العنوان في الساحة العربية: 1577
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 15-نوفمبر-2003
مشاهدات 71
نشر في العدد 1577
نشر في الصفحة 46
السبت 15-نوفمبر-2003
قراءتان في تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام ٢٠٠٣
واقع مأزوم ومستقبل محفوف بالأخطار
عمان: عبد الكريم الحمودي
كشف تقرير التنمية الإنسانية العربية الذي احتفل بإصداره في العاصمة الأردنية عمان في العشرين من أكتوبر الماضي برعاية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن عمق الأزمة التي يعاني منها الوطن العربي في مجال المعرفة، خاصة أن التقرير حصر مواطن التحديات التي يواجهها العالم العربي في مجال التنمية الإنسانية بثلاث مجالات :المعرفة والحرية وتمكين النساء.
التقرير الذي جاء في ۲۰۰ صفحة هو الإصدار الثاني في سلسلة خطط لها تتشكل من أربعة تقارير تعدها مجموعة من المفكرين والأكاديميين، وبمشاركة وإشراف الدكتورة ريما خلف الهنيدي الأمين العام المساعد للأمم المتحدة والمدير الإقليمي لمكتب الدول العربية.
وفي الوقت الذي لم يطرح التقرير حلولًا واضحة للمشكلات والأزمات التنموية فقد عرض بإسهاب الرداءة حال المعرفة في الوطن العربي التي هي أساس بلوغ الغايات الإنسانية في مجالات: التعليم والإعلام والثقافة، علها تساهم في حفز رؤية استراتيجية تبلورها النخب العربية وتتوخى إعادة تشكيل المنطقة من الداخل خدمة لأغراض التنمية الإنسانية فيها، وإقامة مجتمع المعرفة والتقدم.
مفاتيح المعرفة
تعتور عمليات نشر المعرفة في البلدان العربية في مختلف مجالاتها (التنشئة، التعليم، الإعلام، والترجمة) صعوبات عديدة من أهمها شح الإمكانات المتاحة للأفراد والأسر والمؤسسات والتضييق على أنشطتها مما نتج عنه قصور فاعلية هذه المجالات عن تهيئة المناخ المعرفي والمجتمعي اللازمين لإنتاج المعرفة، ويلقي التقرير الضوء على مفاتيح المعرفة تلك وذلك على النحو التالي:
1- التنشئة: إن انتشار أساليب التسلط والتذبذب والحماية الزائدة يؤثر بصورة سلبية على نمو الاستقلال والثقة بالنفس والكفاءة الاجتماعية، وهو ما يؤدي إلى السلبية وضعف مهارات اتخاذ القرار لا في السلوك وإنما في طريقة التفكير.
٢- التعليم: لايزال الوضع العام للتعليم متواضعًا مقارنة بالدول الأخرى فما زال التوسع الكمي في التعليم منقوصاً؛ بسبب ارتفاع معدلات الأمية، واستمرار حرمان بعض الأطفال من حقهم في التعليم الأساسي، وتدني نسبة الالتحاق بالمراحل الأعلى من التعليم، وتناقص الإنفاق على التعليم، مما ساهم في تردي نوعية التعليم وذلك ما يقوض واحداً من الأهداف الرئيسية للتنمية.
٣- وسائل الإعلام: يقول التقرير إن وسائل الإعلام من أهم أليات نشر المعرفة، لكن الإعلام العربي ووسائط النفاذ إليه وبنيته التحتية ومضمونه تعاني من خلل كبير مما يجعله دون مستوى تحدي بناء مجتمع المعرفة، فعلى سبيل المثال فإن نسبة وسائل الإعلام لعدد السكان على المستوى العالمي هي الأدنى في البلدان العربية إذ ينخفض عدد الصحف إلى أقل من ٥٣ صحيفة لكل ١٠٠٠ شخص مقارنة مع ٢٨٥ صحيفة لكل ألف شخص في الدول المتقدمة، كما يتميز الخطاب الإعلامي العربي بتدخل الحكومات لأغراض الدعاية السياسية، حيث إن أكثر من ٧٠٪ من قنوات التلفزيون العربية وعددها ۱۲۰ هي تحت إشراف الدولة مباشرة التي تمتلك بدورها وكالات الأنباء. وقلما تحمل المعلومات التي تبثها فائدة للناس تثري مخزون المعرفة العلمية لديهم. أما بالنسبة لوسائط الاتصال فقد قطعت بعض الدول شوطاً لا بأس به في تطوير بنيتها التحتية، لكن تظل السمة العامة محصورة في المؤشرات الأدنى على المستوى العالمي، فلا يصل عدد خطوط الهاتف في الدول العربية إلى خمس نظيره في الدول المتقدمة، ووجود أقل من ۱۸ حاسوب لكل ۱۰۰۰ شخص في المنطقة مقارنة مع المتوسط العالمي وهو ٧٨.٥ حاسوب لكل ۱۰۰۰ شخص، واقتصار عدد مستخدمي الإنترنت على ١,٦٪ فقط من سكان الوطن العربي.
٤– حركة الترجمة: مازالت حركة الترجمة في البلدان العربية تتسم بالركود والفوضى فقد كان متوسط الكتب المترجمة لكل مليون من السكان في الوطن العربي في السنوات الخمس الأولى من الثمانينيات ٤.٤ كتاب، أي أقل من كتاب واحد في السنة لكل مليون من السكان، بينما بلغ ٥١٨ كتاباً في المجر و ۹۲۰ كتابًا في إسبانيا لكل مليون إنسان.
إنتاج المعرفة
يؤكد التقرير وجود ركود حاد في مجالات إنتاج المعرفة مثل: العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانيات والفنون والآداب وصنوف النشاط المجتمعي كافة على الرغم من الرصيد البشري المتوافر في العالم العربي، فالبحث العلمي يعاني من انخفاض الإنفاق عليه، إذ لا يتجاوز إنفاق الدولة على البحث والتطوير ٢٪ من إجمالي الدخل المحلي، كما يعاني من غياب الدعم المؤسسي، وعدم توافر البيئة الملائمة، إضافة إلى انخفاض أعداد المؤهلين للعمل فيه. فلا يزيد عدد العلماء والمهندسين العاملين بالبحث والتطوير في البلدان العربية على ۳۷۱ لكل مليون من السكان فيما المعدل العالمي يبلغ ۹۷۹ لكل مليون نسمة.
ومقابل ضعف الإنتاج المعرفي في البحث والتطوير التقني تزخر المجتمعات العربية بإبداع أدبي وفني، إلا أن هذا الإبداع يعاني من تحديات رئيسة أهمها: قلة عدد القراء بسبب ارتفاع معدلات الأمية، وضعف القوة الشرائية، وينعكس ذلك على أعداد الكتب المنتجة، إذ لم يتجاوز هذا العدد ١,١٪ من الإنتاج العالمي رغم أن العرب يشكلون نحو ٥٪ من سكان العالم. وبشكل عام يتسم إنتاج الكتب بغزارة في المجال الديني وشح نسبي في المجالات الأخرى.
التقانة المستوردة
لم تحقق تجربة نقل وتوطين التقانة النهضة المرجوة، كما أنها لم تحقق عائدًا استثماريًا مجزيًا، إن عدم وجود نظم فعالة للابتكار يعني تبديد الموارد المستثمرة في البنى التحتية الصناعية ورأس المال الثابت؛ لأن نقل وتوطين التقانة وإنتاج المعرفة بما يسمح بتوليد تقنيات جديدة يستدعيان سياقًا تنظيميًا محفزًا لإنتاج المعرفة، يعزز الروابط بين مؤسسات البحث والتطوير من جهة وقطاعات المجتمع الإنتاجية والخدمية من جهة أخرى وينمي القدرات الوطنية على الابتكار.
