العنوان قضايا على بساط النقد بين الإسلام.. والعامية والفصحى - الحلقة الثانية
الكاتب الأستاذ إبراهيم النعمة
تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1974
مشاهدات 89
نشر في العدد 230
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 17-ديسمبر-1974
قضايا على بساط النقد
بين الإسلام.. والعامية والفصحى
الحلقة الثانية
ولم يستعص على اللغة أي مصطلح.
أما مسألة صعوبة اللغة والتعقيد في نطقها وحروفها وكتابتها، فإن الواقع يكذبه؛ ذلك لأننا نلاحظ تطابقًا بين الصوت المقروء والمكتوب، لا نجد مثله في الفرنسية ولا الإنجليزية؛ فالإنجليزي يحذف حرف وفي وحرف في وفي والكاف في والباء في وحرف (ك) لا يكتب في العربية إلا كافًا، ويكتب في الإنجليزية على صور عدة:
KوC وQ و و. وحرف (ف) لا يكتب في العربية إلا فاء، ويكتب في الإنجليزية.
و و ([(1) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، لمحمد محمد حسين: 2/ 348. ]) وفي الإنجليزية كلمات تنطق نطقًا واحدًا، وتختلف في الكتابة والمعنى والاشتقاق، ومن أمثلة ذلك:
و و
وقس على ذلك ما لا سبيل إلى إحصائه من الأمثلة العديدة في مختلف الأصوات.
على أن الكتابة بالعربية الفصحى فيها اختزال بالنسبة للغات الأخرى، فالكلمة العربية
(21) تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر، للدكتورة نفوسة زكريا سعيد، ص: ۱۰۳.
إذا كتبت باللاتينية تحتاج إلى ضعفي عدد حروفها العربية، كما يقول أهل الاختصاص ([ (2) من حاضر اللغة، ص: ۱۸۸.]). ثم إن الذي يريد تعلم الإنجليزية لا بد له من معرفة لفظ كل كلمة فيها، وكتابة كل لفظ كذلك.
وليس ذلك فحسب؛ بل عليه أن يعلم كذلك قراءة كلماتها المركبة، أما الأصول العربية ففيها قياسات عامة ثابتة، فيأهما أصعب إذن: العربية أم الإنجليزية؟ وأيهما أصلـح للكتابة العربية أم اللاتينية؟
على أن الفترة التي يتعلم الإنسان فيها الإنجليزية، أو الفرنسية، أو الألمانية، ليكون من أهل الاختصاص لا يقل عن الزمن الذي يتعلم فيه العربية، كما يقول الأستاذ العقاد في رده على مشروع عبد العزيز فهمي حول اتخاذ الحروف اللاتينية لكتابة العربية ([(3) تيسير الكتابة العربية، ص: ٤٩، مؤتمر المجمع سنة ١٩٤٤م، المطبعة الأميرية بالقاهرة سنة ١٩٤٦م.]).
ومن الجدير بالذكر أن نقرر بأن للبيئة التي يعيشها الطفــل أثرًا كبيرًا في تلقيه اللغة وإتقانها، حيث يتعلم أطفالنا العامية الشائعة في أقل من خمـس سنوات، ولا يتعلمون الفصحى إلا في أكثر من عشر سنوات؛ ذلك أن أطفالنا تتفتح آذانهم على سماع العامية فقط، فالأم لا تتكلم إلا بها، والأب لا يتكلم إلا بها، وأولاد المحلة والجيران لا ينطقون بسواها، والناس في الطرقات لا يكون حديثهم إلا بها.. وهكذا حتى ترسخ العامية في الطفل رسوخ الإنجليزية عند أطفال الإنجليز، والفرنسية عند أطفال الفرنسيين.
ولو فرضنا طفلًا نشأ في مجتمع يتكلم أهله العربية الفصحى وبعد سن مخصوصة يتعلم العامية لاحتاج في تعلم العامية إلى أكثر من عشر سنين، في الوقت الذي يتعلم الفصحى في أقل من خمس سنوات؛ فالمسألة إذن مسألة بيئة التعليم، وليست صعوبة اللغة.
