; قصة حياة! | مجلة المجتمع

العنوان قصة حياة!

الكاتب سلمان بن فهد العودة

تاريخ النشر الجمعة 23-مارس-2012

مشاهدات 75

نشر في العدد 1994

نشر في الصفحة 42

الجمعة 23-مارس-2012

كنت أسمع عنه، وزاد قربي منه في زمنه الأخير.

وجدت شيخا أثقلت ظهره السنين، ورسمت تجاعيده بعناية وادت ظهره، ولكنها لم تذهب قواه ولسان حاله يقول:

وأرى الليالي ما طَوَت من شرتي                 زادته في عظتي وفي إفهامي!

ابتسامته وطلاقة محياه والبشر الذي يعلوه كلما صافح إنسانًا أو صافحه إنسان. الحكمة على لسانه، وتجربة الحياة الطويلة.

التدين الصادق فهو المؤذن والمقيم والداعي إلى عبادة الله والأمر بالخير. الكرم والجود، فهو يتربع - مع شقيقه وصديقه عبدالله - على رأس مؤسسة خيرية واسعة العطاء.

الأخلاق السمحة والطيبة وحب الآخرين.

عفة اللسان فلا يذكر أحدًا إلا بخير على أن تجربة العمر الطويل لن تخلو من صدمات وأذى، ولكن كرم النفس يمحو ذلك ولا يستبقي إلا الذكرى الطيبة.

الوفاء للأصدقاء وأسرهم، والاحتفاظ بحيوية العلاقة مع رفيقة الدرب طرية غضة لا تغيرها الليالي.. واللولو غال واسأل الطواش!..

دفء العلاقة مع الأبناء وحسن التربية حتى كأن الأبناء أصدقاء نسجت الأيام بينهم علاقة الود والاحترام والتعاطف المكشوف. 

النجاح بالمعيار المادي، فهما شريكان متصافيان مالكان لشركات ومؤسسات ومصرف تنتشر فروعه في أنحاء (البلاد)! قصة رائعة حولت اليتم والفقر والدموع والغربة إلى دوحة وارفة الظلال تعلم من مدرسة الحياة ما لم يتح له فرصة تلقيه على مقاعد الدرس التي حرم من مواصلتها تلبية لحاجة العيش الكريم والضرب في الأرض ابتغاء فضل الله.

عمل ابن الثانية عشرة سقاء يحمل الزفة على كتفه الغض، وصبيا يبيع في المتجر، وطباخًا، ودلالًا يطوف السوق والبضاعة تثقل ظهره.

المهنة الحرة كانت تستدر حماسه ورغبته الشديدة في الفوز.

وحين عثر على وظيفة مفتش جمارك اعتقد أنه عثر على مفاتيح السعادة، ولم يدر أن الله يدخر له ما هو خير وأعظم! 

وعاد بعد أربع سنوات يردد: دلوني على السوق! 

الشراكة مع آخرين كانت طريق النجاح فقد توافر فيها الصدق والإخلاص والجهد الصبور، وانتهت الشراكة بعد ۲۸ عاما بذات الروح الودية التي بدأت بها دون خلاف أو تشاحن. 

الخلاف الوحيد بين الشريكين هو على ٣٠ ألف ريال رفض كل منهما أن يأخذها وأصر على أنها لشريكه حتى حسمت عن طريق وسيط!

العيش في مكة ملتقى الشعوب والأمم أكسبه أفقًا واسعًا واطلاعًا على عادات الناس، وانفتاحًا يميزه عن نظرائه النجديين. وكون رصيدًا ضخمًا من العلاقات الحميمية مع أهل الحجاز والشام ومصر والهند. 

النجاح لم يكن خطا تصاعديا بانتظام، الأخطار كانت تطل برأسها، والخسارة تلقنه الدرس الذي يدر عليه الربح الوفير. 

تجربة الحياة دونها في شعر سهل ممتنع يعبر عن مشاعره الجياشة تجاه الأم الرؤوم والأخ الشريك الموافق، والولد الحبيب، وتجاه جماليات الحياة ومتعها وتقلبات الأيام بخيرها وشرها وحلوها ومرها.. الاعتذار سجيته فهو لحم ودم.

يا لوفي أصبر على ما جاك منا          مثل ما يصبر على الطرد الحصان 

وحب الزوجة والثناء المستفيض عليها ليس عيبا بل يكاد يكون محور ديوانه الشعري ديوان محمد بن إبراهيم السبيعي الذي قدمه د. عبد العزيز الخويطر.

ميلاده كان في سنة، جراب، أي ١٣٣٣هـ قبل نحو مائة عام.. ولا يزال يتمتع بحواسه وعقله ويقوم بتكاليف حياته ويستقبل ضيوفه ويوجه مسيرة العمل التي يديرها أبناؤه وأبناء أخيه عبد الله.

في سري كنت أتساءل: أترى النجاح السعادة كانت مغروسة في جيناته وخلاياه؟ وكأنه سمع نجواي وقال لي: إنه عانى صعوبة الحصول على المال والعمل في صباه ما جعله ينظر من علو بيت مكي إلى الناس يمشون في السوق ويحدث نفسه أنه لولا خوف الله والحرص على الأم الحنون التي تنتظره بفارغ الصبر في عنيزة، لألقى نفسه وتخلص من عناء الحياة!

كان هذا درسًا كبيرًا لي.. إذا نحن نستطيع أن نغير مزاجنا السلبي، وأن نتغلب على حالات اليأس والإحباط والاكتئاب التي ريما عرضت بسبب موقف حياة أو فقدان صديق، أو تعسر أمر أو استبطاء نتيجة ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنزَلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنظُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الشورى: 28). تنفس الصعداء وتفاءل بالقادم واملأ رئتيك من الهواء، وأحسن الظن بالله، فهو عند ظنك به..

الرابط المختصر :