; قضايا العرب والمسلمين في قمة ريكافيك | مجلة المجتمع

العنوان قضايا العرب والمسلمين في قمة ريكافيك

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1986

مشاهدات 65

نشر في العدد 788

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 21-أكتوبر-1986

  • لقاء القمة وسيلة لضبط مسار الصراع بين العملاقين وتحويله إلى صراع بالوكالة!
  • أطراف عربية تتبنى الموقف السوفياتي وتنفيذ السياسة الأميركية!

منذ أعلن ريغان وغورباتشوف عن نيتهما لعقد قمة في أيسلندا هرع الزعماء العرب للاتصال بهما التماسًا لإدراج «قضية الشرق الأوسط» على جدول أعمالهما. وبما أنهما لم يبحثا هذه القضية في لقاء نوفمبر العام الماضي، فقد كانت آمال الزعماء العرب في هذا اللقاء كبيرة وعريضة. ومع أن الزعيمين لم يبحثا موضوع الشرق الأوسط إلا لماما، وربما على مستوى الخبراء إلا أن بعض الزعماء العرب مازالوا يأملون ولا يزالون حتى يوافيهم الأجل! فهل لهذا الأمل من أساس، وما هي حدوده؟

وسيلة مبتكرة

قبل كل شيء لابد من القول إن برنامج لقاء القمة بين العملاقين تم تطويره كإحدى وسائل ضبط مسار الصراع بين القوتين وبحيث لا يصلان إلى مرحلة المواجهة الشاملة، خاصة بعد تطوير تكنولوجيا الحرب النووية لدى الطرفين.. وإذا كانت القمة الأولى في يالطا عام ١٩٤٥ قد كرست توزيع غنائم الحرب فيما أطلق عليه بتقسيم مناطق النفوذ، فإن القمم اللاحقة كانت تهدف لضبط الصراع على مناطق النفوذ، للحيلولة دون ظهور قوة عالمية ثالثة ولإبقاء الصراع الإقليمي محتدمًا نظرًا لما يتيح لكل طرف من محاولة توسيع النفوذ من جهة ولما يعود على الطرفين من مصالح عسكرية واقتصادية من جهة أخرى.. وهذه هي حقيقة العلاقة بين المعسكرين على الرغم من دعاية الوفاق الدولي التي راجت في أعقاب قمة ١٩٦١ بين خروتشوف وجونسون والتي لم تكن في جوهرها غير الاتفاق على أن يكون الصراع بين العملاقين عبر الوكلاء الإقليميين، مع فتح مجال لتطوير العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية بين الطرفين.

دوافع

من الطبيعي أن تكون لكل قمة دوافعها وظروفها الخاصة، وفيما يتعلق بقمة ريكافيك فإن الدوافع التي دفعت الطرفين لعقدها هي دوافع خاصة بظروف كل من البلدين وبالصفات الشخصية لكل من ريغان وغورباتشوف.

في الولايات المتحدة يشعر المسؤولون الأميركيون بأنهم متفوقون على الاتحاد السوفياتي ولكنه تفوق لا يسوغ الشعور بالأمن، كما لا يمكن الاطمئنان لاستمراره في المستقبل، وبما أن سياسة التصلب التي اعتمدتها إدارة ريغان في التعامل مع السوفيات قد أدت إلى كسب السوفيات بعض المواقع السياسية في بعض محاور الصراعات الإقليمية، اتجهت السياسة الأميركية إلى تخفيف التوتر مع الاتحاد السوفياتي، مع محاولة الحصول منه على تنازلات بشأن ضبط التسلح النووي ونشر الصواريخ الهجومية في أوروبا وآسيا، ولما كانت شخصية ريغان تميل إلى الاستعلاء والتصلب لقي هذا التوجه فرصته المناسبة.

ومن جهة الاتحاد السوفياتي فإنه يعاني من مشكلة اقتصادية وتكنولوجية، وعندما حاول مد الجسور مع دول أوروبا الغربية لمبادلة الغاز الطبيعي والنفط بالتكنولوجيا الغربية وقفت له أميركا بالمرصاد. ولما كان غورباتشوف يطمح لتكريس نفسه كشخصية سوفياتية تاريخية كستالين وخروتشوف من خلال برنامج إصلاح اقتصادي وإداري استطاع أن يحصل على موافقة الحزب الشيوعي السوفياتي عليه، فإنه أراد من لقاء القمة مع ريغان التوصل لتفاهم يمكنه من المضي في هذا البرنامج.

ولما لم يتم التوصل لنتائج حاسمة في لقاء العام الماضي، حاول غورباتشوف أن يعد لنجاح قمة العام الجاري فأعلن عن استعداده لتقديم تنازلات في قضية ضبط التسلح النووي وخفض عدد الصواريخ الموجهة إلى أوروبا وآسيا إلى النصف تمهيدًا لإزالتها نهائيًا.

قمة أيسلندا

وبعد أن عقدت القمة في ريكافيك تبين أنها كانت قمة تناولت أدق التفضيلات وقال الطرفان بإنهما كادا يتوصلان لاتفاق محكم.

واتفقت رواية الطرفين بأن سبب الإخفاق في التوصل للاتفاق كان إصرار السوفيات على تقييد أبحاث مبادرة الدفاع الاستراتيجية الأميركية المعروفة بحرب النجوم ورفض الأميركان لذلك رفضًا مطلقًا، ولأن النقاش كان جادًا وحارًا فقد استمرت اللقاءات يومين استغرقت إحدى عشرة ساعة ونصف بين الزعيمين وثمان ساعات ونصف بين الخبراء.

وكان الطرفان قد اتفقا على التعتيم الإعلامي على نتائج المباحثات، لكنهما اضطرا للكشف عن بعضها فيما بعد، خاصة وأن كل طرف عرض النتائج على المسؤولين في بلاده.

وقام السوفيات باطلاع حلف وارسو والأميركان باطلاع حلف الأطلسي على المباحثات.

نصيب الشرق الأوسط

قبل انعقاد القمة ادعى بعض المسؤولين العرب أن السوفيات أبلغوهم بأنهم سيدرجون موضوع الشرق الأوسط على جدول اللقاء، فيما أكد ريغان لقادة العدو الصهيوني بأنه سيدرج مسألة هجرة اليهود السوفيات ضمن شروط الاتفاق مع غورباتشوف!

ولكن مباحثات أيسلندا -وكما قال أكثر من مسؤول أميركي- لم تتطرق للقضايا الإقليمية المهمة إلا لمامًا. وبالطبع فإن قضية الشرق الأوسط من بينها.

ويقول وليم كوانت إن مسألة أفغانستان هي القضية الإقليمية الوحيدة التي تم بحثها. ولكن طالما لم يتم التوصل لاتفاق بشأن القضية الأساسية وهي تقييد الأسلحة الاستراتيجية، فإنه لم يتم الاتفاق على أي من المسائل الإقليمية.

وجاءت ردود الفعل الدولية الأولية لتؤكد هذه الحقيقة، حيث ناصر كل تابع حليفه، مع ملاحظة أن ردود الفعل الأوروبية خاصة فرنسا وألمانيا حملت في طياتها لوما لريغان لعدم توصله إلى اتفاق مع غورباتشوف، ويرجع هذا كما هو معروف لتحفظ هذه الدول على مبادرة الدفاع الاستراتيجية الأميركية، ورغبتها في تنمية العلاقات الاقتصادية مع السوفيات.

أما الصين فقد علقت على لقاء ريكيافيك بأنها أثبتت أن أميركا والاتحاد السوفياتي «شبحان يسعيان إلى إظهار التفوق العسكري»!

ومما يثير العجب أن الزعماء العرب كانوا راغبين في أن يتوصل العملاقان لاتفاق بشأن الشرق الأوسط، مع أن هذا الاتفاق فيما لو تم سيكون لصالح العدو الصهيوني بشكل أساسي. ولذلك جاء رد الفعل الصهيوني آسفًا «لعناد» الرئيس ريغان، لأنه وضع حدًا «لآمال المنشقين اليهود في الاتحاد السوفياتي الذين أصبحوا يتوقعون موقفًا أكثر تشددًا حيالهم» كما قال راديو العدو الصهيوني.

وتوضيحًا لهذه الحقيقة قال البروفيسور شلومو أفنيري: «الوفاق بين الدولتين يخدم المصالح الإسرائيلية سواء فيما يتعلق بأمن المنطقة، أو مستقبل اليهود في الاتحاد السوفياتي»!

أما لماذا سيكون اتفاق العملاقين حول الشرق الأوسط لصالح العدو الصهيوني؟ فإنه يعود إلى أن السوفيات أبدوا مرونة في موقفهم، كواحد من التنازلات التي قدموها لأميركا لتوافق على تأجيل أو إلغاء برنامج حرب النجوم، الأمر الذي يمكن السوفيات من تنفيذ برامجهم الاقتصادية القائمة على زيادة الإنتاج والاستهلاك في قطاع سلع الرفاه الاقتصادي.

سر عجیب!

وهكذا فإن حقائق لقاءات القمة بين الأميركان والسوفيات بشكل عام، ولقاء ريكيافيك بشكل خاص، تبين أن هذه اللقاءات ليس فيها مصلحة واضحة للسياسة العربية، بل على العكس من ذلك فإنها في حالة الوفاق بشكل خاص، تكون في صالح العدو الصهيوني. وهذا يعيدنا إلى التساؤل الذي طرحناه ابتداء وهو: لماذا يأمل بعض المسؤولين العرب والفلسطينيين في لقاءات القمة بين العملاقين؟!

وإذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية التي وجدت نفسها مرفوضة سياسيًا من قبل التحالف الأميركي- الصهيوني وبعض الأطراف العربية تجد بعض العذر في أملها بأن الاتحاد السوفياتي سيقف بجانبها لكي تكون رقمًا في معادلة الشرق الأوسط، فإنه لابد أن يكون هناك سر عجيب وراء مواقف بعض الأطراف العربية التي تتبنى الدعوة السوفياتية لعقد مؤتمر دولي لحل أزمة الشرق الأوسط، فيما تحاول هذه الأطراف نفسها عزل قيادة منظمة التحرير وإيجاد بديل لها!

وإذا علمنا أن هذه الأطراف تتناسق مواقفها السياسية في كثير من الأحيان مع مقتضيات السياسة الأميركية، أمكننا القول بإن سياساتها إزاء القضية الفلسطينية تخدم المخطط الصهيوني، على الرغم من التذرع بالحرص الشديد على مصالح الشعب الفلسطيني والادعاء ليل نهار بالوقوف في وجه المخططات الإمبريالية!

ولتكريس حالة اليأس والقنوط التي وصلت إليها الشعوب العربية بسبب سياسات الأنظمة الحاكمة تلجأ هذه الأنظمة إلى تضليل شعوبها بشأن العلاقة بين أميركا والاتحاد السوفياتي وتعميم منطق أن الأمة العربية لا حول لها ولا قوة في ظل الاستقطاب الدولي، اللهم إلا بالتبعية لهذا القطب أو ذاك!

مع أن معظمهم في حقيقة الأمر يدين بالولاء الأميركي فحسب!

ومن هنا فإن حالة العجز والتمزق التي يشهدها العالم العربي والإسلامي لا سبيل للقضاء عليها من خلال العمل على استقلال الهوية العربية سياسيًا وفكريًا وتنظيمًا، وليس من خلال التبعية لهذا القطب الدولي أو ذاك.

والمسلمون يعلمون بداهة أن الله سبحانه هو الذي يصرف الأمور كيف يشاء، وإذا نصرناه فإنه ناصرنا لا محالة ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة يوسف: 21)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

299

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان