; قضايا الجيل الجديد.. تنقيح الدستور حسب الشريعة الإسلامية مطلب تربوي كبير الأهمية | مجلة المجتمع

العنوان قضايا الجيل الجديد.. تنقيح الدستور حسب الشريعة الإسلامية مطلب تربوي كبير الأهمية

الكاتب جمال الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1977

مشاهدات 50

نشر في العدد 353

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 07-يونيو-1977

• أثر تنقيح الدستور في ضوء الشريعة ليس أمرًا ثانويًا بل هو أمر رئيسي على سير العملية التربوية.

• تنقيح الدستور في ضوء الشريعة الإسلامية سيوفر لنا منهجًا تربويًا متوازيًا ومتناسقًا ومتكاملًا يشمل جميع جوانب الحياة.

بسم الله الرحمن الرحيم

تعرضنا في العدد السابق في هذا الباب إلى التحولات التربوية المهمة التي ستحدث في النظام التربوي في كويتنا الحبيبة، وقلنا إن نجاح هذه الأنظمة الجديدة يعتمد بصورة رئيسية على مدى إخلاص المدرس وطرحه للموازين المادية جانبًا كما يعتمد على مدى اندفاع الطالب وقناعته الأكيدة بأهمية العلم والتعلم، ومع أنه في اعتقادنا أن هذا الأمر صحيح لا شك فيه إلا أنه كان يعالج قضية معينة فأتى بهذه الخصوصية، أما الآن فإننا نستطيع أن نعمم القول فنقول بكل صراحة ووضوح: إن نجاح النظام التربوي الذي سيساهم في بناء الجيل الجديد لا بد أن يقوم على أساس منهجية صالحة يعتمد عليها وتحكم جميع جوانبه التربوية والفكرية، منهجية يلتزم بها المدرس بل ويقتنع بها ومن ثم يندفع في تحقيق مراميها كما يتربى عليها الطالب منذ حداثة سنه فيشب عليها ويتشرب مبادئها فيصعب عليه أن يشذ عنها وبالتالي تستطيع هذه النظم التربوية أن تنشئ، بنجاح، جيلًا موحد الفكر والسلوك يسعى لتحقيق أهداف واضحة.

هذه المنهجية التربوية اللازمة لنجاح النظام التربوي لا تنشأ من الفراغ ولا يجوز بأي حال من الأحوال استيرادها أو متابعة قومًا آخرين، ليسوا من مجتمعنا، فيها. إن المنهجية التربوية الملائمة هي المنهجية التي تنطلق من واقع المجتمع لتعالج قضاياه وتضع الحلول الناجعة لها، فكلما كانت نابعة من المجتمع ومثله وقيمه وتراثه وموضوعه لتسهم في رفعته وتقدمه إلى الأمام كلما كانت التربية أكثر تأثيرًا في الطلاب وكلما كان مردودها على المجتمع أكبر وأوضح في المستقبل، ولعله يحق لنا في هذا المقام أن نذكر ونقول إن فشل نظمنا الحالية التربوية ليست ناتجة من أخطاء فيه تتدارك باستحداث نظام المقررات وغيره ولكنها ناتجة في المقام الأول من عدم وجود القاعدة التربوية الواضحة التي يسير عليها المدرس ويتربى عليها التلميذ فالمدرس في أغلب الأحوال لا يرى التدريس إلا وظيفة كباقي الوظائف بل ويراها وللأسف الشديد وظيفة مرهقة تتميز عن باقي الوظائف في الحكومة بالإرهاق وشدة التعب وعلى أساس هذه النظرة فهو يكتفي فقط بتلقين المادة العلمية دونما اهتمام بزرع القيم والتقاليد الصالحة في نفوس تلاميذه. وبالمقابل، ونظرًا لموقف معظم المدرسين هذا الموقف، لا يستطيع الطالب أو التلميذ أن يدرك لماذا يتعلم؟ وما فائدة العلم الذي يدرسه؟ ما هو موقفه من قضايا أمته ومجتمعه؟ ماذا يريد مجتمعه منه بعد أن رباه وعلمه وبذلك رأينا أجيالًا عديدة من المثقفين الذين لا يستطيعون بل لا يعرفون كيف يساهمون بشكل فعال ومثمر في تقدم المجتمع وحل قضاياه ومشاكله.

والآن قد يسأل سائل: ما علاقة تنقيح الدستور حسب الشريعة الإسلامية وهذه المقدمة عن ضرورة وجود منهج تربوي واضح يسير عليه النظام التربوي؟ سيكون الجواب واضحًا في أذهاننا إذا علمنا أن القوانين الدستورية التي تسير عليها الدولة أو المجتمع تمثل الأعمدة الرئيسية التي تحدد فلسفة المجتمع وموقفه من كثير من الأمور الداخلية والخارجية التي تؤثر عليه، فالقوانين هي أعلى سلطة تضبط أفراد المجتمع والخروج عليها يستوجب العقاب والردع لذلك ونظرًا لهذا المركز الحساس لهذه القوانين كانت لها خاصية رسم الفلسفة الخاصة بالمجتمع الذي تحكمه، وكويتنا الحبيبة مقدمة على خطوة خطيرة وحساسة تتعلق بتنقيح الدستور السابق لها وتعديله أي بمعنى آخر تعديل القوانين الخاصة به وبالتالي تحديد فلسفة جديدة للمجتمع الكويتي تسير عليها كافة المؤسسات الحكومية ومنها المؤسسات التربوية، لذلك وقبل أن يحدث هذا التنقيح رأينا أن نلفت النظر في هذا الباب الذي يعالج قضايا جيلنا الجديد إلى أن تنقيح الدستور حسب الشريعة الإسلامية سيوفر لنا منهجية متوازنة ومتناسقة ومتكاملة تشمل جميع جوانب الحياة وتضع الخطوط العامة التي يسير عليها المجتمع في كافة النواحي دونما تضارب أو تعارض، فكما هو معروف عن الشريعة الإسلامية أنها أتت لتنظم جميع جوانب الحياة فهي ترسم قواعد الجزاء والقصاص جنبًا إلى جنب مع قواعد الاقتصاد والتجارة والسياسة كل ذلك داخل إطار متكامل من القواعد الخلقية والإيمانية التي تضمن أن يلتزم الناس بها حتى وإن غاب القانون أو من يمثله من الشرطة والجيش.

وإن هذه النظرة التي ننظرها إلى تنقيح الدستور حسب الشريعة ليست نظرة ثانوية أو نظرة يمكن التغاضي عنها أو إهمالها عند مناقشة تنقيح الدستور من ناحية قانونية أو سياسية! ولكنها رئيسية ويجب أن ينظر إليها بعين الاعتبار فبغض النظر عن الفائدة التي لا تعد ولا تحصى التي يمكن جنيها من تطبيق الشريعة في مجال الاقتصاد والجزاء والسياسة وغيرها فإن مجرد سيطرة الشريعة وضبطها للمجتمع ورسمها لقيمه وفكره من خلال جعلها المصدر الرئيسي للتشريع في الدولة، إن مجرد هذه السيطرة ستحتم على المجتمع أن يسير بفلسفة واضحة تعالج كل جوانب الحياة وبالتالي فإن المؤسسات الحكومية ومنها المؤسسات التربوية -محل بحثنا- ستلتزم بهذه الفلسفة شاءت أم أبت وعندها ستستطيع بعد فترة أن تخرج جيلًا -كما قلنا- موحد الفكر والسلوك يسعى سعيًا حثيثًا لتحقيق أغراض يمليها عليه واقع مجتمعه ومتطلباته وقضاياه.

ويحق لسائل هنا أن يسأل: إذا كان الأمر مجرد فلسفة تسير عليها المؤسسات التربوية، فإن أي تنقيح للدستور بأي طريق سيرسم فلسفة لها كما اتفقنا منذ قليل. إذن فما معنى إصراركم على أن يكون التنقيح وبالتالي الفلسفة منطلقة من وجهة النظر الإسلامية؟ وإنه لسؤال جميل حقًا! يكفي للرد عليه أن نقول إن الناس وخاصة في البلاد العربية قد ذاقت ويلات الفلسفة المتضاربة التي ترسمها القوانين الوضعية فلسفة وضعها بشر مثلنا وبالتالي لم يتمكنوا من معالجة كافة الجوانب بدرجة كبيرة من التناسق كتلك التي تتوفر في الشريعة الإسلامية وحتى يكون كلامنا حيًا فلنمثل بأمثلة حية: خذ مثلًا الطالب الذي يدرس التربية الإسلامية من بين مقررات منهجه الدراسي لأن هناك نص في قانون مجتمعه يقول «دين الدولة الإسلام» وخلال دراسته تمر عليه آيات من القرآن تخاطبه فتقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (البقرة: 278) ولكنه يخرج إلى الحياة العملية أو بل قل ينظر إلى أهله ومجتمعه فيجدهم وقد انبنت كمية كبيرة من معاملاتهم التجارية والاقتصادية على نظام الفائدة الربوية، وذلك لأن هناك فقرات من قانون مجتمعه تنظم وتقنن نظام الفائدة الربوية.

 قل لي بالله عليك أخي السائل، كيف تتوقع أن ينشأ هذا التلميذ ويتربى وقد عجز قانون مجتمعه عن أن يرسم له فلسفة واضحة محددة؟ والشريعة الإسلامية كما هو معروف وبشهادة الأعداء قبل الأصدقاء تتميز بأنها ذات قدرة كبيرة بل ذات قدرة مطلقة على انتظام جميع جوانب الحياة فيها دونما تضارب وتعارض وبالتالي فإنها سترسم فلسفة واضحة لا تضارب فيها ولا تعارض تنعكس على المؤسسات التربوية فتساهم في إعداد جيل واع متماسك يسعى لأهداف واضحة محددة.

انطلاقًا من هذا التصور نطالب بأن يتم التنقيح حسب الشريعة الإسلامية الغراء حتى تتحدد بوضوح فلسفة المجتمع وقيمه وأفكاره وبالتالي يسهل على وزارة التربية أن تبتكر بفضل جهود المخلصين من أبنائها أفضل السبل لتخريج جيل جديد مهتم بالعلم والتعلم في ظل فلسفة تربوية واضحة تقيه شر التضارب والتميع الذي بدا واضحًا في الأجيال السابقة.

الرابط المختصر :