العنوان قراءة متأنية في العمل الإسلامي الفردي
الكاتب عبد الرزاق شمس الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1983
مشاهدات 62
نشر في العدد 636
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 06-سبتمبر-1983
تمر على الحركة الإسلامية أزمات قد تكون حادة وقوية فتضعف العمل الإسلامي وتؤجل اقتطاف ثمار الدعوة اليانعة التي غرس بذورها الإخوة الدعاة المربون الأوائل.. وعملوا الجهد الطويل والفكر المتواصل فتأتي هذه الأزمات فتعصف بما شيدوه وبنوه طوال تلك السنين وتجعله ركامًا وحطامًا في ساعات أو لحظات معدودات..
هذا إن لم تكن هذه الأزمات ساحقة وماحقة للحركة الإسلامية ككل، وللجماعات الإسلامية عامة على اختلاف تنظيماتهم و مدارسهم واتجاهاتهم..
وكل هذه الأزمات والضربات والتي يتربص بها أعداء الحركة الإسلامية ويحاولون أن تكون نقطة يستطيعون أن يصلوا بها إلى الدعاة وبالتالي الاستعداد لضربتهم القاضية المميتة والتي تكون حاجزًا وتأخيرًا للعمل الإسلامي وتكون مانعًا للفكر الإسلامي من الانطلاق..
ومن هذه الأزمات التي مر بها العمل الإسلامي، وكان بعضها هدفًا ولقمة سائغة لأعداء الحركة الإسلامية لإشعال فتيل نار الفتنة وكانت فرصة سانحة طالما كانوا ينتظرونها كانت تلك الاجتهادات أو تلك الأعمال الفردية التي قام بها بعض أفراد الحركة الإسلامية في العصر الحديث.. وقد تكون هذه الأعمال الفردية قاصمة الظهر للحركة الإسلامية في وقت تكون فيه قد استكملت قواعدها، ووقفت على القواعد الصلبة التي تجعلها تخطط للقيام بالمرحلة الحاسمة القادمة..
وهذه الأعمال تكاد تكون تحركات فردية أو شبه فردية في بعض الأحيان لأن الذي قام بها مجموعات صغيرة لا تتجاوز أعداد المنفذين لتلك الأعمال أصابع اليد الواحدة...
وقد تكون تلك المجموعات لم تستكمل بناء جميع جوانبها من حيث الإعداد والانتشار والمواجهة المرتقبة والمفاجأة المحسوبة وإعداد القوة الكافية..
نقول إن الاجتهادات الفردية قد لا تؤثر فقط على الحركة الإسلامية من خليجها إلى محيطها بل من محيطها إلى محيطها.. لأن أعداء الإسلام وأعداء الحركة الإسلامية لم تنم أعينهم ولم تغفل عقولهم عن رصد كل حركة وكل سكنة بل وكل همسة يقوم بها أصحاب الحركة العاملين..
واذا أردنا أن نقلب صفحات التاريخ نجد أن النتيجة والأسلوب أيضًا واحدًا.. فلا بد من التنظيم الدقيق والفهم العميق.. وهنا نقف على بعض الحوادث الفردية التي وقعت لجيل الرعيل الأول من الصحابة الأخيار ولنقتفي آثارها ونضع أيدينا على مواطن الجراحات في حوادثنا العصرية الحديثة... ولكي نبحث عن موطن الداء لتضع له الدواء... ومن حوادث السيرة العطرة نذكر هذه الحوادث التالية:-
أولًا: من السيرة العطرة:-
1) أُحد والدرس البليغ:
قال تعالى:- ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ (آل عمران: 152).
انظر.. كم كان وبال هذه الخطيئة جسيمًا، وكم كانت نتيجتها عامة!..
لقد عادت خطيئة أفراد قليلين في جيش المسلمين، بالوبال عليهم جميعًا، بحيث لم ينج حتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، من نتائجها، وتلك هي سُنة الله في الكون، لم يمنعها من الاستمرار أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موجود في ذلك الجيش، وإنه أحب الخلق إلى ربه جل جلاله.
