العنوان قصة قصيرة .. رؤية جميلة
الكاتب محمد علي وهبة
تاريخ النشر السبت 28-ديسمبر-2002
مشاهدات 59
نشر في العدد 1532
نشر في الصفحة 52
السبت 28-ديسمبر-2002
بقيت أسئلته كلها بلا أجوبة، لا يشعر بالرغبة في التفكير في أي شيء يشعر فقط بخمود وجمود كل شيء من حوله داخل غرفة نومه، التي يتمدد فيها على سريره، حتى جو المساء الخارجي، الذي يظهر جانب كبير منه من خلال زجاج النافذة المغلقة، لا يرى فيه سوى جزء من قبة السماء المعتمة، تنتشر فيها ثقوب كثيرة بيضاء الأضواء النجوم وبعض رؤوس المباني تبتلعها ظلمة المساء.
إنه المساء الأخير لإجازتك.
وسأل نفسه، وهو يلوي شفتيه بامتعاض:
استخرج غدًا؟!
ترك السؤال بلا إجابة لم يشعر بالرغبة في التحدث إلى نفسه، أو حتى مجرد النظر لأحد، فلم ينظر لزوجته التي دخلت عليه، وهي تضم طفلهما الصغير بلفائفه في حضنها.
قضيت إجازتك كلها في النوم. ألم تشبع نومًا؟ الجو جميل.
ثم قالت وهي تتجه للنافذة:
لماذا لا تفتح هذه؟
فصاح فيها:
اتركيها
فتركتها، ووقفت تتأمله مستغربة سألته ماذا بك؟!
هبطت على رأسه فكرة غريبة في تلك اللحظات، بأن يستقيل من عمله.
ظل منشغلًا بها، دون أن يجيبها على سؤالها
دار حوار طاحن بينه وبينها بعد أن أخبرها بها.
لماذا؟
ربما للتغيير.
وماذا ستفعل بعدها؟
لم أحدد بعد!
ونفقات البيت؟
ظل غارقًا في تأملاته.. أخرجته من داخل رأسه.
أراك على غير طبيعتك لماذا ؟!
أحتاج للانعزال
ما ينقصك الاندماج وليس الانعزال.
هبطت على رأسه فكرة أخرى مثيرة، بأن يسافر لمكان بعيد، ظل منشغلًا بها دون تعليق على قولها أحس ببريقها يغوص في نبض قلبه إلى آخر الأعماق. واحتواه شعور مفاجئ بالارتياح، فنهض منتفضًا وهو يتمطى للخلاص من إحساسه بالكسل.
تقدم نحو طفله الصغير حمله عنها، ضمه إلى حضنه، غمره بالقبلات احتواه شعور مفاجئ بالقلق على مستقبله، وهي تنظر إليه مستغربة وتسأله:
لماذا تحتضنه بكل هذا الشوق كأنك تودعه.
قال مبتسمًا، وهو يعيده لحضنها:
فعلًا قررت أن أسافر
إلى أين؟
ربما إلى مكان بعيد!
صاحت بصوت مشحون بالقلق:
أهناك جريمة ارتكبتها؟
أبدًا
أيضايقك أحد في العمل لا
لماذا تريد السفر؟
انفجر صائحًا:
أهو تحقيق؟
غامت نظراتها الحائرة، وهي تتأمله، ثم وهي تسأله:
لماذا لا تفكر في أصل المشكلة. وتحاول حلها؟
تجمدت ملامحها وأوصالها، وهو يقول لها:
أرجوك. أريد الاختلاء بنفسي.
امتلأ فراغ المكان فجأة بصوت بكاء وليدها فضمته لحضنها، وهي تجاهد لإخفاء لوعة قلبها. وأدارت له ظهرها، ثم انصرفت من الغرفة بهدوء.
نام عميقًا حتى الثلث الأخير من الليل بعد أن تناول وجبة غداء خفيفة بشهية غير مفتوحة.
نهض من نومه على صوتها، الذي شعر به يتردد بقوة داخل رأسه.
«ينقصك الاندماج وليس الانعزال».
تكررت الكلمات في رأسه مرات بلهجات متصاعدة برفق، ثم بشدة، بطريقة مثيرة للانتباه فبدأ يتذكر أنه قضى إجازته الطويلة بكاملها قابعًا بين جدران بيته المغلقة، وانفجر صوت مفاجئ داخل نفسه، قائلًا له:
«الحالة المؤسفة التي أصابتك هي بسبب احتباسك في الأماكن المغلقة».
وصار الصوت نفسه منغومًا، حالمًا، ساحرًا. جانبًا لنبض قلبه وروحه، وهو يقول له:
لا تنعزل اخرج اندمج بالناس وبسمة شفتيك ممطوطة لآخر وجنتيك. اندمج بنسائم هواء الجو المنعشة، وأشعة الشمس البارقة في علياء السماء، وضياء النجوم الطوافة في مسافات الفضاء بتسابيحها الضوئية، الكاشفة عن مباهج روح الحياة.
انتفخ صدره بشهيق طويل، أخرجه في زفرة واحدة بطيئة، ممدودة منعشة أحس بعدها بفرحة كبيرة تغمر نبض قلبه بعد طول انقباض، ووجد نفسه ينهض وإحساسه بالسعادة يسبق خطواته، وهو يتجه للنافذة، التي انفتحت سريعًا بعد أن دارت بمقبضها.
وقف يستنشق هواء الجو الليلي المنعش الطليق.
ظل واقفًا لبعض الوقت يتأمل حشود النجوم الهائلة في أعالي السماء، وهي تشارك بكل حماس نبضها الساخن التغيير وجه العتمة إلى أطياف ضوئية مبهجة.
كانت أنفاسه تتقطع من فرط إحساسه بالسرور، وهو يحاول الاندماج بسحر ضوئها البهيج، ظل يتأملها، وهي ثابتة في أماكنها الظاهرة لا يفكر أي نجم منها في ترك مكانه، والانسحاب من الحياة، أو ينعزل بضوئه عن أضواء النجوم المحيطة به تمنى أن يكون مثلها، ممتلئًا بأطياف الضوء نفسه ليملأ الحياة نورًا على الأرض.
ارتسمت صورة قرار جديد جميل داخل وهو سابح في تأملاته السارة، بأن يذهب ليتوضأ حالًا، ويقرأ ما يتيسر من القرآن، ثم يصلي الفجر ويخلد قليلًا للنوم حتى الصباح، ليخرج بحماس جارف عاصف بالشوق للمشاركة في العمل مع الزملاء، مع بدء امتلاء الدنيا بمباهج ضياء السماء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل