العنوان قصة تحرير مسجد «حى أول مايو » بالجزائر
الكاتب سمية سعادة
تاريخ النشر الجمعة 13-أبريل-2012
مشاهدات 77
نشر في العدد 1997
نشر في الصفحة 36
الجمعة 13-أبريل-2012
«وهذا بيت من بيوت الله، لم يسلم هو الآخر من فلسفة السخرية الإدارية وتهاونها حتى ترك عرضة للنهب، ثم الاحتلال على مرأى من السلطات، بل بتشجيع منها في بعض الأحيان، وأمام مجتمع مدني لم يقدر على فعل شيء غير التحسّر عليه والبكاء على أطلاله ورمي الكرة في ملعب المسؤولين الغارقين في قضايا، تبدو لهم أكبر وأهم من بيت الله».
هذه الفقرة، هي جزء من مقدمة لكتاب يؤرخ بالصور والوثائق لاستعادة مسجد بإحدى محافظات الجزائر، حوّله المنحرفون إلى وكر للرذيلة والمتاجرة في الممنوعات في بداية التسعينيات من القرن الماضي، الكتاب للشيخ صلاح الدين القاسمي الحسني الذي حمل قضية المسجد على كتفيه وصعد بها جبالا وعرة، وسار بها في منعرجات صعبة إلى أن استرجعه وأصبح الآن جزءًا من مركز إسلامي.
احتلال المسجد: شاءت الأقدار أن يتصادف بناء مسجد «حى أول مايو» الواقع بإحدى البلديات التابعة لمحافظة البليدة وإقامة الصلاة فيه مع أحداث العشرية الحمراء، التي قتل فيها ما يزيد على ١٠٠ ألف جزائري، حيث أقحم في الصراع السياسي مما جعله يصنف، فتم تشميعه وغلقه في آخر المطاف، وفي فترة غلقه، ومع حالة الفوضى السائدة آنذاك، بدأت العائلات الهاربة من بطش الإرهاب باحتلاله متخذة منه مسكنًا ليصبح مأوى لثلاث وعشرين عائلة، هذه العائلات كونت نسيجًا اجتماعيًا جديدًا في المنطقة إلى حد يشبه وضع العشوائيات المتناثرة على أطراف الوديان والطرقات نافثة إليها آفاتها الاجتماعية التي ينتجها تركيبها الاجتماعي.
في عام ٢٠٠٦م قرر الشيخ صلاح الدين القاسمي الحسني بعد تقاعده، أن يتفرغ للمسجد لاستعادته من الدخلاء، وذكر في كتابه الذي حمل عنوان: «الشعلة المباركة لنصرة بيت الله»، وهو يحدث نفسه: «خاطر ملح كان يقول لي: أليس هذا بيت من بيوت الرحمن؟ ألا يستحق ولو محاولة حتى وإن بدت مستحيلة لتطهيره وتحريره من براثن الفساد والانحلال الأخلاقي؟».
المحاولة بدت صعبة بالنظر إلى اعتقاد المسؤولين أن الدولة تنظر بعين غير راضية للمسجد، وبالتالي لا يجوز إغضابها، ومن جهة أخرى لم يكن بأيديهم حلا لساكنيه، وفي الطرف الآخر للخيط نجد تمسك المحتلين من السكان بالمسجد، حيث باتوا يضعون احتلاله كورقة ضغط على المسؤولين؛ ليوفروا لهم سكنا ربما لا يستحقونه، لم يستسلم الشيخ القاسمي وظل مصرا على مخاطبة أصحاب الدوائر الرسمية ومنهم المسؤولون بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، ولم يجد الآذان الصاغية من المسؤولين وقد أسر إليه مسؤول هناك بالحقيقة المرة وهي أن طلبه مرفوض منذ البداية، لأنه يعتبر من المحظورات.
حمل الشيخ قضيته، وتوجه بها إلى مقر المجلس الإسلامي الأعلى، وهناك في مقر المجلس الأعلى أخبره أحد المسؤولين أنهم فعلًا تلقوا رسالة منه، تخطرهم بأمر المسجد المحتل، إلا أنهم «لا يملكون التدخل بقوة القانون»، فما كان منه إلا التوجه للصحافة التي فجرت الموضوع، وهو ما سبب الإرباك والحرج للمسؤولين، الأمر الذي جعل أصحاب القرار في محافظة البليدة يوافقون على تكوين جمعية دينية تناقش وضعية المسجد.
هذا النجاح الذي أحرزه الشيخ القاسمي لم يحل المشكلة، لأنّ التكفل بسكان المسجد، وتوفير سكنات لهم ظل الهاجس الذي ظل يؤرقه، خاصة وأن المحافظة صارحته بعدم استعدادها لتوفير سكن لجميع السكان عدا أربع عائلات، وكانت زبدة الاجتماع الطارئ الذي عقد لمناقشة هذه القضية هي إخلاء المسجد من المحتلين أما كيفية إيواء ساكنيه فتلك قضية تخص الجهات المعنية، وجاء قرار الطرد من المسجد في 16/9/2006م.
تحرير المسجد وإقامة الصلاة فيه
وفي اليوم التالي هبت الشرطة لإخلاء المسجد وسط تهليل سكان الأحياء المجاورة، وانطلقت عملية الترميم داخل المسجد وخارجه بسواعد وأموال المحسنين، ولكن واجه الشيخ صلاح الدين القاسمي مجددا منع إقامة صلاة الجمعة فيه بحجة عدم احتواء المسجد على بيت الإمام بناء على مرسوم ۱۹۹۱م، الذي يشترط على المساجد التي تؤدى فيها صلاة الجمعة أن يتوافر فيها بيت الإمام، وهو ما لم تتوافر أمواله في تلك الفترة، ودخل الشيخ في صراع جديد مع الإدارة لإقناعها أن المرسوم لا ينطبق على هذا المسجد؛ لأنه أنشئ عام ۱۹۸۸م، وبعد أخذ ورد، تم الترخيص بإقامة أول صلاة جمعة فيه يوم 3/3/2007م، ومنذ ذلك الحين شعر الشيخ القاسمي بالراحة، وقد تحقق حلمه في استرجاع بيت الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل