; قضايا: المافيا الروسية تخرج من رحم الشيوعية | مجلة المجتمع

العنوان قضايا: المافيا الروسية تخرج من رحم الشيوعية

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1996

مشاهدات 230

نشر في العدد 1210

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 30-يوليو-1996

يبلغ عدد عصابات المافيا في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق 5700 عصابة منها عدة مئات ذات علاقات دولية.

يتفاءل الجنرال الروسي الشاب أليكسندر ليبيد- الذي عينه الرئيس يلتسين الشهر الماضي رئيسًا لمجلس الأمن الروسي- بإمكانية نجاحه في القضاء على الجريمة المنظمة أو ما يعرف بعصابات المافيا الروسية التي نمت وترعرعت نتيجة التحول من النظام الاشتراكي الشمولي إلى النظام الرأسمالي المفتوح على العالم منذ خمس سنوات، وقد ساعد على زيادة نفوذ عصابات الجريمة المنظمة في روسيا وغيرها من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ضعف قوات الأمن والجيش، بعد تفكك الاتحاد وتورط ضباط وأفراد قوات الأمن بأنشطة المافيا التي تعتبر مصدر رزق مغر لهم مقابل الرواتب والامتيازات الضئيلة التي يحصلون عليها.

ولا يعني هذا أن عصابات الجريمة المنظمة لم تكن موجودة أيام الحكم الشيوعي السوفييتي، فتاريخها يرجع إلى أوائل الستينيات حين كانت الشيوعية في أوج قوتها، لكنها ظلت تعمل في نطاق محدود، وكان يغلب على تلك العصابات طبيعتها النخبوية، حيث كانت تقتصر على كبار مسؤولي الحزب الشيوعي السوفييتي السابق الذين استفادوا من قبضتهم الحديدية على البلاد فسخروها لجمع العملة الصعبة وتكديسها في بنوك أوروبا الغربية.

تشير بعض المصادر الصحفية الروسية إلى أنه يوجد في موسكو وحدها الآن أكثر من ثمانية آلاف شخص مفقود، اختفوا في ظروف غامضة من شققهم ومنازلهم التي عرضت للبيع في سوق موسكو العقاري، كما توجد قوة شرطة خاصة لحل مشاكل السكن والتحقيق في جرائم القتل والابتزاز التي تتم بهدف إخلاء العقارات من مستأجريها، ففي كل أسبوع يختفي من منازلهم أكثر من مائتي مواطن من سكان موسكو، وإن أكثر الذين يحققون أرباحًا خالية في موسكو هم الذين يضاربون في العقارات وسندات الاستثمار، وهي ظاهرة فريدة من نوعها في تاريخ المال، ففي الظروف الطبيعية تشير الأرباح الكبيرة التي تتحقق من الاستثمار والعقارات إلى وجود ازدهار اقتصادي، لكن في روسيا لا شيء يتم إنتاجه أو تصنيعه، كما ان الموارد يجري توزيعها بين عصابات المافيا تحت الطاولات، ويحوِّل المضاربون أرباحهم إلى دولارات ويودعونها في بنوك أوروبا الغربية، «أندريان كري- شبكة الإنترنت».

وأحصى أندريان كري وجود أكثر من 150 عصابة كبيرة من المافيا في جميع أرجاء روسيا منها ثمانية فقط تتقاسم فيما بينها السيطرة على العاصمة موسكو، لكن مصادر أخرى قدرت عدد عصابات المافيا في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق بحوالي 5700 عصابة منها عدة مئات ذات علاقات وارتباطات دولية، وتتكهن المصادر بأن جميع هذه العصابات كانت موجودة قبل عام 1991م، وهو العام الذي انهار فيه الاتحاد السوفييتي، لكن هذه العصابات لا تعمل ضمن كارتيلات «مجموعات متحدة»، حيث تنتمي إلى  مجموعات عِرقية مختلفة لا روابط بينها داخليًا، وإنما لها أفراد في الخارج يقومون بتسويق البضائع المهربة، ويتبييض الأموال، وتنشط هذه العصابات بشكل خاص على طول طريق الحرير القديم، حيث تنقل المخدرات من المثلث الذهبي وباكستان والهند، وقد أصبحت روسيا ساحة صغيرة لا تتسع لنشاط هذه العصابات، مما جعلها توسِّع نشاطها في أراضٍ جديدة كألمانيا، والنمسا، والولايات المتحدة، وكذلك الدولة الصهيونية، وإلى أية بقعة تعيش عليها جالية روسية، فالروس معروفون بمحافظتهم على روابطهم القوية بالوطن الأم وبأقاربهم هناك، مما يعتبر منفذًا لانتشار المافيا في الخارج، ورصد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي وجود خمس عصابات روسية كبيرة في الولايات المتحدة يتفرع عنها حوالي 220 عصابة صغيرة، تعمل في 17 ولاية أمريكية «نيوزويك 1995/10/20م».

