسطين، بعد أن يكون قد شل أيديهم عن الضغط على الزناد في اتجاه الكيان اليهودي الغاصب لفلسطين.

أمريكا والورقة الفلسطينية

ولذلك تلوح أمريكا بالورقة الفلسطينية فتخطفها من يد عرفات؛ لتسلمها إلى غيره، وعرفات يحاول جاهدًا لتبقى الورقة في يده، ولقد ظل يكرر إن الرقم الفلسطيني هو الرقم الصعب في معادلة التسوية، الذي لا يقبل القسمة ولا التطويع، فأثبت له الأمريكان ومعهم الروس هذه المرة أن هذا الرقم قابل للقسمة، وقابل للتطويع، وإلا خرج من المعادلة.

والسؤال هو: هل استطاع عرفات أن يمنع القسمة، وأن يمنع التطويع، وأن يمنع الخروج من معادلة الصلح مع "إسرائيل" الذين يسمى تسوية؟!

نحن نشهد لعرفات بالقدرة على المناورة، ونشهد أيضًا بأن المؤامرة على فلسطين متشعبة الأطراف ورهيبة، ولكننا نقول أيضًا إن الطريق إلى فلسطين، كل فلسطين العربية المسلمة، لا يمر عبر هذه الدهاليز والمتاهات المغروزة بالألغام المنتهية بالسدود.

إن طريق فلسطين طريق واحدة لا غير، طريق صلاح الدين، طريق قطر، طريق الجهاد..

ورغم أن بعض الأنظمة العربية تآمر على فلسطين تآمرًا واضحًا، وذبح شعب فلسطين ذبحًا جماعيًا، إلا أن عرفات لا ينفك يردد استعداده لإعادة العلاقات مع هذا البعض لصالح «القضية الفلسطينية»، وقال: «إن خلاف المنظمة الأساسي مع سوريا يتركز حول استقلالية القرار الفلسطيني، ولماذا الإصرار على أستقلالية القرار الفلسطيني؟ أليس لأنه يتعارض مع القرار السوري؟

ومن حقنا أن نسأل: أي القرارين لصالح القضية الفلسطينية؟ وكيف نطلب التوفيق بين قرارين متعارضين أحدهما لصالح القضية والآخر ضدها؟! لا شك أن ما يجري على الساحة أمر محير وغريب!

ولا يقتصر الأمر على البلاد العربية، فأمريكا تقف مع "إسرائيل" قلبًا وقالبًا، وتتآمر على قضية فلسطين وشعب فلسطين جهارًا نهارًا، ومع ذلك نحن نخطب ودها، ونسعى إليها، ونرجو منها أن تكلمنا، وأن تستمع إلينا، وأن «تضغط» على "إسرائيل" «لتعترف» بنا.

والاتحاد السوفييتي وأذنابه ذبحونا، وعاثوا في المنظمة فسادًا، وفي المخيمات تقتيلًا، ومع ذلك قال عرفات: إنه ينبغي علينا ألا ننسى أن هذه المنطقة هي منطقة نفوذ أمريكي بناء على اتفاقية يالطا... ولذلك فإن حركة صديقنا الاتحاد السوفييتي تكون دائمًا حذرة ضمن الدائرة التي هي ليست دائرته، ويجب ألا نحمل أصدقاءنا أكثر مما يحملون، كما أن موسكو تقف معنا في كل المحافل الدولية... ولا تستعمل حق الفيتو إلا لصالحنا، وعلينا ألا نخطئ بالمساواة بين الصديق والعدو. 

هناك اتفاق إذًا بين أمريكا وروسيا على أن تكون هذه المنطقة من نصيب أمريكا، ومعنى ذلك أن روسيا حصلت مقابل ذلك- وبموافقة أمريكا- على منطقة أخرى- مثل أفغانستان في آسيا، وبولندا في أوروبا- فصداقة الاتحاد السوفييتي والحالة هذه لا تفيدنا، كما أن عدوتنا أمريكا صديقة "لإسرائيل" فهل يمكن أن نحصل من «النمس على دبس»؟

بعد هذا الاستعراض.. هل يمكن لأحد أن يدعي أن عرفات طرح في مؤتمره أيديولوجية محددة تنطلق بالعمل الفلسطيني نحو اتجاه ما!؟ الحقيقة.. إن عرفات لا يملك أيديولوجية لسببين:

١- اختلاف التوجهات العربية وتنازع تلك التوجهات الموقف من الفلسطينيين.

٢- الموقف الفلسطيني من عرفات نفسه.

وإذا كان عرفات سيظل أسيرًا للتوجهات الرسيمة العربية، فإنه سيبقى قائدًا بلا أيديولوجية، أما الإشكال الفلسطيني وموقف بعض الجهات منه فإنها وأن كانت تؤثر على تكوين أي هاجس أيديولوجي أو سياسي في ذهن عرفات.. فإن هذا الإشكال لا بد وأن يتلاشى عندما تتميز الصفوف... بطرح أيديولوجية يمكن أن تكون جهادية الشكل إسلامية المضمون... تنظر باهتمام إلى العمليات الفدائية الاستشهادية التي تهز أركان العدو في الداخل...

هذا هو المطلوب يا عرفات... وإذا كان ما طرح في المؤتمر الصحفي لا يتعدى بعض الهموم.... فإننا نتطلع إلى طرح كان وعد به عرفات عندما ودع الإسلاميين في طرابلس بعد أن أخرجه منها العرب المزايدون!!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 99

100

الثلاثاء 09-مايو-1972

محليات (99)

نشر في العدد 104

145

الثلاثاء 13-يونيو-1972

محليات (104)

نشر في العدد 294

73

الثلاثاء 06-أبريل-1976

بريد المجتمع (294)