العنوان قصة سقوط آخر خلافة إسلامية
الكاتب د. عبدالحليم عويس
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1973
مشاهدات 18
نشر في العدد 134
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 23-يناير-1973
عندما
تتشقق الحضارة، تتحول إلى ذرات متناثرة متنافرة، شأنها شأن الجدار المتداعي الذي
أصابه التآكل فتحولت لبناته إلى لبنات منفصلة... تسقط عقب بعضها لبنة لبنة.
ويأخذ
الانهيار في العملية الحضارية شكلا غريبا.. وبدلا من الانسجام الذي كان سمة
الحضارة الناهضة، تتنافر أجزاء الحضارة الساقطة.. أو السائرة في طريق السقوط ويكاد
ينطبق على عملية السقوط التاريخي قول الله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ
أُخْتَهَاۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ
لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ
النَّارِ﴾ (الأعراف: 38).
وعجيب كل
العجب أمر العصر الذي قُدر للإنسان أن يكون من أبنائه. وليس العجب في هذا العصر
كثرة ما بُليت به الأمة الإسلامية من هزائم أو ما يسمونه «انتكاسات».
وليس
العجب كذلك أن الأمة أصبحت تطلب دواءها من عدوها، وترفض «الصيدلية والطبيب»
الحقيقيين.. كذلك ليس العجب في إصرار عناصر من هذه الأمة- بيدهم الأمر- في أن
يتجنبوا طريق الصواب، ويلهثوا وراء طريق الفناء والدمار.
نعم: ليس
أمر كل هذا بعجيب.. فعملية السقوط التاريخي تشهد الانقلابات في المعايير.. تشهد
انقلاب الحق- في العقول- إلى باطل، وانقلاب المعروف في السلوك- إلى المنكر،
وانقلاب السفلة إلى قادة، وارتفاع السخافة وانخفاض العلم والنور.. نعم: ليس كل هذا
بعجيب في العملية التاريخية. وإنما العجيب أن تتنكر الأمة لليد الكريمة التي
أنقذتها، وأن تبحث جادة عن نفسها، عن طريق لعن الذين أنقذوها لمدة خمسة قرون،
كأنها كانت تريد الغرق من قديم.. وبدلا من البحث عن حلول عملية، وشكر الذين وقفوا
معها في دورانها التاريخي، والذين تربطهم بها صلات عقيدة وتاريخ وحضارة... بدلا من
هذا تحرف تاريخها لتلعنهم، وتزيف الحقائق لِتُحيل إليهم وحدهم أسباب تخلفها.. مع
أنها لم تستطع بعدهم أن تتقدم شيئا. بل وقعت في أحابيل أشرار البشر.
كان هذا
بالتحديد هو موقف العرب من الدولة العثمانية، التي حمت الحضارة الإسلامية والعرب
خمسة قرون من الزمان. يرجع نسب الأتراك العثمانيين إلى قبائل الغز التركية في بلاد
تركستان، وعندما اجتاح المغول تركستان لجأت هذه القبيلة التركية إلى جنوب القوقاز،
حيث توفي زعيمها «سليمان» وتسلم القيادة بعده ابنه «أرطغرل».. الذي أوجب «عثمان بن
أرطغرل» الذي تنتسب الدولة إليه.
وعلى يد
عثمان هذا تحولت الجماعات العثمانية من أسلوبها القبلي إلى أسلوب «الدولة» على
حساب أملاك الدولة البيزنطية، وخلف عثمان ابنه «أورخان» سنة 726هـ واستمر ملوكها
يتتابعون «مراد الأول، بايزيد ابنه، محمد بن بايزيد، مراد الثاني بن بايزيد، محمد
الثاني».. ومحمد الثاني هذا هو المعروف في التاريخ بمحمد الفاتح الذي ولي الأمور
سنة 854هـ (1451م) والذي نجح في الاستيلاء على القسطنطينية وقتل الإمبراطور
البيزنطي «قسطنطين الحادي عشر» سنة 1453م فقضى بذلك على الإمبراطورية البيزنطية.
في ذلك
الوقت كان المماليك في البلاد العربية في حالة اجترار ماضيهم، ولم يعد لديهم ما
يمكن أن يعطوه للوجود الإسلامي وكان رأس الرجاء الصالح قد اكتُشف، وبدأت مصر تفقد جزءا
كبيرا من أهميتها، كما أن «قانصوه الغوري» لم يستطع إيقاف البرتغاليين الذين بدأوا
يسيطرون على البحر الأبيض المتوسط عند حدود احترام الأمة الإسلامية.
وفي عهد
سليم الأول وقعت الحوادث المباشرة التي تمثل آخر خطوة من خطوات التاريخ حين يريد
عبور إحدى مراحله، وتجهز سليم الأول سنة 1516م (922 هـ) وزحف على مصر وقتل قانصوه
الغوري (تحت سنابك الخيل) وشنق «طومان باي» على باب زويلة، بعد أن هُزم في معركة
الريدانية واستولى بذلك على مصر والشام.
ولم
يتوان سلطان الحجاز، فأرسل مفاتيح الكعبة للسلطان سليم، وحكم الحجاز باسم
العثمانيين.. وفي عهد خليفة سليم الأول (سليمان القانوني) دخلت معظم البلاد
العربية (اليمن- الجزائر- تونس- مراكش- وفتحت العراق- ليبيا) في حوزة العثمانيين.
ولم تمض
أكثر من عشرين سنة على اتجاه العثمانيين نحو البلاد العربية حتى كان المشرق العربي
كله.. خاضعا لهم..
نعم:
المشرق العربي الذي كان آيلا للسقوط ومفكك الأوصال في مطلع العصر الحديث وبداية
النهضة الأوروبية، والذي لولا ظهور العثمانيين الذين كانوا يخيفون أوروبا ويتقدمون
في أراضيها.. لولا ظهورهم هذا لتحول المشرق العربي إلى أرض بكر لمغامرات الغرب
الأوروبي الخارج من أوحال العصور الوسطى... كما فعل بعد ذلك بأربعة قرون بعد أن
أسقط الخلافة العثمانية.. أو ما كان يسميه تهويلا لأمره وخوفا منه: «المسألة
الشرقية»..
ونتتبع قصة العثمانيين مع العرب إلى سقوط آخر حضارات المسلمين في الأعداد القادمة بإذن الله!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل