العنوان قضية الحياة والموت
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 23-سبتمبر-2006
مشاهدات 71
نشر في العدد 1720
نشر في الصفحة 43
السبت 23-سبتمبر-2006
الحياة بين متعتين، المتعة الأولى: هي متعة الحياة المادية التي تقوم على إمتاع الشهوات إمتاع الجسوم والالتفات إلى التزين والتباهي والتجمل بغير غايات ولا أحلام.
والمتعة الثانية: هي وليدة الإيمان والسمو الروحي، وثمرة معرفة الله تعالى، والاتصال به، وطلب الرقي بالنفس والسعادة للروح إلى أبعد من حدود المادة الضيقة، حيث الكمال الإنساني المنشود في رضاء الله سبحانه وتعالى.
ولكل من المتمتين أثره في حياة الأفراد والأمم، سلبًا أو إيجابًا، ونفعًا أو ضرًا.
فالمتعة الأولى: تؤدي إلى الإخلاد إلى الأرض، وتورث الترف والدعة، والميل إلى السكون والراحة، وتعود الإسراف والتبذير وتقوي الأثرة والأنانية في نفس المستمتع بها تغريه بالطمع والجشع، حتى يستطيع - في ظنه - أن يبقى على لذته وشهوته، وهو مع ذلك نغافل عن آلام الناس ومواساتهم، ومهيج لنفوس المحرومين والبائسين. وهذا يكون وبالا حقيقيا على نفسه وعلى أمته، وصدق الله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16).
ألا ترى معي أن هذه الأفعال تدمر الناس تدمر الحياة تدميرًا؟
وأما المتعة الثانية، فأظهر آثارها، يقظة في الضمير، حتى يصبح حكمًا عدلًا، ساهرًا يقظًا، يدفع صاحبه إلى معالي الأمور، ويحول بينه ربين سفاسفها، كما يؤدي إلى إحساس الروح بالراحة والسعادة والاطمئنان، ويبعث فيها رقة الشعور حتى يشارك هذا الروحاني الناس جميعًا في آلامهم وآمالهم، ويحس بإحساسهم ويفرغ الوسع لمواساتهم، كما تصغر في النفس المفاخر المادية صغرا يدفع إلى تقديس المثل لعليا، والتضحية بالمادة في سبيل المعاني الإنسانية السامية، وعلى هذه المثل قامت الأخلاق وقامت الجماعات ونهضت الأمم وتقدمت وعزت وانتصرت الفضيلة، وهذه المبادئ السامية الجميلة هي كل ما فيه الحياة لإنسانية من جمال حقيقي، وبهجة وروعة وجلال، فإذا ولت فعلى الدنيا السلام.
هذا، وقد وازن الله تعالى بين المتعتين وقارن بين الحياتين، فاختار الصفوة خلقه الحياة الثانية، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (طه: 131-132).
ومن هنا، يتفاوت الناس وتتعدد العقول وتختلف العزائم، وتضطرب الأفهام أو تقر:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت لدى المجد حتى عد ألف بواحد
وهؤلاء الرجال لهم ذكر عاطر وآثار باقية، وثواب متصل، وحياة رغدة، ونعيم في الآخرة لا يزول ولا يحول.
هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غبارها!
هذا، ولكل من المتقين تصور عن الحياة يفترق كثيرا ويتباين تباينا عظيما عند المؤمنين الصديقين الأطهار المخلصين، وعند غيرهم من الجاحدين الضالين المترفين.
فالمؤمنون الصادقون يعتقدون ويتحدثون ويقولون: «أنت لطيفة ربانية، ونفحة قدسية وروح من أمر الله خلقك بيده، ونفخ فيك من روحه، وفضلك على كثير من خلقه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك الأسماء كلها، وعرض عليك الأمانة فحملتها، وأسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة، وسخر لك ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه، وكرمك أعظم تكريم فخلقك في أحسن تقويم، وأعدك أكمل إعداد ووهب لك السمع والبصر والفؤاد، وأوضح لك الطريقين، وهداك النجدين، ويسر لك السبيل، فأنت بإذنه وصنعته تغوص في الماء وتطير في الهواء، وتسابق الكهرباء، وتحطم الذرات، وتتجاوز بتفكيرك وتقديرك أقطار السموات، فهل رأيت أجل وأعظم وأكرم منك؟
دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشـعر
وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
وأنت بعد هذه الحياة القصيرة خالد لا تبيد، تحيا وتنشر وتبعث وتحشر، وتستأنف حياة الكرامة في دار النعيم والمقامة، إن كنت أدركت سر مهمتك في الوجود، وأخلصت العمل للملك المعبود، فلابد أن تعبده شكرا على نعمه وعطاياه.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات: 56-58)، ﴿َإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: 64).
وما هذا الجسم إلا قفص أنت فيه من المسجونين، وثوب تخلعه إلى حين، ثم يعود لك يوم الدين، ورحم الله من قال:
أنا عصـفور وهذا قفصي طرت عنه وبقي مرتهنا
أنا في الصور وهذا جسدي كان ثوبي وقميصي زمنا
وأنا الآن أناجي ملأ وأرى الله جهارًا علنا
لا تظنوا الموت موتًا إنه ليس إلا نقلة من هاهنا
أما الماديون الجدليون فلهم تصور آخر: حيث يقولون: أنت أيها الإنسان حفنة من تراب، ونطفة من أصلاب، قذفت بك الأرحام، وأفنتك الأيام، وابتلعك الركام، ثم لا شيء إلا العدم ومن يحيي العظام وهي رميم؟
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: 24).
وما الحياة إلا أيام معدودة ينبغي أن تتمتع بها قبل الرحيل، فإذا فاتك هذا فهي الحسرة والحرمان المبين.
إنما الدنيا طعامٌ وشرابٌ فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام
تلك يا أخي قصة الحياة والموت في دنيا الناس، ولكن من أحسن نديًا، ومن أنفع للناس ولنفسه، وأبقى لذكره ولعقبه وصدق الله: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الملك: 22).
﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15)، وكم رأينا من رجال هداة مهتدين عاشوا كرامًا وذهبوا إلى الله بعمل صالح متقبل، نسأل الله لهم الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.