الثلاثاء 15-سبتمبر-1981
في الذكرى السنوية الأولى للانقلاب الذي أطاح بحكومة سليمان ديمبريل.. وجاء بكنعان آفرين على رأس حكومة عسكرية مكونة من قادة الأسلحة في الجيش التركي لا بأس أن تقوم بجردة حساب نُعيد فيها تقييم الموقف:
1- الأمن: لقد أفلح الانقلابيون في استعادة حبل الأمن المفقود وبسطوا نسبيًّا سيادة القانون، وطاردوا الإرهابيين بدون رحمة واستطاع النظام العسكري بعد سلسلة من المطاردات أن يدمر 20 منظمة سرية، وأن يستولي على مقادير من الأسلحة تكفي لتسليح جيش، واعتقل النظام 27 ألف تركي 70% منهم من الماركسيين ونتيجة لهذه الإجراءات القاسية فقد تقلصت الجرائم السياسية من 22 حادثة كل يوم إلى حادثتين فقط.
2- الاقتصاد: استطاع النظام العسكري أن يعيد الانتعاش إلى الاقتصاد، وأن يخفض التضخم الذي كان يرتفع سنويًّا بمُعدل 115% إلى أقل من 35% والبطالة التي وصلت الى 25% بدأت حدتها تخف، وهذا الانتعاش الاقتصادي يعتمد أساسًا على سياسة القروض التي أُعطت أمريكا حلفاءها في الغرب الضوء الأخضر لتقديمها للنظام العسكري، وهي سياسة اقتصادية غير مجدية على المدى البعيد.
3- الحريات: حرم النظام العمل السياسي، وطرد معظم الوزراء المدنيين، حل البرلمان واعتقل معظم زعماء الأحزاب، وأوقف العمل بالحقوق المدنية. وهذا الوضع العسكري وأن وفق في وضع حد للعبث الدموي السياسي الذي كان يقوده الجاسوس الإنكليزي رئيس حزب الحركة ألب أرسلان توركش والعبث الماركسي الانفصالي الذي كان يقوده عملاء أمريكا ورودسيا.. إلا أن النظام تورط في محاربة الإسلاميين من أعضاء حزب السلامة الوطني الذين كانوا بالأصل ضد الإرهاب.. وكانوا الضمانة الأكيدة الوطنية الحقيقية للأمة التركية الأصيلة.
4- قبرص: كثير من السياسيين يؤكدون أن قضية قبرص كانت من أهم أسباب الانقلاب التركي.. وأن الغرب سمح بهذا الانقلاب أساسًا لحل القضية القبرصية لصالح اليونان، ونحن نعتقد أن الغرب واهم في ذلك.. فلا يستطيع سياسي أو عسكري تركي أن يتنازل عن شبر من حقوقه في قبرص؛ فالوطنية التركية أعمق من تصورات الغرب لهذه المعاني.
5- والخلاصة: أن الانقلاب العسكري الذي حدث في تركيا.. هو جرعة مسكنة.. أوقفت بعض الآلام، ولكنه ليس علاجًا حاسمًا للأمراض التي تشكو منها تركيا الحديثة. إن شفاء تركيا من مرض الإرهاب يكون بتأصيل معنى الأمن والسلامة في نفوس الناس.. فإذا فهموا المعنى القرآني ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.. إذا فهموا هذا المعنى.. حل السلام والأمن بدون انقلابات وبدون أحكام عرفية...
إن تركيا بلد غني بموارده الكثيرة وقدرة أهله على العمل والإنتاج، والعمال الأتراك اليوم ينهضون بمعامل أوروبا التي تتحكم اقتصاديًّا بالعالم.. وإن الإجراءات الاقتصادية التي نفذها الانقلابيون وإن بدت في الظاهر مفيدة إلا أنها كذلك كالمسكن الذي لا يداوي.. ولربما استفاد أصحاب رؤوس الأموال من هذه الإجراءات أكثر مما استفاد الفقير.. وإننا نعتقد أن السياسة الاقتصادية المثلى التي تُطلق كل طاقة وطنية نحو البناء.. وهي التي تأخذ بيد الفقير ليصعد.. وتحد من طموح الغني في امتصاص خيرات البلد، وهي التي تقيم الصناعات الأساسية والثقيلة، وتركيا تملك كل القدرة لهذا البناء، ولعل من أسباب إقصاء حزب السلامة عن الحكم تبنيه لمثل هذه السياسة الاقتصادية البناءة.
إن الحريات الأسياسية التي أوقفها النظام العسكري والتي يحاول إعادة تفصيلها على نفس الموديل الأتاتوركي ليلبسها ثانية للشعب التركي المسلم، هي محاولة عقيمة؛ فكل أمر يؤخذ بالقسر إلا الحرية.. فالشعب التركي المسلم الذي خلع لباسًا كريهًا لا يستطيع أحد أن يقسره على ارتدائه ثانية ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (ص: 88).