فتأمل أنت في نسبة خطيئة أولئك الأفراد، إلى أخطاء المسلمين المختلفة المتنوعة اليوم، والمتعلقة بشتى نواحي حياتنا العامة والخاصة، تأمل هذا لتتصور مدى لطف الله بالمسلمين إذ لا يهلكهم بما تكسب أيديهم، وبتقاعسهم حتى عن أداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتماع في كلمة واحدة على ذلك.
وإذا تأملت في هذا، علمت الجواب على سؤال بعضهم اليوم، عن الحكمة من أن الشعوب الإسلامية تظل مغلوبة على أمرها، أمام الدول الباغية الأخرى، رغم أن هؤلاء كفرة وأولئك مسلمون. (1)
● وفي هذه الغزوة عِبر وعظات كثيرة للدعاة العاملين في الحركة الإسلامية كي يستفيدوا منها.. وفيها من العظات التي ترسم لهم معالم الطريق الواضحة السالكة. وقد أوذي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا وشج رأسه الكريم وكسرت رباعيته وساح الدم الطاهر غزيرًا في وجهه الشريف وكل ذلك جزء من مظاهر تلك الخطيئة وهي مخالفة أوامره من قبل الرماة على الجبل.
2) معركة اليمامة:-
«أما عكرمة فلعل شجاعته الفائقة تجعله يتسرع فيقع في الخطأ، وهذا هو الذي حدث له في اليمامة حينما واقع جيش مسيلمة الكذاب، فانهزم، وذلك نتيجة غلطة تعبوية ارتكبها هذا القائد المسلم الباسل، وتفصيل ذلك، أن الخليفة «وهو أعلى قائد وأمهر عسكري خبير بمستوى القبائل القتالي» يدرك تمام الإدراك مدى قدرة وكثافة جيوش مسيلمة الكذاب، ومدى صبر بني حنيفة ومقدرتهم الفائقة على خوض المعارك، ورسم الخطط وسرعة تنفيذها بدهاء حربي ومكر عسكري تجليًا بوضوح في كل المعارك التي خاضوها ضد جيوش الخلافة، سواء التي قادها عكرمة أو التي قادها خالد بن الوليد آخر الأمر، ودمر فيها وجود بني حنيفة العسكري بعد خسائر باهظة كادت تستأصل جميع حفظة القرآن من الصحابة.
وانطلاقًا من فهم الخليفة لهذه الحقيقة، وهي أن بني حنيفه ليس من السهل التغلب عليهم أمر قائده عكرمة، بأن إذا وصل مشارف اليمامة أن يتوقف ويتجنب الالتحام مع بني حنيفة، حتى يلتحق به قائد الجيش الثاني وهو شرحبيل بن حسنة، ليكون مددًا له. فيوحد الجيشان في جيش واحد، يتولى مجتمعًا الهجوم على بني حنيفة، ولكن عكرمة ارتكب غلطة تعبوية كبيرة، كان من نتيجتها أن هزمه بنو حنيفة هزيمة تامة، فقد تعجل عكرمة الصدام معهم، فهاجمهم قبل أن يلتحق به الجيش الثاني بقيادة شرحبيل بن حسنة... فما هو إلا يوم أو بعض حتى وجد عكرمة جيشه يتقهقر إلى الوراء في هزيمة منكرة، حدث ذلك والجيش الثاني في منتصف الطريق إلى اليمامة.. وقد استاء الخليفة الأول لهذا التصرف الذي تصرفه عكرمة مخالفًا أمره.. وهادفًا «بشجاعته إلى أن يكون له الانفراد بفضل هزيمة بني حنيفة الذين هزموه، ونتيجة استياء الخليفة وبصفته القائد الأعلى للجيوش، فقد عزل عكرمة عن منصب قائد الجيش الأول، وخفض رتبته من قائد إلى مساعد قائد، تأديبًا له على خروجه على قوانين الانضباط العسكري، باشتباكه مع مرتدة بني حنيفة قبل أن يصل إليه الجيش الثاني، كما هي الخطة التي رسمها له الخليفة الأول والقائد الأعلى.. فصدع عكرمة بالأمر، وتقبل بصدر القائد المسلم الطائع الانضباطي نتائج تصرفه الخاطئ، فرضي بالعزل، ورضي أن يكون مساعد قائد، بعد أن كان قائدًا..» (2)
3) معركة الجسر:-
«أرسل بهمن جادويه أحد رجاله مرد شاه الخصي رسولًا إلى أبي عبيد فقال له «إما أن تعبروا إلينا وندعوكم والعبور، وإما أن تدعونا نعبر إليكم». فقال المسلمون: «لا تعبر يا أبا عبيد»، وننهاك عن العبور»، «قل لهم فليعبروا». وكان من أشد الناس عليه في ذلك سليط بن قيس. ولكن أبا عبيد ترك الرأي وأصر على العبور ولج في ذلك وقال: «لا يكونوا أجرأ على الموت منا، بل نعبر إليهم».