دور اليهود الروسي

وتشير مجلة «نيوزويك» في نفس العدد إلى دور اليهود الروس القوي في هذه العصابات، فلأن السلطات الشيوعية لم تكن تسمح إلا لليهود السوفييت بالهجرة إلى الخارج، كان الكثير من الروس غير اليهود وممن لهم سوابق إجرامية يزعم أنه يهودي ويحصل على وثائق مزورة بذلك في سبيل الهروب خارج البلاد، لكن المجلة تنفي حقيقة أن كثيرًا من زعماء عصابات الجريمة المنظمة العاملة في الخارج هم من اليهود الحقيقيين.

وتسلط الدكتورة ليديا روزنر- الخبيرة الأمريكية في شؤون الهجرات الروسية والجريمة الروسية- الضوء على نشاط المهاجرين الروس في الولايات المتحدة، وتقول: إنه بحلول عام 1984م كان هناك حوالي 30 ألف مهاجر روسي جديد يعيشون في منطقة برايتون بيش في نيويورك، وهم جزء من 75 ألف مهاجر روسي في الولايات المتحدة، وتشرح الدكتورة روزنر كيف استوطن هؤلاء الروس المنطقة الساحلية من نيويورك وبدءوا أنشطتهم في تصدير البضائع المختلفة من نيويورك إلى الاتحاد السوفييتي السابق بطرق غير قانونية اعتمادًا على معارف وأقارب لهم في الحزب الشيوعي السوفييتي، ممن لهم نفوذ قوي، وهو ما در عليهم أموالًا هائلة، لكنها- أي الكاتبة الأمريكية- تعترف بأن معظم المهاجرين الروس إلى الولايات المتحدة كانوا من ذوي الكفاءات العلمية والتكنولوجية، ولم يجدوا صعوبة تذكر في الحصول على وظائف في الولايات المتحدة نتيجة لذلك «لكن الهجرات الروسية أحضرت إلى الولايات المتحدة كثيرًا من الناس الذين كانت الجريمة بالنسبة لهم سلوكًا عاديًّا يمارسونه في حياتهم اليومية ليظلوا على قيد الحياة»، «ليديا روزنر، كتاب: الطريقة السوفيتية في الجريمة- 1986م».

ونتيجة لامتلاك الروس عقليات علمية متقدمة استخدمت العصابات الروسية في الولايات المتحدة كل وسائل التكنولوجيا الحديثة للحصول على بنوك وشركات تجارية وأمنية أمريكية، أحد أفراد هذه العصابات ويدعى فلاديمير ليفين استخدم جهاز كمبيوتر صغير محمول لاختراق حسابات مشتركة في أحد بنوك نيويورك، وسرق حوالي 400 ألف دولار، كما قام بتحويل عشرة ملايين دولار إلى حسابات أخرى في ست دول من ضمنها إسرائيل «نيوزويك- 1995/10/2م».

وقد أكد أحد قضاة مدينة فلورنسا الإيطالية ويدعى بييرلوجي فيجنا بأن بعض عصابات المافيا الإيطاليا في صقلية ونابولي التي تنشط في مجال تهريب الكوكايين لها صلات بأعضاء في المافيا الروسية، كما أعلن نيقولا مانشينو- وزير داخلية إيطالي أسبق أمام البرلمان الإيطالي- بأن «عصابات المافيا الإيطالية توسعت في أنشطتها التجارية والاقتصادية في السنوات الأخيرة، وامتدت لتشمل بلدانًا في الكتلة الأوروبية الشرقية»، وأضاف بأن نشاط تلك العصابات التي يتم التعاون مع المافيا المحلية في تلك البلدان يتركز على تهريب المخدرات، وتزوير العملات واللوحات الفنية، وعلى غسيل الأموال، وقد تطرقت لجنة مكافحة المافيا في إيطاليا في تقريرها لعام 1994م إلى سعي بعض عصابات كالبري في جنوب إيطاليا إلى السيطرة على مؤسسة مالية مهمة في سانت بطرسبيرغ الروسية، وذكر التقرير بأن تلك العصابات حاولت شراء 34 بليون روبل روسي «حوالي 6 مليون وحدة نقد أوروبية» لاستثمارها في أوروبا الشرقية عن طريق علاقاتها القوية بالمافيا الروسية «أليساندرو كروشيتا- شبكة الإنترنت».

إحصاءات رسمية عن الجريمة

ومعدلات الجريمة في روسيا في ازدياد مستمر، وعلى الرغم من صعوبة التمييز بين الجرائم التي ترتبكها المافيا وبين الجرائم العادية، إلا أن بصمات المافيا ظاهرة على كثير منها، فبعض الإحصاءات الرسمية تشير إلى ازدياد معدلات ما يسمَّى بجرائم القتل من الدرجة الأولى في مدينة بطرسبيرغ «ليننجراد سابقا»، حيث قتل خلال الشهور الستة الأولى من هذا العام 797 شخصًا بزيادة 10% عن مجموع الضحايا الذين قتلوا في المدينة في نفس الفترة من العام الماضي، ومن ضمن هذا العدد 505 أشخاص قتلتهم المافيا بموجب «عقود عمل»!!، وسجت دوائر الشرطة في المدينة اختفاء أكثر من 1500 شخص من أهالي المدينة خلال الشهور القليلة الماضية، وأصبح الوضع في المدينة خطيرًا إلى الحد الذي جعل أحد المسؤولين في جهاز الشرطة يصرح على سبيل السخرية بأن العيش في سانت بطرسبيرغ أصبح يضر بالصحة!! «وكالة صحافة سانت بطرسبيرغ- شبكة الإنترنت».

لقد اخترقت الجريمة والفساد كل مستوى من مستويات الاقتصاد الرأسمالي الجديد ابتداء من المجرمين الذين يسلبون الأموال من عجائز موسكو وحتى المسؤولين الحكوميين الذين يحصلون على رشاوى كبيرة مقابل السماح بتصدير بضائع إلى الخارج، وقد استولت نخبة المافيا على المشاريع التي تمت خصخصتها واشتروا أملاكًا ضخمة، وأنشؤوا بنوكًا خاصة بهم، وخفت حدة المعارك التي كانت تدور بين العصابات المختلفة بعد أن اقتسم زعماء المافيا الذين ظلوا على قيد الحياة الغنائم، ومجالات النفوذ فيما بينهم، أما معظم الضحايا الذين يسقطون الآن فهم من العصابات الأخرى التي تقاوم وتحاول الصمود في وجه العصابات الكبيرة، ففي السنة الماضية قتل في موسكو حوالي 560 رجل أعمال ومسؤول على أيدي المافيا، وقد انتُخب بعض المجرمين المعروفين أعضاء في البرلمان الروسي، حيث يتمتعون بالحصانة القانونية التي تمنع إحالتهم إلى المحاكم.

وإذا كان الرئيس الروسي بوريس يلتسين الذي أعلن عزمه على محاربة الجريمة المنظمة  في بلاده، واختار الجنرال ليبيد على رأس الجهاز الأمني الروسي للقضاء على الفساد والمافيا بعيدًا عن تهمة الكسب غير المشروع، إلا أن أعوانه لم يكونوا بمنأى عن عالم الجريمة والفساد، فالمدعي العام الروسي السابق أليكسي إليوشنكو في السجن الآن بانتظار توجيه تُهم الحصول على امتيازات خاصة في شركة تجارية كانت تسعى لتصدير النفط، ووافق أحد مساعدي يلتسين على صفقة أحجار كريمة اختفى فيها أكثر من 400 مليون دولار من أرباح الماس في مكان ما بين سان فرانسيسكو وموسكو، كما أن مبالغ ضخمة من الأموال أرسلت لإعادة إعمار الشيشان تلاشت.

ومعظم زعماء عصابات الجريمة المنظمة الروسية من قيادات ونشيطي الحزب الشيوعي السابق الذين استفادوا من نفوذهم ومراكزهم في الحزب في تكوين ثروات شخصية ضخمة من العملات الصعبة التي كانوا يودعونها في بنوك أوروبا الغربية، وقد بدأت عصابات صغيرة منتفذة من مسؤولي الحزب الشيوعي السابق عملها غير المشروع في أوائل الستينيات، حيث كان بعض المسؤولين عن أملاك الدولة يسرقون أو يختلسون المواد الخام أو السلع الاستهلاكية من الدولة ويعيدون بيعها مقابل ربح معين أو استبدالها ببضائع أخرى مسروقة من مؤسسات رسمية أخرى، وبسبب امتلاك هذه العصابات للسيولة النقدية والعملة الصعبة كانت هي الأقدر والأسرع في امتلاك الشركات والمؤسسات الاقتصادية التي تحولت إلى القطاع الخاص بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، مما مكنها من السيطرة المطلقة على هذا القطاع.

وتتنوع أنشطة المافيا الروسية بين العمليات غير المشروعة كتهريب المخدرات والمتاجرة بها، وإدارة دور القمار وتهريب الأسلحة والدعارة مستفيدة بشكل خاص من انفتاح الشرق الأوروبي على الغرب منذ انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، ومع ذلك فهي تلعب دورًا محوريًّا في الاقتصاد الروسي بسبب استثماراتها لبلايين الدولارات في مشاريع اقتصادية حيوية.

أخطر أنشطة المافيا

وأخطر أنشطة المافيا الروسية هي متاجرتها في المواد التي تدخل في صناعة الأسلحة الذرية، فبعد تفكك الاتحاد السوفييتي انفلت الأمن المركزي وتوزعت القوة النووية السوفييتية بين عدد من الجمهوريات المستقلة التي تفشت فيها الجريمة المنظمة، وقد سال لُعاب عدد من الدول التي تسعى لتعزيز قدراتها النووية، وعملت جاهدة على الحصول على مواد نووية خطيرة بأسعار تعتبر زهيدة مقارنة بأسعارها في الأسواق العادية إذا توفرت، وقد أشار تقرير بثته شبكة «سي. بي. إس» الأمريكية إلى أنه في عام 1993م قامت عصابات الجريمة المنظمة الروسية بسرقة أربعة أطنان من مادة البريليوم وهو معدن يستخدم في صناعة الرؤوس الحربية النووية، وذلك من إحدى المنشآت الروسية، وكانت العصابات على وشك شحن تلك الكمية إلى مشترٍ غير معروف في سويسرا مقابل 24 مليون دولار عندما قامت شرطة ليتوانيا بضبط الشحنة، ووفقًا لنفس التقرير فإن إحدى الشركات التجارية التي تعتقد الشرطة أن لها صلة بإحدى عصابات المافيا القوية في روسيا استطاعت الحصول على كمية البريليون تلك إضافة إلى حوالي 20 رطلًا من مادة السيزيوم المُشِع، لكن الشرطة التي ضبطت البريليوم فشلت في العثور على السيزيوم المسروق، وهي مادة قاتلة من مكونات المادة النووية الانشطارية «رويتر 14/10/1995م».

وترى الدكتورة لويس شيلي «مستشارة الحكومة الأمريكية لشؤون الجريمة المنظمة في دول الاتحاد السوفييتي السابق، وأستاذة القانون في الجامعة الأمريكية»، بأن عصابات المافيا في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق هي الأوسع والأسرع انتشارًا على الساحة الدولية بين العصابات الأخرى، وتضيف بأن المافيا «السوفييتية» تودع معظم ثرواتها في البنوك الأجنبية، وبدأت تستثمرها في عدد من هذه الدول، كما تتهم أجهزة الأمن والقوات المسلحة في الجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي بعدم جديتها في معالجة الجريمة المنظمة في بلادها «لويس شيلي، المافيا العالمية وخطرها على الحكومات القائمة، مجلة الشؤون الدولية الفصلية، شتاء 1995م».

(*) مدير تحرير مجلة “فلسطين تايمز” التي تصدر في لندن

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 127

71

الثلاثاء 28-نوفمبر-1972

عن الجريمة في الكويت

نشر في العدد 1229

86

الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

المأزق الأمريكي

نشر في العدد 1998

77

الجمعة 20-أبريل-2012

الأخيرة.. العبودية للتاريخ