السياق المجتمعي المؤثر على اكتساب المعرفة
أ- الثقافة: التراث الفكري والدين واللغة:
يملك العرب تراثًا ثقافيًا وفكريًا كان حصيلة لاستجماع وصهر العديد من مواطن القوة الثقافية والفكرية في التاريخ، كما كان للعرب دور ريادي لا يضاهى في وضع الطرائق المنهجية وكان أبرزها: تعزيز العقلانية في التفكير الديني، وسن منهج عقلاني جديد في التحليل الرياضي، وتأسيس التجريب كنمط من أنماط إقامة البرهان في البحث. ولا شك في أن علاقة الدين بالمعرفة وإنتاجها ترتبط ارتباطاً عضوياً بالمفهوم الذي يتحدد عن ماهية الدين وموقفه الشامل من الدنيا، فالإسلام والحضارة التي انبثقت عنه شددا على ضرورة الاهتمام بالعالم المادي والعلوم، وشجعا على المعرفة في جميع نواحي الحياة، بما فيها اللغة والأدب والفكر، والعلوم الطبيعية والرياضية وتتمثل النزعة الغالبة على الحضارة العربية الإسلامية في الحرص على طلب الدنيا وعلومها وتشجيع المعرفة والعلوم بشتى أشكالها.
ويشير التقرير إلى الصراعات السياسية والفكرية التي شهدها الوطن العربي خلال نصف القرن الماضي، وفي ظل غياب مسارات سياسية سلمية فقد تفجر العديد من الصراعات مما ساهم في تراجع المعرفة، مع التأكيد على أن الإسلام يحض على ارتياد العلم وإقامة مجتمعات المعرفة، وليس فقط أنه لا يتعارض مع أي منهما، ولعل عصر الازدهار العلمي العربي الذي اتسم بتآزر قوي بين الإسلام من جهة والعلم من جهة أخرى خير دليل على ذلك.
ب- اللغة العربية، تراث وثروة.. وأزمة:
أما بالنسبة لدور اللغة العربية التي هي أساس رئيس من أسس الثقافة لارتباطها بجملة مكوناتها من فكر وإبداع وتربية وإعلام وتراث وقيم ومعتقدات فإنها تواجه اليوم على أبواب مجتمع المعرفة والمستقبل تحديات قاسية وأزمة حقيقية تنظيرًا، وتعليمًا، ونحوًا، ومعجمًا، واستخدامًا، وتوثيقًا، وإبداعًا، ونقدًا. وتنطوي علاقة اللغة العربية بنقل المعرفة واستيعابها على قضايا عدة تتقدمها قضيتان محوريتان هما: تعريب التعليم الجامعي وتعليم اللغة العربية. ولذلك فقد أصبح من الضروري العمل بجد على تقوية الدروع اللغوية للعربية وتعزيز الخصائص الذاتية والعملية التي تؤكد سمتها العالمية وقدرتها على تمثيل التطورات التقنية والمعلوماتية، فضلًا عن توطيد العلاقة بينها وبين اللغات العالمية.
ج- الثقافة الشعبية بين الاتباع والإبداع: تشكل الثقافة الشعبية مستودعًا ضخمًا من الخبرة ومن الاجتهادات الإبداعية التي أسهمت وتسهم في إثراء الحياة العقلية والوجدانية والسلوكية للناس جميعًا، وهي غنية بمركباتها، إذ هي تشتمل على المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات والمعارف الصناعية مما يستدعي الارتقاء بها وتعزيزها.
د- الانفتاح الثقافي، من المحاكاة إلى التفاعل:
لم تشكل الثقافة العربية في تجربتها التاريخية نظامًا ثقافيًا مغلقًا وإنما عبارات دومًا عن قدرة عظيمة على الانفتاح والنماء وتجاوز الذات فتقبلت خبرات الأمم ودمجتها في معارفها ونظمها وحياتها برغم سمة الاختلاف والتباين التي تميزها عن تلك الأمم والشعوب، لكن الثقافة العربية تجد نفسها الآن في مواجهة مشكلات الوحدة الثقافية الكونية وتعدد الثقافات والشخصيات ومشكلة الذات والآخر، ومشكلة الشخصية الحضارية، يضاف إلى ذلك أن للثقافة الكونية وجوهها المعرفية والعلمية والتقنية التي لا يمكن إغفالها وتجاهلها. لكن تحليل مقومات الثقافة العربية يفيد في أن جوهرها الممتد عبر ألفيات ثلاث يمكن أن يحمل إقامة مجتمع المعرفة في الألفية الثالثة، كما حمله باقتدار في نهاية الألفية الأولى وبداية الألفية الثانية، بل إن متانة الثقافة العربية وغناها يمكن أن يعززا قدرة المجتمعات العربية في التعامل مع تيارات العولمة الجارفة.
هـ- البنية الاقتصادية: من استنضاب الموارد إلى إنتاج المعرفة:
يؤكد التقرير العلاقة المباشرة بين اكتساب المعرفة والتنمية الاقتصادية ويقول: إن نمط الإنتاج السائد في الوطن العربي أثر على اكتساب المعرفة و هدر من فرص إنتاجها محليًا، وتوظيفها بفعالية في النشاط الاقتصادي، كما أسهمت قلة انفتاح الاقتصادات العربية على العالم الخارجي وقلة تعرضها للمنافسة من الخارج وفرض الحماية عليها في إضعاف الحافز للارتقاء بالإنتاجية وتوظيف المعرفة. إن تعافي النمو الاقتصادي العربي، وزيادة الإنتاجية شرطان لازمان لقيام نهضة معرفية لكنهما غير كافيان إذا لم ينعكس ذلك على قرارات الإنفاق والاستثمار.
و- نسق الحوافز المجتمعي: تقديس القوة والثروة يضعف أخلاقيات المعرفة: أدت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية دوراً حاسماً في توجيه القيم ونسق الحوافز المجتمعي، فقد خضع معظم البلدان العربية منذ عهود الاستقلال لأنظمة لم تستطع أن تتخلى عن نزعات الاستبداد، مما أثر في أخلاق الناس وقيمهم العملية، كما أصابت الثروة النفطية عدداً من القيم والحوافز الاجتماعية التي كان يمكن أن تؤازر وتسند الإبداع واكتساب ونشر المعرفة ولكن القيم السالبة التي انتشرت خلال الفترة الماضية قعدت بالإبداع واكتساب المعرفة من مضمونها التنموي والإنساني. وساهم القمع والتهميش في قتل الرغبة في الإنجاز والسعادة والانتماء، ومن هنا ساد الشعور باللامبالاة والاكتئاب ومن ثم ابتعاد المواطن عن المساهمة في إحداث التغيير.
السياق السياسي: حبس الحرية يئد المعرفة والتنمية الإنسانية:
تبدو المعوقات السياسية لاكتساب المعرفة أشد وطأة من معوقات البنية الاجتماعية والاقتصادية والتي خلص التقرير إلى أنها كانت بدورها أبلغ تعويقاً من أي سمات ثقافية. ويشكل عدم الاستقرار السياسي واحتدام الصراع والتنافس على المناصب النابع من الافتقار القاعدة ثابتة ومقبولة للتداول السلمي على السلطة عائقاً أساسياً أمام نمو المعرفة وتوطينها النهائي وترسيخها في التربة العربية.
السياق العالمي يشكل تحديًا
إن العولمة بشكلها الراهن وبتنظيماتها القائمة أقرب ما تكون إلى آلية لتكريس هيمنة الأقوى على مقدرات العالم في المعرفة والاقتصاد؛ ومن ثم في فرص التنمية منها إلى نظام عالمي يساند البلدان النامية على التقدم الإنساني، ولعل إصرار الدول المصنعة على تحويل المعرفة إلى سلعة عبر حقوق الملكية الفكرية يهدد فرص الدول العربية في اكتساب المعرفة ويضع بعض قطاعاتها الإنتاجية في دائرة الخطر.
التقرير يكشف
المعرفة.. الفريضة الغائبة في أمة العرب
القاهرة: عبد الحافظ الصاوي
بالرغم من أن البلدان العربية استثمرت أكثر من ٢٥ تريليون دولار خلال الفترة من ۱۹۸۰ إلى ۱۹۹۷ في بناء المصانع والبنية التحتية إلا أن معدل الناتج المحلي الإجمالي للفرد انخفض .. ما السبب؟!
انتقل الإصدار الثاني من تقرير التنمية الإنسانية العربية من العام إلى الخاص، فبعد أن أشار العدد الأول عام ۲۰۰۲ إلى نواقص ثلاثة تعاني منها التنمية الإنسانية العربية: وهي الحريات وتمكين المرأة والمعرفة، فإن إصدار ۲۰۰۳ تناول نقص المعرفة تحديدا بالدراسة والتحليل موضحًا العوائق والعقبات التي تحول دون قيام مجتمع المعرفة في الوطن العربي.
التقرير يشير صراحة إلى أن المعرفة تكاد تكون الفريضة الغائبة في أمة العرب الآن، ومن أراد العزة لأمة العرب في العصر الآتي فليسهم مخلصاً ومجتهداً في إقامة مجتمع المعرفة. فالدين والثقافة والتاريخ والفوز في المستقبل تحض جميعاً على المعرفة ولا يقوم دون ذلك حائل سوى بنى وضعية من صنع البشر في الاجتماع والاقتصاد، وقبل كل شيء في السياسة وخليق بالعرب أن يصلحوا هذه البنى حتى تتبوأ أمتهم المكانة التي تستحق في العالم.
الحرب على الإرهاب... تكأة عربية
وتجاوز غربي وصهيوني
يرصد التقرير حالة من انتكاسة الحرية بعد أحداث ۱۱ سبتمبر، إذ اتخذت معظم البلدان العربية من الحرب على الإرهاب تكأة لسن قوانين جديدة تحد من الحريات المدنية والسياسية، وتبنت تعريفًا موسعًا للإرهاب من خلال «الميثاق العربي لمكافحة الإرهاب».
ويرى التقرير أن التعريف الوارد بهذا الميثاق يفتح الباب لإساءة الاستخدام من قبيل السماح بالرقابة وتقييد الوصول إلى الإنترنت وتقييد الطباعة والنشر، إضافة إلى أنه لا يجرم صراحة الاحتجاز غير المبرر أو التعذيب. كما أنه لا يتيح سبلاً للاعتراض على قانونية الاحتجاز ولا يحترم الحرية الشخصية؛ لأنه لا يشترط إذن القضاء لفرض التنصت على الأفراد والجماعات. أما على صعيد الدول الغربية فيشير التقرير إلى حالة من عدم التوازن في التعامل مع العرب والمسلمين، وأن حقوقهم تم التغاضي عنها لأسباب عرقية، وقد أثر ذلك على جسور التواصل العلمي مع الغرب إذ تشير الأرقام إلى أن متوسط الانخفاض في أعداد الطلبة العرب في أمريكا بلغ ٣٠٪ بين عامي ۱۹۹۹ و۲۰۰۲.
ويظهر التقرير مدى جرم الممارسات الصهيونية في الأراضي المحتلة من خلال الأرقام التي تشير إلى أن قوات الاحتلال قتلت ٢٤٠٣ مواطنًا فلسطينيًا وجرحت ٤١٠٠٠ آخرين خلال الفترة من سبتمبر ۲۰۰۰ وحتى أبريل ۲۰۰۳، وأن ٨٥٪ منهم مدنيون من بينهم ۲۰٪ من الأطفال، كما أصيب ۲۵۰۰ شخص بعاهات مستديمة من بينهم ٥٠٠ طفل، فضلًا عن إعادة احتلال المدن والأراضي التي كانت تخضع للسلطة الفلسطينية. وأشار التقرير إلى احتلال أراضي العراق مما خلق للشعب العراقي والمنطقة تحدياً من نوع جديد، لا يمكن الخروج منه إلا بتمكين الشعب العراقي من حقوقه الأساسية واستعادة ثروته وإقامة الحكم الصالح الذي يضمن حقوق جميع العراقيين.
معوقات مجتمع المعرفة
يعدد التقرير أسباب عدم قيام مجتمع المعرفة في البلدان العربية، سواء كانت متعلقة بطبيعة الإنفاق على الاستثمار أو مناخ البحث العلمي والابتكار أو لسلوك الدول المتقدمة والشركات المتعدية الجنسية في احتكار التقنية المتقدمة. فعلى الرغم من أن البلدان العربية استثمرت أكثر من ٢٥ تريليون دولار خلال الفترة ۱۹۸۰ و ۱۹۹۷ في بناء المصانع والبنية التحتية بشكل أساسي، فإن معدل الناتج المحلي الإجمالي للفرد انخفض بالفعل خلال تلك الفترة؛ لأن هذه الاستثمارات لم تؤد إلى انتقال حقيقي للتقنية، فقد تم نقل وسائل الإنتاج لا التقنية ذاتها. كما أن الدول العربية لم تنجح في أن تصبح مواقع جذب للاستثمارات الأجنبية المباشرة، ولا تظهر أسماؤها ضمن قائمة الدول العشر الأولى ولا قائمة الدول النامية العشر الأولى الأكثر جذبًا للاستثمارات الأجنبية المباشرة.
أسباب أخرى
وهناك أسباب أخرى تناولها التقرير تحول دون قيام مجتمع المعرفة في الوطن العربي نذكر بعضها:
1- نمط الانتاج الذي يعتمد على استنضاب المواد الخام وعلى رأسها النفط، وهو ما يسميه التقرير «اقتصاد الريع» ومن سمات هذا الاقتصاد استقدام الخبرة من الخارج لسهولة هذا الحل وتحقيق عائد سريع منه ولكن هذا الأمر يضعف الطلب المحلي على المعرفة. فضلا عن طبيعة العملية الإنتاجية المتمثلة في إنتاج السلع التقليدية أو الاستهلاكية التي تعتمد على رخص الإنتاج من الخارج ولا تسعى هذه الصناعات إلى إقامة صناعات رأسمالية تتطلب جانباً كبيراً من المعرفة.
۲- غياب الشفافية والمساءلة مما سمح بوجود قدر من التلاحم بين رجال الأعمال والنخب السياسية. ويرى التقرير أن هذا الأمر يقلل من الميزة التنافسية لتوظيف المعرفة في النشاط الاقتصادي، وحيث تستمد الميزات التنافسية في هذه الحالة والقدرة على تعظيم الأرباح في الأساس من الحظوة لدى هيكل القوة متجليًا في المال والسياسة.
٣- أسهمت قلة انفتاح الاقتصادات العربية على العالم الخارجي وقلة تعرضها للمنافسة من الخارج، بل وفرض حماية زائدة على الإنتاج المحلي في ظل سياسات إحلال الواردات في إضعاف الحافز للارتقاء بالإنتاجية ولتوظيف المعرفة.
٤- ساهم القمع والتهميش في قتل الرغبة في الإنجاز والسعادة والانتماء. ومن هنا ساد الشعور باللامبالاة والاكتئاب السياسي ومن ثم ابتعاد المواطنين عن المساهمة في إحداث التغيير. وقد ساعد هذا الأمر على الرغبة في الهجرة. وينقل التقرير عن إنطوان زحلان: «من أصل ۳۰۰۰۰۰ من خريجي المرحلة الجامعية الأولى من الجامعات العربية في العام الدراسي ١٩٩٥/١٩٩٦ يقدر أن نحو ٢٥٪ منهم هاجروا إلى أمريكا الشمالية ودول السوق الأوروبية. وبين عامي ۱۹۹۸ و ۲۰۰۰ غادر أكثر من ١٥٠٠٠ طبيب عربي إلى الخارج». وينظر التقرير إلى ظاهرة الهجرة من عدة زوايا: من حيث تكلفتها الاقتصادية المتمثلة في إعداد هذه العقول والكوادر الفنية، وكم تحملت موازنات الدول العربية لإعدادها؟ ومن ناحية أخرى ما يسمى تكلفة الفرصة الضائعة، أي ما كان يمكن أن تضيفه هذه العقول من إضافة اقتصادية واجتماعية وعلمية في بلدانها.
إضاءة فضائية: على الرغم من اللغة الانتقادية التي سادت التقرير، إلا أنه عندما تناول وضع الإعلام العربي، مشيراً إلى حالة سيطرة الدولة على محطات التليفزيون والصحف والإذاعات، لوحظ أن التجربة الجديدة التي خاضت غمارها الفضائيات العربية غير الحكومية تميزت في أدائها، وحصلت على ثقة المشاهد العربي في فترة وجيزة. ويشير التقرير إلى أن هذه الفضائيات نافست المحطات الدولية العملاقة، بل وسبقتها في كثير من الأحداث بتغطية متميزة. وقد أجبر هذا الوضع محطات التلفزيون المملوكة للدول على أن تتيح بعض البرامج الحوارية التي تتمتع بشيء من الديمقراطية. وعلى الجانب الآخر انتقد التقرير حالة المثقفين العرب وإصداراتهم، ففي الوقت الذي صدر فيه عن العالم العربي نحو ٥٦٠٠ كتاب في عام ۱۹۹١ صدر في أمريكا الشمالية ۱۰۲۰۰۰ كتاب وفي أمريكا اللاتينية ٤٢٠٠٠ كتاب. هذا عن الكم، أما عن الكيف فالملاحظ على الإصدارات العربية غلبة الدراسات الإنسانية بينما على الجانب الآخر نجد أن الغالبية للإصدارات العلمية.
العودة إلى صحيح الدين
يرى التقرير أن الإسلام يحض على المعرفة، وقد ساهم ذلك بشكل كبير في بناء الحضارة العربية الإسلامية، فالنصوص الإسلامية توضح حالة من التوازن المنشود بين الدين والدنيا أو بين عالم الحياة الدنيوية والآخرة، أما الواقع الحالي فقد نتج عن ممارسات خاطئة من قبل البعض من قبيل عدم مسالة الحكام، والجور على حقوق المرأة في الممارسات العامة. ولذلك يطالب التقرير بأهمية العودة إلى الدين باعتباره رافدة أساسياً في بناء مجتمع المعرفة وولوج باب الاجتهاد لمسايرة قضايا العصر.
رؤية استراتيجية لإقامة مجتمع المعرفة
خلص التقرير في الفصل الأخير منه إلى طرح رؤية استراتيجية لإقامة مجتمع المعرفة من خلال المحاور الآتية:
إطلاق حريات الرأي والتعبير والتنظيم وضمانها بالحكم الصالح في إطار القانون.
النشر الكامل للتعليم راقي النوعية مع إعطاء عناية خاصة لأطراف العملية التعليمية، والتعليم المستمر مدى الحياة.
توطين العلم وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير الثقافي في جميع النشاطات المجتمعية.
التحول الحثيث نحو نمط إنتاج المعرفة في البنية الاجتماعية والاقتصادية العربية.
تأسيس نموذج معرفي عربي عام، يقوم على العودة لصحيح الدين وتخليصه من التوظيف المغرض وحفز الاجتهاد وتكريمه، والنهوض باللغة العربية، والاستفادة من التراث المعرفي العربي، وإثراء التنوع الثقافي داخل الأمة، والانفتاح على الثقافات الإنسانية الأخرى.