ونسى أبو عبيد وصية عمر إذ بعثه. نسي تحذيره له من أرض المكر والخديعة، ونسي قوله «واخزن لسانك ولا تفشين سرك، فإن صاحب السر ما ضبطه متحصن لا يؤتي من وجه يكرهه، وإن ضيعه كان بمضيعة».
والتحم الفريقان، وقد جاءت أفيال الفرس عليها النخل تجوس المسلمين، وأقبلت خيلهم عليها التجافيف «الدروع» والفرسان عليهم شعارات الحرب، فلما نظرت خيول المسلمين إلى ذلك رأت شيئًا لم تكن ترى مثله واستنكرته، فأجفلت منه وانزعجت وهربت مسرعة، فكان المسلمون إذا حملوا على الفرس لم تقدم خيلهم، وإذا حمل الفرس على المسلمين بالفيلة، وقد علقوا بها أجراس و جلاجل ذات رنين وجلبة، فرت خيول المسلمين وفرقت بين وحداتهم.
في حين لم يكن المسلمون يصلون إلى الفرس. إذ ذاك فقدت فرسان المسلمين فاعليتها في المعركة. فقرر أبو عبيد التخلي عن الخيل ونزل عن جواده وترجل جميع المسلمين ثم مشوا إلى الفرس في شجاعة نادرة ومع الفرس أفيالهم
وفرسانهم ومشاتهم فصافحوهم بالسيوف.
معركة غير متكافئة كانت الفيلة لا تحمل على جماعة إلا دفعتهم وألقت بهم.. ولم يفقد أبو عبيد والمسلمون شجاعتهم وبسالتهم ورباطة جأشهم.
وأهوى الفيل بخرطومه لأبي عبيد فنفحه بالسيف، ولكن الفيل اتقاه بيده وأبو عبيد يحاول أن يضربه، فأصابه الفيل بيده فأوقعه على الأرض وخبطه بخرطومه ثم قام عليه وداسه بأقدامه.
ورأى الناس أبا عبيد قتيلًا تحت أقدام الفيل في مشهد بشع فهبطت أنفس بعضهم، وبدأ لواء المسلمين ينتقل من يد إلى يد من الذين أمرهم أبو عبيد من بعده.
قتل يومئذ من الفرس ستة آلاف في المراحل الأولى من المعركة، وقتل من المسلمين أربعة آلاف ما بين قتيل وغريق منهم ثلاثمائة من ثقيف وحدها كان منهم ثمانون رجلًا مسنون قد خضبوا الشيب.
ثانيًا: في العصر الحديث:
مجموعة الإسلامبولي عاقبت السادات دون أزلامه
حادثة هامة وهي هلاك ومصرع فرعون مصر «أنور السادات» على يد «الشهيد» خالد الإسلامبولي -رحمه الله وإخوانه رحمة واسعة- وما تبع هذا الحادث من ضرب مستمر للحركة الإسلامية خاصة في مصر وقد قتل تحت وطأة التعذيب الأخ المجاهد الصابر «كمال السنانيري» -رحمه الله- وما لاقاه الإخوان حتى يومنا هذا من فتح تلك الحكومات سجونها ومعتقلاتها للدعاة وزيادة خبثها ومكرها تجاه أفراد الحركة.. ولم يختلف اثنان على أن مقتل السادات كان نصرًا وفرحة عارمة عمت أرجاء الوطن العربي والإسلامي لما فعله هذا الطاغية بشعبه وبالمسلمين من مذلة وهوان.. ولكن!!
قد تكون هناك أخطاء -وقد نكون نحن مخطئين في نظرنا وتصورنا تجاهها- أصابت وعادت على الحركة أيضًا بالسلبيات وهناك بعض الإيجابيات.. فنجد أن مجموعة الإسلامبولي وإخوته يرحمهم الله - حاسبت و عاقبت السادات فقط دون أزلامه من المنافقين.. حيث إنها لم تضرب على كل تلك الرؤوس العفنة النتنة في السلطة الذين كانوا يصفقون للممثل والمهرج «السادات» وكأن هذه الرؤوس لا دخل لها بما تردت إليه الحال ووصلت إليه في مصر على يد طاغوتها وفرعونها «السادات»..
● كذلك فإنه كان لزومًا على المجموعة التي أغتالت السادات أن تضع في حساباتها وتوقعاتها بمن يأتي من بعد فرعون «السادات» قد يكون هامان أو قارون وقد كان هامان «مبارك».. فلا بد أن يهوى عرش الطاغوت ويحل محله الحكم الإسلامي والمنهج الإلهي، لكي يكون حلًا للمشكلة التي تواجه الدعاة ويئن من وطأتها المسلمون وأن لا يكون عملها وهدفها فقط من أجل القضاء على رأس من رؤوس الطاغوت، فهذا حل مؤقت أو حل شكلي وليس بالحل الجذري.. فإزالة الهيمنة الطاغوتية يجب أن تحل محلها الهيمنة الإسلامية والحاكمية الرحمانية، وهذه نقطة يجب على الدعاة الذين يريدون أن يغيروا أن يعوها جيدًا.. وإلا فقد رأينا خلفه اللاحق «هامان» قد سار على درب سلفه السابق دونما أن يغير من مجريات سياسته وعدائه تجاه الإسلام والمسلمين وتجاه أفراد الحركة الإسلامية. بل كانت البداية المظلمة السوداء استشهاد البطل كمال السنانيري -رحمه الله- ثم لحق به ركب المجاهدين الخمسة الذين أسقطوا الطاغوت «السادات» وعلقهم على أعواد المشانق ولاحق الشباب المسلم في مصر وزج بهم في السجون والمعتقلات.. ولاتزال الحركة الإسلامية في مصر حتى يومنا هذا رهينة الضرب والسحق والاعتقال وقد تبين ذلك من خلال التحقيقات مع المتهمين والمسجونين في سجون «اللاحق» حسني مبارك.. وكلامنا هذا ليس من باب التخويف والتحذير من بطشة الظالمين وجبروتهم.. كلا!! ولكن!! من أجل أن تكون الحركة الإسلامية واعية لكل حركة وسكنة وكل عمل فردي أو شبه فردي تقوم به وما سيترتب عليه في المستقبل على المسلمين وعوامهم وعلى أصحاب الحركة الإسلامية خاصة..
● وإذا قلنا من قبل إن هناك إيجابيات في مصرع وهلاك الطاغوت «السادات» فإننا سنذكر أهم هذه الإيجابيات وهي أنها كانت رادعة لكل الأنظمة الجائرة ولكل الحكام الظالمين، وكأنها نقطة ضوء أو جرس إنذار لهم لكي يعيدوا الحسابات الدقيقة مع شعوبهم المغلوبة على أمرها.
كذلك مع بعض الإيجابيات التي ظهرت أن الحاكم اللاحق أخذ مبدأ الكتمان -شيئًا ما- في مواجهة التحدي مع الحركة الإسلامية، حيث لم تعد هناك التصريحات السافرة الصريحة والتي كان يدلي بها سلفه السابق الهالك.
وفي هذا أيضًا اعتراف بتقدم قوة الإسلاميين حتى في أعين حكوماتهم الحائرة من أمرهم.. وقد تكون هناك إيجابيات قد تظهر في هذا الجيل أو الأجيال القادمة ولكن!! الله سبحانه وتعالى وحده يعلم الخير والشر الذي عاد ويعود على المسلمين من تلك الحادثة.
● وهنا لنا وقفة قصيرة وهي ليست وقفة نقد وعتاب وتوجيه اللوم كلا.
بل نقول: لإخواننا المخلصين هؤلاء كان الأولى والأجدى.. ووضع المقياس الحقيقي والنتيجة المترقبة في حالة الفشل... لأن العمل الإسلامي يختلف عن عمل الأحزاب الأخرى التي يكون همها الأول والأخير الوصول إلى السلطة والقيادة ثم تحكم تلك الأحزاب شعوبها بالحديد والنار.. أما الإسلاميون وأصحاب الحركة الإسلامية فيجب أن يكون عملهم وتخطيطهم لإنشاء المجتمع الرباني والمجتمع الإسلامي.. وهذا المجتمع هو ذلك الجمع الكبير من جميع أصناف البشر الذين سوف يستقبلهم المجتمع المسلم.. إذن لابد أن تكون النفوس قد تربت ونشأت على هذه التربية الصالحة.. وإلا فقد يكون الوصول إلى السُلطة أسهل من تربية وتوجيه هذا الحشد الهائل من البشر..
فتكوين القواعد الصلبة المسلمة أصبح من أساسيات وأركان العمل الإسلامي في الجماعة.. حتى تسير الجماعة في خط سيرها بقوة ودون توقف أو انكسار أثناء سيرها في طريقها..
المطلوب نظرة جدية للاجتهادات الفردية
● هنا نقف ونقول:
● إذا أرادت الحركة الإسلامية لنفسها البقاء ومصارعة ومقارعة الباطل وأرادت لنفسها السيادة على البشرية، ورفع الظلم عن الناس وإرجاع الخلافة المفقودة.. فلا بد لها أن تنظر إلى هذه الأعمال والاجتهادات الفردية نظرة جدية تحليلية واقعية وما هو ممكن أن تخرج به من عِبر ودروس ماضية، والعمل قدر المستطاع على قطع دابر هذه الأعمال الفردية، وغرس أصول الجماعة بين الأفراد، والاحتكاك بالجماعات الإسلامية الأخرى لمعرفة جوانب الصواب والخطأ فيها.. ولمعرفة ما هو متفق عليه بين الجماعات بعضها ببعض.. ويجب أن لا ننسى كما قلنا في البداية أن هذه الأعمال والاجتهادات الفردية قد تكون بمثابة تأخير للعمل الإسلامي إلى سنوات طوال وتغيير ليس على مجرى الحركة الإسلامية فقط بل على مجرى التاريخ ومجرى الأمة العربية والإسلامية والعالم أجمع..
حسن البنا يقول للمتحمسين
● ولعلنا نستدرك مدى الفقه العميق الذي كان يراه الإمام حسن البنا -رحمه الله- في مثل تلك الأمور الهامة فكان يرّسم الطريقة الواضحة المستقيمة للدعاة والمربين حيث يقول: «إيها الإخوان المسلمون وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم: اسمعوها مني كلمة عالية، داوية إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده.
ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقًا طويلة ولكن ليس هناك غيرها.. إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب.. فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقتطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات ومن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين.
إما النصر والسيادة وإما الشهادة والسعادة» (4).
● وفي موضوع آخر يقول «ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول. وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن!!
غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد» (٥)
كما قلت في البداية إننا لا نتهم النيات ولا نتهم في مقالنا هذا أحدًا من تلك الحوادث والأعمال وإنما نكل النيات لله عز وجل فهو أعلم بما تخفيه الضمائر والسرائر.. ونحن نحسب أولئك مخلصين في أعمالهم ولكن!! رب باغٍ للخير ولكن ضل طريقه.. وكما قال الفاروق الإمام العادل عمر رضى الله عنه:
«لست بالخب ولا الخب يخدعني». وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
هوامش
(1) فقه السيرة - محمد سعيد البوطي ص ٢٦١ - ٢٦٣
(2) حروب الردة - محمد أحمد باشميل ص 398 – 412
(4) ، (5) رسالة المؤتمر الخامس / الإمام البناء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل