; مداد القلم: قصتي مع بائع الحليب | مجلة المجتمع

العنوان مداد القلم: قصتي مع بائع الحليب

الكاتب جاسم المطوع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1992

مشاهدات 63

نشر في العدد 1018

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 29-سبتمبر-1992

القلق نتيجة حتمية لعدم الإيمان

رحلة خيرية إلى المغرب وبداية غير متوقعة

كنت في زيارة خيرية في المملكة المغربية أبحث فيها عن الأيتام والأسر المتعففة، وأرى فيها أحوال المسلمين هناك لتوفير ما يحتاجونه من مستلزمات الحياة.

استأجرت سيارة، وانطلقت متوكلًا على الله- تعالى- باتجاه الجنوب، وأنا لا أعرف أحدًا، ولا أحد يعرفني، وكنت أفكر دائمًا: كيف سأدخل القرى وأتعرف على أهلها، وكل الأسباب التي معي هي بعض المفاهيم والمعاني الإيمانية، مثل «من كان مع الله كان الله معه»، و ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍعَبْدَهُ﴾ (الزمر:36)... وغيرها...

وفجأة رأيت شابًا يقف على حافة الطريق، وأمامه سطلٌ من الحليب، وكانت الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، وكنت على بعد خمسمائة كيلو متر تقريبًا من الدار البيضاء، وقفت بقربه، ونزلت من السيارة، وعرفته بنفسي وهدف مجيئي، وكذلك هو عرفني بنفسه، وفرح عندما علم بقدومي، فركب معي بالسيارة، ووضع الحليب في حضنه، وأخذ يرشدني إلى قريته، والتي تبعد ثلاثة كيلو مترات داخل الصحراء.

التعرف على أحوال القرية وعبرة القدر الإلهي

نزلت القرية، وتعرفت على أحوال المسلمين فيها، وعلمت أنهم يشتكون من قلة الماء وندرته، وفقر المعيشة وشظفها، وبعد المدرسة عنهم، وكذلك المستوصف.

ورأيت الأيتام في القرية، وتعرفت عليهم، وعلمت أن عشرة دنانير كافية لكي تطعم اليتيم، وتقيه وتعلمه وتكسوه شهريًا، وتناولنا عندهم الغداء، والذي كان الشاي- وهو الشراب الرئيسي- مع التمر وبعض المكسرات.

وأثناء خروجي من القرية قبيل المغرب، قلت لصاحب الحليب: بارك الله فيك، وأسأل الله أن يوفقنا لكل خير، فقال لي: هل تسمح لي أن أخبرك بأعاجيب قدر الله؟

قلت: تفضل.

قال: أولًا: كنت أتحدث مع شباب القرية صباح هذا اليوم عن مشكلة الماء؛ فقذف الله بك إلينا اليوم لتساعدنا.

ثانيًا: أنا أملك دراجة نارية، وكل يوم أذهب بالحليب إلى السوق بدراجتي فأبيعه، ولكن اليوم تعطلت دراجتي؛ فاضطررت للمسير على الأقدام إلى الطريق، وقدر الله أن أتعرف عليك.

ثالثًا: وقفت على الطريق من الساعة الثانية عشرة ظهرًا، وتمر علي سيارات كثيرة، ولا أعرف لماذا لم أمد يدي إليهم ليحملوني معهم؟!!

ولكن الآن عرفت السبب.. إنه قدر الله الذي عطل دراجتي، وأسير بالحليب وحدي، حتى أتعرف عليك.

قلت: سبحان الله! ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزمر:36)؟!...

مفهوم التوكل على الله

ثم نظرت إلى الحليب، وقلت له: أعتقد أنه فسد، أليس كذلك؟

قال: نعم... فدفعت له قيمة الحليب بعد فساده، ولأول مرة في حياتي أدفع ثمن شيء فاسد.




 

الرابط المختصر :