; قصة قصيرة: صندوق أم حافظ! | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة: صندوق أم حافظ!

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر السبت 06-مارس-2004

مشاهدات 62

نشر في العدد 1591

نشر في الصفحة 52

السبت 06-مارس-2004

hamdy_shoaib@hotmail.com

أخيرًا هدأت نفسي. ارتاح فؤادي. سكنت مكنوناتي.

 أخيرًا أرضيتُ كبريائي. وحافظت على الخيط الرفيع الخيط الذي يربط بين إرضاء كبرياء النفس، والبوح بالمكنونات دون تحفظ

 بلا موعد.. سمعته. كان يتحدث إلى جمع من الزملاء يتحدث عن قضية طالما شغلتني. أقضت مضجعي أرقتني ليالي طوالًا أثرت في نفسيتي تسربت نتائجها إلى عقلي الباطن. 

فصارت جزءًا من تركيبتي: أهمية وجود الرفيق الثقة. وجود من يسمعك. من يفهمك. من يحترم رأيك من تحكي له بلا قيود أو تكلف. من يحفظ سرك. ويصون عهدك. 

هزتني كلماته. أسرني حديثه العذب. جذبني أسلوبه، بهرني ترتيب أفكاره أعجبتني كثيرًا تلك القصص والأمثال التي ساقها لتعضد موضوعه.

وجدت بغيتي وجدت من أثق به من يمحو قيود التكلف. يكسر حواجز التحفظ يقفز فوق أسوار شخصيتي يزيل أسياجًا شيدها حولي مجتمعي المحافظ. واستهوتني اللعبة فارتفعت بها عاليًا. وجدت من يقتحم قلعتي الحصينة فيغزو عالمي الغامض. ويتسلل إلى خبايا النفس.

أخيرًا قابلته وبدأت معرفتي بصديقي العزيز ورفيقي الودود أبي حافظ.

ارتاحت نفسي لنظراته بريق عينيه يقول إنه صادق.

سألت عنه أجاب محدثي الفاضل إنه أبو حافظ ذلك الرجل الطيب القلب زميلنا في العمل جاري في المنزل. فعله يسبق قوله. داخله ليس بأقل من ظاهره إنه الرجل الموسوعي القلب الذي يسع الكل ما من مشكلة إلا وكان له السبق في حلها. أو على الأقل المساهمة في حلها قريب من الجميع الكل يتفق على أنه أهل للثقة المهموم يجد له في حديثه فرجًا. السعيد يجد في مجاملاته مشاركة المعسر يجد عنده حلا الموسر يجد له في تعاملاته نفعًا. المثقف يجد لأفكاره في مناقشاته تلاقحًا الرؤساء يجدون معه توقيرًا. الزملاء يستشعرون من تعامله ودًا. والمرؤوسون يستشعرون منه رحمة.

 ولكن يا صاحبي لا يشوب حياته إلا بعض الهنات منها تلك المرأة المتطفلة أم حافظ نعم إنها مثال للزوجة الطيبة. ولكن لا تنام حتى تتمم على يوميات أبي حافظ ويقال إن لديها صندوقًا. وإن شئت قلت أرشيفًا، يضم الكثير من الملفات المنوعة بها كل الذكريات والمذكرات وإن شئت قلت كل الأنباء والأخبار أنباء القريب. وأخبار البعيد. وغالبًا فإنها - وبدافع من حب الثناء أكثر من أي دافع آخر - تطلع صويحباتها على محتويات هذا الصندوق العجيب.

هواية غريبة حقًا. ولكنهن النساء وثرثرة النساء.

كل هذا يا شيخنا لا ينقص من فضلها الكثير والله أعلم أن أبا حافظ يجيد فن التعامل معها. كما يجيده مع الناس.

ولكن على رسلك يا شيخ سالم مالنا ولبيته الرجل زميل به صفات طيبة وجار ذو خلق حميد وكما يقولون: «الحلو لا يكتمل» ويكفينا منه شخصه.

والثوب الأبيض من السهل أن ترى فيه صغير البقع ولنتعامل مع الناس على أساس قانون النسبية.

فيكفي أن مميزاته تفوق عيوبه والفن هو أن تستفيد من المميزات وتتجنب العيوب والكمال لله وحده. هنا سكت محدثي المنصف وزميلي الفاضل.

ثم سرحت بعيدًا بعيدًا.

إيه يا سالم أيها الغريب القادم من الأعماق.

سنوات طوال قضيتها في البلدة. قبل أن تأتي إلى المدينة للعمل سنوات طوال محملة بالأسرار مثقلة بالهموم كثيرة هي مكنوناتك طبقات فوق طبقات تجمعات داخلية وتراكمات نفسية غنية بالقصص والمغامرات والأسرار تشبهها دوماً بقاع المحيط. لم تجد الفرصة بعد لمن يستكشف غموضها أو لم تجد بعد ذلك الغواص الماهر ذلك الهمام الذي تستهويه المغامرة مغامرة دخول عالم الشيخ سالم ذلك الطيب الغامض القادم من هوة سحيقة من أعماق البلاد.

ترى هل أن أوان الحصاد حصاد السنين!

 إيه أيها المحيط ترى هل هذا هو الغواص؟

إيه يا سالم سنوات طوال تلك التي قضيتها في البلدة بين ذويك سنوات غلفتها وصقلتها عوامل كثيرة.

 منها البيئة المحافظة التي تقيد ساكنيها بالأعراف والتقاليد سوار ليس من السهل أن ينكسر ولم ينكسر؟! وما الداعي لذلك؟! فالشعور بالانتماء يعطي الفرد دومًا رغبة عارمة في التقيد بما ينتمي إليه والمحافظة عليه بل والقتال دونه!

ومنها توصيات الوالدين إياك يا سالم أن تكثر من الثرثرة فهي بداية لسلسلة من العيوب لا تظهر أي ضعف يومًا ما. حذار مما يقلل من صفات وسمات الرجولة أنت رجل العائلة المنشود ومستقبلها أنت الحاضر والمستقبل تقاليد العائلة يا سالم أسرار البيوت يا سالم يا ولدي إذا جاوز السر اثنين فشا يا فتانا إذا حفظت الكلمة ملكتها. وإذا قلتها ملكتك يا بني إذا عجزت عن حفظ سرك فغيرك أعجز! .. أسياج من النصائح أسوار من التعاليم حواجز صلبة في بنيتها شاهقة في ارتفاعها ليس من السهل القفز عليها. ممنوع الاقتراب من أسلاكها الشائكة! 

ومنها أيضًا عوامل شخصية صفات فطرية وتلاقحات مكتسبة. تتفاعل وتتعاضد فتلبس صاحبها ثوبًا من الذاتية. وتبني سياجًا من الهيبة قلعة ذاتية حصينة تستهوي صاحبها بحب المحافظة عليها. بل وبتنميتها. ولو بالتصنع!!!.

هكذا تربيت وعلى هذا نشأت ومن شب على شيء شاب عليه.

لقد شاء القدر أن تكون تلك النشأة مقدمة لما بعدها..

ولقد جاء يوم ما بعدها ذاك. 

عندما عدت يوماً لأجد أبي العزيز مهمومًا على غير العادة. وإن كانت مكانته كأحد أعمدة مجتمعنا المحافظ تضع حوله هالات من الجدية والهيبة اقتربت منه أو بالأحرى اقترب مني فترك لي مساحة من الشجاعة لأسأله. عما أهمه وشغل باله. وكأنما كان في انتظار مبادرتي الشجاعة. غمز لي بأن ألحق به في غرفته. وبدأ الرجل المهيب حديثه يا ولدي أنت اليوم رجل وكبيري. ووريث مالي وعاداتي وأنت الآن الوحيد الذي يجب أن أحكي له عن سري دون تحفظ. ثم نظر إلى نظرة عميقة ارتجف فؤادي من حدتها. وبدأ في سرد مكنوناته الدفينة. وأنا أستمع في دهشة لساني تعقده الحقائق عيناي تتسعان فمي لا يجد سبيلاً للتعبير سوى الزيادة في فتحه أنفاسي تتلاحق. دقات  قلبي أكاد أسمعها. تدق كصيحات الخطر!

وانتهى اللقاء وليس في وسعي سوى أن أكون محل تلك الثقة العظيمة. وازدادت ثقتي بنفسي واستهوتني تلك المكانة التي أرضت غروري وصنع بي التصنع ما صنع حتى إنني كنت أتحاشى النظر إلى وجه أبي. حتى لا أتهمه في نفسي بالضعف عن حمل سره الكبير الذي أثرني به دون الناس جميعًا. وحاشا للرجل أن يتهم بهذا فأنا معه في رأيه بوجوب المشاركة في الأحمال ولكنها التربية والنشأة الخاصة التي نشأت عليها.

لدرجة أنني عندما علمت بخبر تعييني في تلك المدينة البعيدة سعدت جدًا. وذلك حتى أقوى على خوض التجربة تجربة الاعتماد على النفس والقدرة على تحمل ما بي من أثقال وتعاليم وأمانات عائلية وأوراق وإن شئت قلت وثائق مستقبل أسرتنا! 

حملت أثقالي وأوراقي ورحلت وفي نيتي أن أجني فوائد السفر السبع! وتسلمت عملي. وبدأت رحلتي العملية.

ثم كان لقائي مع أبي حافظ

وبدأت معرفتي بالرجل اقترب مني واقتربت منه لم تمض مدة حتى توثقت العلاقة جيدًا. أحسست معه بروح الزمالة الطيبة والصداقة الوطيدة. وبدأت حواجزي تنهار أمام ثقتي به الواحد تلو الآخر هون على كثيراً من رهبة المدينة. وزحام الحياة وخفف عني كثيرًا من الأحمال والأثقال.

وكنت كلما اقتربت كان بحكمته يعالج توجسي من توغله في داخلي. وكأنه كان يقرأ أفكاري كان يؤكد أن من سمات الرجولة أن يحافظ الرجل علي سر صديقه ويحترم ثقته فيه وكنت سعيدًا بهذا الرفيق الودود الوحيد الذي اقتحم أسوار قلعتي.

 ولم يشعرني يومًا أن أتحفظ في بثه ما بي من هموم وأحمال وأسرار.

ذات يوم حادثته، لقد خفت على أوراقي ففضلت أن يحملها معه حتى لا تتناثر أو تقع في يد العامل الذي ينظف غرفتي في «البنسيون» الذي أقطن به ويشاركني بعض الزملاء في باقي غرف الشقة. خاصة وأن هذا «البنسيون» يعتبر الموئل لكل النازلين من بلدتنا وباقي القرى والنجوع

دارت الأيام. وكنا لا نكاد نفترق.

وذات يوم فوجئت بعدم وجود أبي حافظ في مكتبه قلقت جدًا تلك أول مرة لا يأتي في موعده اتصلت بالبيت منزعجًا أخبرتني أم حافظ بأنه نزل في موعده ازداد قلقي فكرت أن أنزل الشارع بحثًا عنه وقلقًا عليه على رفيقي في هذه البلدة الكبيرة على صديقي على كاتم أسراري كانت دقات قلبي تتسارع مع كل لحظة تمر مع كل رنة هاتف مع كل باب يفتح وبعد مدة دخل علينا أحد الزملاء وهو يسرع إلى مكتب المدير. ترى ماذا حدث؟! قال لنا في لهفة. لقد تعرض أبو حافظ لحادث مروري رهيب. وهو الآن بالمستشفى وحالته سيئة في غرفة العناية المركزة.

سابقت الرياح دون إذن حاولت إقناع الطبيب الذي منع الزيارة بأنني فقط أريد أن ألقي نظرة عليه لن أكلمه لن أحادثه لن أزعجه نظرة فقط تطمئنني عليه لعله ينظر إلى مجرد نظرة تطمئنني على كل شيء عليه على أوراقي. ولكنه رفض!

 لحظات مرت علي وكأنها ساعات طويلة أول مرة أشعر بالخوف في تلك المدينة أول مرة أشعر بالضعف أول مرة أشعر وكأنني مقيد من يدي. مكبل العنق مغلول مخنوق قلق أول مرة أشعر وكأنني مملوك.

 افقت على صرخة رهيبة فإذا بي أمام بعض النسوة إحداهن تبدو منهارة تصرخ زوجها.

تصرخ ابا حافظ

 مادت بي الأرض. جلست على أقرب أريكة وكأنني أسقط في هوة ما لها قرار كل الدنيا صغرت أمامي بدأ الخوف يتعاظم ويتعاظم. وكأنه وحش وتعاظم معه ضعفي فانكمشت أكثر وانهرت باكيًا لأجد بجواري زملائي في العمل يأتون الواحد تلو الآخر. واقترب مني ذلك الزميل الذي حمل لنا الخبر صباحًا. وكان في صحبته بعض جيران أبي حافظ وكانت دهشتي أن من بينهم أحد أبناء بلدتنا ومعه زوجته ترافق أم

حافظ!

قال لي زميلي وهو يربت على كتفى مهدئًا: لم

أسرعت أيها الرجل؟ لقد ترك أبو حافظ - رحمه الله- رسالة أملاها على وهو في نزعه الأخير.

 يسلم عليك ويطمئنك بأن الأمانة في مكان أمين. لا تقلق عليها. إنها في صندوق أم حافظ! 

العدد (۳۹) من الزهور 

قواعد الحوار الزوجي

المناقشة والحوار بين الزوجين أهم الدعامات التي تقوم عليها السعادة الزوجية فكل الأزواج يعرفون كيف يتشاجرون ويتجادلون، ولكن القليل منهم يعرف كيف يتحاور.

وفي العدد الجديد رقم (۳۹) من مجلة «الزهور» يضع الدكتور رشاد عبد اللطيف قواعد للمناقشة الهادفة والمثمرة بين الزوجين.

 أما ملف العدد فعن «الإنترنت في الميزان» بهدف وضع الإنترنت في ميزان التقييم الموضوعي، داعين الموقف وسط من شبكة المعلومات بين الانبهار والرفض.

أما «زهرتنا» فقد عانت الغربة وفراق الأهل والأحباب، وتركت فلسطين مع زوجها ليواصلا معًا مشوار الجهاد من أجل القضية المقدسة الأستاذة نادية العشب زوجة المجاهد موسى أبو مرزوق.

 الخطة الشهرية لإصلاح نفوسنا وتربيتها، وشعار هذا العدد «النية».

بالإضافة إلى الأبواب الثابتة لقمة هنية نبع البركة، الإنسان إرادة.. إلخ.

مركز الإعلام العربي

ص. ب: ٩٣ - الهرم - الجيزة - مصر

ت: ٢٠٢/٣٨٣٣٣٦١/٣٨٤٤٤٢٢ - ت ف: ٢٠٢/٣٨٥١٧٥١

E-Mail: media-c@ie-eg.com

الرابط المختصر :