أما عن ارتفاع مستوى اللغة عن فهم العامة، فإن الحقيقة غير ذلك؛ لأننا كثيرًا ما نشاهد الناس الأميين الذين ليس لهم حظ في القراءة قليل ولا كثير، وقد اجتمعوا على رجل شبه أمي لا يحسن سوى القراءة فقط، ومع ذلك فهم يفهمون كلامه فهمًا حسنًا. بل نجد كل يوم كثيرًا من الأميين هنا وهناك وقد تحلقوا حول المذياع يستمعون إلى نشرات الأخبار بالعربية الفصحى ويفهمونها فهمًا جيدًا. ومسألة التفاوت الكبير بين لغة النطق وطريقة الكتابة التي يبررون من أجلها الدعوة إلى العامية أصبحت كذلك من الأمور التي تعتبر مناقشتها من لغو الحديث؛ إذ أي أمة من الأمم لم تكن لها أكثر من لهجة؟ الفرنسية أم الإنجليزية أم الألمانية؟ «أما في فرنسا فقد أزيلت اللغــة العامية وأقيمت مقامها الفصحى، ولا يزال الباريسي حتى اليوم لا يفهم لأول وهلة المواطن الفرنسي الذي يسكن في «ليموزان» أو يتكلم لهجته ولغته المحليـة المعروفة بالباتو([(4) من حاضر اللغة، ص: ١٦٣.]).
إن وجود لغتين فصحى وعامية ظاهرة طبيعية في كل اللغات الأجنبية ([ (5) فقه اللغة، للدكتور علي عبد الواحد وافي، ص: ١٤٧، الطبعة الرابعة، القاهرة ١٩٥٦م.])، والعامية في تبدل مستمر؛ فالعامية التي كان أهل الموصل يتكلمونها قبل مائة سنة تختلف إلى حد ما وتتباين عن لغتهم العامية اليوم. أضف إلى ذلك دخول كلمات أجنبية في اللغة العامية نفسها لا تمت لها بصلة بدخول الأجنبي، فكم كنا نسمع -ولا زلنا- من الألفاظ التركية والهندية والفارسية والإنجليزية التي دخلت لغة الموصل العامية؟! إنها بلا ريب كثيرة كثيرة. ومن كان في ريب مما أقول فليلق رجلًا من العامة المعمرين ليلمس بنفسه البون الكبير بين العامية التي يتكلمها الرجل المعمر، والعامية التي يتكلمها الناس اليوم.
فمن غير المعقول إذن أن يدعو البعض الآن إلى اللهجة العامية في الوقت الذي تسير هذه العامية نحو الزوال والأفول رويدًا رويدًا، ويكاد الناس يتخلصون من أغلـب الكلمات الأعجمية التي دخلت لغتنا الفصحى؛ ذلك لأن اتساع المدارس والمعاهد والكليات ساعد على إضعاف العامية وإحلال الفصحى مكانها.
على أن من حقنا أن نسأل دعاة العامية عن حالة اللغة التي آلت إليها اللغات الأوربية بعد أن أهملت اللاتينية: ماذا حل بهذه اللغات؟ وهل ذهبت منها القواعد النحوية والصرفية؟ وأيهما أكثر صعوبة اللاتينية أم اللغات التي آلت إليها اللاتينية كالفرنسية والإيطالية والإسبانية الحديثة؟
ومما لا ريب فيه أن القواعد النحوية والصرفية لم تذهب، ولكن الذي ذهب هي اللغـة اللاتينية، وحلت هذه القواعد محل القواعد اللاتينية، ولكن شتان ما بين اللاتينية من جهة والفرنسية والإيطالية والإسبانية الحديثة من جهة أخرى؛ إذ هذه اللغات أكثـر صعوبة من اللاتينية.
على أن القواعد النحوية لا بد منها حتى في اللغات العامية؛ إذ بعد استقرار العامية تكون الحاجة لتلك القواعد ملحــة ملحفة، وهي في الوقت نفسه أصعب من اللغة الفصحى؛ وذلك لانضباط قواعد الفصحى.
إن للعربية الفصحى مزايا تفقدها باقي اللغات؛ ذلك لأن تغييرًا لم يطرأ عليها، بينما نجد في بعض اللغات التي دخلها التطويـر قد أثر في تلك الأمة تأثيرًا مباشرًا، حيث أصبحت منفصمه عن ماضيها. ونذكر على سبيل المثال «شكسبير» الذي مات في القرن السابع عشر، فإن لغته الآن صعبة معقدة بالنسبة للشعب الإنجليزي لا يستطيع فهمها، ولا يستطيع أن يفهمها إلا المثقفون، والمثقفون فقط...
ولا يتمكن العامة من الفرنسيين فهم ما كتبه «رينان» في فلسفة التاريخ، ولا ما كتبه «سبنسر» الإنجليزي في فلسفة العمران. ولا يستطيع العامة من الألمان فهم ما كتبه «شوبنهور» الألماني في فلسفة الوجود.
لقد استطاعت العربية الفصحى بما لها من قوة وجاذبية التأثير في أكثر لغات العالم -إن لم نقل كلها- حيث أثرت العربية في نحو مائة من لغات العالم، وخاصة لغات أوربا، وآسيا، وإفريقيا ([ (1) غرائب اللغة لرفائيل نخلة اليسوعي، ص: ٦٧، مطبعة الإحسان في حلب ١٩٥٤م.])، وظل كثير من هذه الآثار باقيًا إلى يوم الناس هذا.
ومن اللغات التي تأثرت بالعربية: الإسبانية؛ حيث لا نزال نجد بعض المصطلحات والأسماء العربية مستعملة ومتداولة بين الإسبانيين إلى الآن. ومن تلك: أسماء المدن والأنهار، وأسماء الحيوانات والنباتات والنواحي والحرف والألوان والأدوات المنزلية ([ (2) الإسلام والحضارة العربية: 1/ 186 للأستاذ محمد كرد علي، الطبعة الثالثة ١٩٦٨، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة.]). يقول العالم الإسباني «كونثالث بالنثيا»: «إن اللغة الإسبانية تعرض بلا ريب للسائح مثل ما خلفته الحضارة العربية» ([ (3) من حاضر اللغة، ص: ١٤. ]).
وأثرت العربية كذلك في الفرنسية التي هي أشهر اللغات اللاتينية، وكذلك في الإنجليزية، والألمانية، والهولندية، والإسكندنافية، والروسية، والبولندية واللغات الصقلية.. ودخلت في اللغات الفارسية والتركية والأردية -لغة باكستان، أو لغة الهنود عامة- كثير من الكلمات العربية.
وقد جمعت العربية جميع الأحرف الأعجمية، وفيها حروف لا توجد في أية لغة من لغات العالم، وإنما هي من خواص العربية فقط، ومن هذه الحروف (ث، خ، ض، ظ، ع) ... إلخ([ (4) الفكر العربي المعاصر، لأنور الجندي، ص: ٥٧٤.]).
والعربية لم تتقهقر ولم تضعف أمام أي من لغات العالم؛ إذ فيها من المرونة واللين والمفردات الغنية ما تستطيع معها التكيف وفقًا لمتطلبات العصر. يقول (وليم ورل): إن اللغة العربية لم تتقهقر قط فيما مضى أمام أي لغة من اللغات التي احتكت بها وأنها ستحافظ على كيانها في المستقبل كما فعلت في الماضي، وأن لها لينًا ومرونة يمكناهـا من التكيف وفقًا لمقتضيات العصر. وإن اللغات الأوربية في خلال ٢٥٠ سنة لم تستطع السيطرة على العربية أو إضعافها ([ (5) معالم الأدب العربي المعاصر، لأنور الجندي، ص: ۸۳، الطبعة الأولى 1964م، دار النشر للجامعيين.]).
وقال «ريتشارد كوبتهيل»: «إنه لا يعقل أن تحل اللغة الإنجليزية محل اللغة الفرنسية، أو الإنجليزية محل اللغة العربية، وإن شعبًا له آداب غنية منوعة كالآداب العربية، ولغة مرنة لينة ذات مادة تكاد لا تفنى لا يخون ماضيه ولا ينبذ إرثًا وصل إليه بعد قرون طويلة عن آبائه وأجداده، وأن التباين الجزئي الذي يبدو بين اللهجات العربية لا بد أن يزول؛ وعليه فستكون عندنا منطقة عربية تتكلم لغة واحدة شاملة. لقد كان للعربية ماض مجيد، وفي مذهبي أنه سيكون لها مستقبل باهر» ([ (6) المصدر السابق: ص: ۸۳.]).
ويقرر «أرنولد توينبي» كبير مؤرخي إنجلترا في الوقت الحاضر أهمية العربية الفصحى، ويأسف إذا ما نسجت البلاد العربية على منوال الغرب في التجزئة والتفكك، وذلك في كتابه «العالم والغرب» حيث يقول: «إن هناك بلادًا إسلامية، عربية اللغة، وإذا كانت لغة التخاطب تختلف حسب المناطق «ويعني اللغات العامية، فإن اللغة الفصحى واحدة من شواطئ الخليج العربي، ومن حلب والموصل شمالًا حتـى الخرطوم وعدن ومسقط وزنجبار جنوبًا. جميع الكتب والصحف الصادرة في القاهرة ودمشق وبيروت، تقرأ في هذه المنطقة الشاسعة كلها وحتى خارجها؛ لأن اللغة العربية هي اللغة الدينية لجميع البلدان الإسلامية! ([ (7) لا أعلق على قوله اللغة الدينية!]) حتى تلك لا تستخدمها في التخاطب، فهل من الضروري أن يجزأ هذا العالم العربي إلى عشرين دولة مستقلة تعيش بعزلة تامة عن بعضها البعض؟ وهل من الضروري حقيقة أن نرى العالم العربي يتفكك ويتجزأ، كما حصل مع الأسف للإمبراطورية الإسبانية الأمريكية؟ إن هذه التجزئة تعتبر من أخطر نقائص حضارتنا الغربية، وسيكون مؤسفًا حقًّا أن نرى الشعوب العربية تنسج على منوالنا في هذه الناحية» ([ (8) أباطيل وأسمار: 1/ 231، 232.]).
لقد كانت الميزانيات الضخمة الكبيرة -ولا زالت- تخصص ثم تنفق بغية القضاء على لغتنا الفصحى من الدول الاستعمارية، ومع كل ذلك لم تستطع هذه الدول أن تحقق ما تصبو إليه، بل أستطيع الجزم بأن المخططين لهذه النكاية الاستعمارية أصبحوا في يأس من نجاحها.
على أن الذي ترك لهم بعض الأمل في المضي في هذا الطريق مع إخفاقهم الذريع في كل المجالات إلا ما ندر، هو نجاحهم الذي حققوه في جزيرة (مالطة) حيث شجع الاستعمار الإيطالي منذ مئات السنين البلاد على الكلام بالعامية التي حملها أحمالًا ثقيلة من اللغة الإيطالية، فعل ذلك بعد أن نصرها ثم أتم الاستعمار الإنجليزي ما بدأ به الإيطالي؛ حيث أجبر أهلها على الكتابة باللاتينية. وهكذا وبمرور الزمن صرنا إذا أصغينا إلى (المالطيين) خيل إلينا أنهم لا يتكلمون العربية، بل يتكلمون اللاتينية، وهكذا خسرت أمتنا هذا الشعب المسلم. ونحن لو نجحت العامية بيننا لصارت حالة أكثر البلاد الإسلامية والعربية كحالة الشعب المالطي.
ويستطيع المتأمل بلا نصب ولا لغوب إدراك الدوافع الحقيقية للدعوة إلى العامية. وإني ذاكر لكم أسماء بعض الكتب والمحاضرات التي كتبت بالعامية أو بالحرف اللاتيني لتنكشف الحقيقة أكثر وأكثر، بعد أن تتبين هوية واتجاه الداعين لها والكاتبين بها.
1- محاضرات في اللهجات وأسلوب دراستها لأنيس فريحة، الأستاذ بالقسم العربي في الجامعة الأمريكية.
2- نحو عربية ميسرة، لأنيس فريحة، الأستاذ بالقسم العربي في الجامعة الأمريكية.
3- التحفة العامية في قصة فينانوس «بالعامية والحرف العربي» لشكري الخوري.
4- في متلو هلكتاب؟ للخوري مارون غصن.
وهناك محاولات طبعت بالعامية والحرف اللاتيني مثل:
۱- قواعد اللهجة اللبنانية.
-السورية(!!) للأب رافائيل نخلة، بالفرنسية، وقد كتبت النصوص العربية بالحرف اللاتيني.
۲- يارا، بقلم سعيد عقل، شعر بالعامية وبالحرف اللاتيني ([ (9) من حاضر اللغة: ص: ١٦٧، نقلًا عن دعاة العامية للدكتور سعيد شهاب الدين، ص: 11.]).
لقد كان هدف المستعمر أن يجعل لغتنا الفصحى في المتحف، ولتصير أثرًا من الآثار ليس إلا. لا يتكلم بها أحد ولا تلاقي اهتمامًا من الناس لنكون في نهاية المطاف قد خسرنا الانتفاع بالابتكارات الحضارية التي أسهم فيها المسلمون في غضون أكثر من ثلاثمائة وألف سنة، هذه الحضارة التي عمل على إنشائها وبنائها الآلاف من الفلاسفة والأدباء والعلماء، إضافة إلى أن الشعر والأدب والعلوم تكون علومًا محلية فقط، كل قطر يكتب بلغة لا يفهمها القطـر الآخر. وبهذا يقضى علـى التراث الإسلامي؛ إذ سيصبح الذين يفهمون الفصحى أصحاب الهوايات فقط. إضافة إلى أن ثروة علمية مرتقبة سيفقدها العالم الإسلامي؛ ذلك لأن الاستنباط من القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال سلفنا الصالح ستموت، وتندثر بموت واندثار العربية الفصحى، وتكون خسارة العالم الإسلامي كبيرة بإغلاق باب الاجتهاد بوجه المجتهدين الذين يستنبطون الأحكام التي يحتاجها الناس في العصور الإسلامية المقبلة من مصادر التشريع، وخاصة كتاب الله وسنة رسوله. وإذا علمنا أن العامية لغة قاصرة وسطحية لانحطاط المستوى الفكري للناطقين بها، فقد أدركنا مدى الطاقة الكبرى والفاجعة العظمى التي كانت تنتظر أمتنا بنجاح هذه الدعوة.
على أن هناك خطرًا عظيمًا من اتخاذ العامية؛ وهي صيرورة القرآن الكريم غريبًا على المسلمين، فضلًا عن أن النطق بالعامية سيجزئ العـــرب ويجعل من العراقيين أمة، والمصريين أمة أخرى، وهكذا وهكذا!
وبهذا يتحقق للمستعمر الذي أراد إضعافنا -بل وموتنا- ما أراد. يقول الأستاذ جرجس سلامة: «إن جميع المدارس الأجنبية دون استثناء قد أسهمت بنصيب كبير في إضعاف اللغة العربية، فهي تلقي في خضم الحياة المصرية كل عام من ينظرون إلى غيرهم من طبقات المتعلمين في المدارس الحكومية الوطنية نظرة متعالية، وينظرون إلى اللغة العربية نفس النظرة» ([ (1) أباطيل وأسماء: 1/ 187.]).
إن الأمم الحية لا ترضى بلغتها بديلًا مهما كان ذلك البديل له؛ لأنه «من استبدل لغة جديدة بلغته خسر قوميته» كما يقول العلامة يلنتشلي.. وإذا كان كثير من الأدباء والحكماء والعلماء والفلاسفة يختلفون فيما بينهم، فإن محافظة بعضهم على اللغة يبرر لعدوه أن يتناسى كل خلافاته معه؛ ذلك لأن اللغة من أهم مقومات الأمة، فهذا الكاتب «موريس باريس» -وهو من أنصار الديانة والكثلكة- يأتيه من يقول له: «أفلا ترى مبادئ أناتول فرانس وغلوه في الاشتراكية... إلخ» فكان جوابه: «قولوا فيه من هذه الجهة ما شئتم؛ إلا أنه حفظ اللغة» ([ (2) تحت راية القرآن، للمرحوم مصطفى صادق الرافعي، ص: ۳۷، الطبعة الخامسة، ضبطها، وصححها محمد سعيد العريان، مطبعة الاستقامة بالقاهرة.]).
وبعد الحرب العالمية دخلت كلمة إنجليزية في اللغة الفرنسية، فما كان من المجمع العلمي الفرنسي إلا وأسقطها من لغته، واعتبر هذه الكلمة الإنجليزية الدخيلة على الفرنسية كالجندي الإنجليزي في فرنسا بملابسه ورتبته يعلن انتصاره وفوزه على فرنسا ([ (3) المصدر السابق: ص: ۲۳.]).
ولماذا نذهب بعيدًا وأمامنا اليهود، وهم شعب مبعثر هنا وهناك في القارات الخمس، ويتكلمون لغات كثيرة.. لقد أدرك مفكرهم أن جمعهم على لغة واحدة من أهم عوامل توحيدهم، وجمع أواصرهم ولم شعثهم ورأب صدعهم، لذلك صاروا يدرسون اللغة العبرية إلى جانب لغة البلاد التي ينزلونها. وكانت العبرية لغة ميتة فأحيوها.. وهكذا حتى تجمعوا وأسسوا لهم دولة. وقد تنبأ المرحوم محمد كرد علي بذلك فقال: «احتفل الصهيونيون سنة ١٣٤٣هـ «١٩٢٤- ١٩٢٥م» بإنشاء جامعتهم العبرية في القدس يعلمـون العلوم باللغة العبرانية، ولا تمضي خمس عشرة سنة حتى تنبعث الديانة اليهودية والمدنية اليهودية من مراقدها ([ (4) كان في فلسطين حينئذ ٨٥ مدرسة ابتدائية ووسطى تعلم العبرية لأكثر من عشرين ألف تلميذ وتلميذة. ])، كما انبعثت منذ القرن الماضي في بيروت شعلة المدنية الأمريكية والمذهب الإنجيلي من الجامعة الأمريكية، وانتشرت المدنية الفرنسية والكثلكة من كلية القديس يوسف اليوسوعية» ([ (5) من حاضر اللغة: ص: 172.]).
إن الذين يريدوننا أن نكتب بالحرف اللاتيني، كان عليهم أن يبشروا بدعوتهم هذه جميع البلاد التي لغتها سامية الأصل؛ فالعبرية لغة سامية ميتة، ولكن الدعوة إلى الكتابة بالحرف اللاتيني لم تتجه إليها، فإذا كان في هذا الحرف خير كثـير، فلماذا لم تتجه الدعوة إلى الكتابة بالحرف اللاتيني في اليهود الذين أحيوا اللغة العبرية الميتة ولم يكتبوا بالحرف اللاتيني؟
ثم إن إذاعة إسرائيل تذيع باللغات العامية: العراقية والمصرية والفلسطينية؛ لأنهـا تعلم أن العامية من أقوى العوامل لهدم كيان أمتنا من أساسه والانقضاض عليه من القواعد، فلماذا لا ننتبه؟
إن اللهجات العامية في ألمانيا كثيرة وكثيرة، ولكن صار من المحرم على الألمانيين أن يدخلوا العامية في المدارس الابتدائية، وفي الجامعة، والبريد، والمحكمـة، وجميع إدارات الحكومة، ومنها الإذاعة والصحافة والنوادي الأدبية و... و... لأنهم أدركوا النتائج الوخيمة التي تنتج من الكتابة والتحـدث بالعامية وتشجيعها.
ومن التخطيط الناجح الذي اتبعه المرحوم عبد الحميد بن باديس لتحرير الجزائر، هو تعميم الفصحى وتقليص العامية.
إن من أخطار الدعوة إلى العامية أنها ترمي إلى إبعاد المسلمين عن لغتهم التي يفهمون بها دينهم، وعرقلة بناءاتهم، وهدم الوحدة الإسلامية، والإتيان عليها من القواعد. فاذا وجد من يدعو بهذه الدعوة وتعرض دعوته بالصحف والمجلات والإذاعة، فذلك نجاح كبير حققه أعداء الفصحى، وهو طعنة نجلاء في تاريخنا وفي شخصيتنا ومقوماتنا؛ حيث يعطي هـذا صورة واضحة عن عدم اكتراثنا بماضينا واعتزازنا به.
ومن النجاح الذي حققه أعداء الفصحى كذلك وجود المسرح الهزلي الذي اتخذ الحوار فيه بالعامية فقط، ومتى صارت التمثيليات تكتب وتمثل باللغة العامية. وزاد الأمر تشجيعًا لهذه العامية وجود الخيالة «السينما» التي كان الحديث فيها بالعامية فقط.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل أخذ بعض الكتاب يكتبون القصص باللغة العامية، كما فعل بعض الكتاب ([ (6) من هؤلاء محمد حسين هيكل في كتابه (زينب) و... ]).
ويحق لنا أن نتساءل: أليس من المخجل حقًّا أن الطلاب في لبنان يتعلمون لغتي الرياضيات والعلوم بالفرنسية والإنجليزية؛ وهم في بلد عربي؟ ([ (7) مجلة الشهاب اللبنانية: مصير اللغة العربية في لبنان إلى أين. بقلم: فيصل مولوي، ص: ۸، 9، السنة الأولى، العدد السابع ٢٠ ذي القعدة/ ١٣٨٦هـ.])
أليس من العار علينا أن نجد الطلاب الذين يفدون إلى الدول الأوربية يعودون وقد أتقنوا لغة البلاد أكثر من إتقانهـم لغتهم؟!
أنا لا أظن بأحد مهما كان بليد الذهن أن يقارن بين الفصحى التي يتكلمها مئات الملايين ويكتبون بها، وبين العامية التي تتغير بين كل كيلو متر واحد أو أكثر أو أقل، وبين الفصحى التي كتبت بها حضارتنا في غضون أربعمائة وألف سنة بقواعدها وبلاغتها، وبين العامية المحلية التي لا يفهمها غير حفنة من الناس.
إن اللغة بأهلها تنهض بنهوضهم وتزدهر بازدهارهم، وتنحط بانحطاطهم، وتموت بموتهم، وتندثر باندثارهم. فإذا كان العرب أهلًا للحياة، فلغتهم أهل للحياة، كذلك أن الأمـة إذا انهزمت لغتها وتقهقرت كان انهزامها عسكريًّا ملازمًا لانهزامها لغويًّا. يقول ابن حزم: «إن اللغة يسقط أكثرها وتبطل بسقوط دولة أهلها، ودخول غيرهم عليهم في أماكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم، فإنما يفيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها. وأما من تلفت دولتهم وغلب عليهم عدوهم واستقلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم، فمضمون منهم موت الحاطر. وربما كان ذلك لشتات لغتهم...» ذلك أن التفريط في لغة أمة ما تفريط بوجودها في حقيقة الأمر وواقعه، وهذه علة تمسك بعض الأمم بلغتها، ولو كانت كثيرة الصعوبة معقدة.
فهذه اللغة اليابانية يلاقي دارسوها صعوبات كثيرة ومعضلات جمة، ولكن اليابانيين لم يفكروا في يوم من الأيام أن يتركوا لغتهم ويستبدلوا بها لغة أخرى، ولو كان في اللغات الأخرى ما هو أسهل بكثير من لغتهم. وما لنا نستشهد باليابان وأمامنا الصين.. أجل الصين؛ حيث بلغت أشكال الحروف الصينية... 100.000 مائة ألف شكل، إضافة إلى أن الكلمة الواحدة بالشكل نفسه تلفظ بأصوات عدة كثيرة، وفي كل صوت تعطي الكلمة معنى غير ما تعطيه في الصوت الآخر، كما ذكر لي من يتقن الكتابة والكلام باللغة الصينية، وعلى كل حال فهي أصعب لغات العالم باتفاق الجميع، ومع ذلك فلم يفكروا باستبدال لغتهم بأية لغة؛ لأنهم أدركوا أن التفريط بلغتهم تفريط بمقوماتهم وحضارتهم.
من كل ما تقدم يتبين لنا أن موضوع العامية والفصحى ليس مجالها المفاضلة وأيتهما تصلح إنما مجال دراستها في ميادين التبشير والاستعمار والاستشراق الذين يعملون على إماتة أمتنا والإجهاز عليها. وإذا كانت دعوات الدخلاء في تشجيع العامية قد انجلت وأسفرت عن وجهها وفهمها كل الناس، فإن الخطر أن يتولى الدعوة إليها صنائعهم المنتسبون إلى الإسلام اسميًّا ليكون الشـرك الذي يريدون إيقاع الصيد فيه خفيًّا مستورًا، حيث استفادوا من فشل دعوات من تقدمهم، فهم لا يريدون استعجال ثمرتهم الخبيثة، بل ينتظرونها على المدى الطويل. غير أن الله تكفل بحفظ اللغة الفصحى، وذلك بحفظ كتابه؛ حيث قال جل اسمه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).
وإن جميع السهام التي انتقلت ووجهت نحو لغة القرآن عادت خاسئة مدحورة، تجر أذيال الخيبة والخسران بعد أن تبينها الناس وأدركوا خطورتها، وعرفوا الدوافع الحقيقية من ورائها، وأن العربية الفصحى ستبقى قائمة ما دام القرآن قائمًا في قلوب المسلمين.
الرابط المختصر :