العنوان قضية بولارد بين المصلحة القومية الأمريكية والضغوط الصهيونية
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر الثلاثاء 08-ديسمبر-1998
مشاهدات 65
نشر في العدد 1329
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 08-ديسمبر-1998
المدعي العام الأمريكي السابق: إذا أفرج كلينتون عن بولارد فينبغي تقديم الرئيس للمحاكمة لعزله
تراجع الحكومة الأمريكية قضية الجاسوس اليهودي الأمريكي جوناثان بولارد إثر الضغوط التي مارسها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عشية التوقيع على اتفاق واي ريفر مع ياسر عرفات من أجل إطلاق سراحه، وتتضمن مراجعة ملف بولارد بحث ما إذا كان سيخفف الحكم عليه بالسجن مدى الحياة وما إذا كان سيطلق سراحه ويسمح له بالذهاب إلى فلسطين المحتلة، حيث كانت الحكومة الإسرائيلية منحته جنسيتها قبل نحو عامين، وقد اعتقد نتنياهو أنه حصل على تعهد من كلينتون بإطلاق سراح بولارد ولكن الرئيس الأمريكي أكد أنه لم يقدم مثل هذا التعهد الحازم، وأن كل ما ذكر هو أنه سيتم إعادة النظر في القضية.
وقد أبلغ المستشار القانوني للبيت الأبيض تشارلز راف مسؤولين كبارًا في حكومة كلينتون بشأن المراجعة التي قال إنها بدأت في السادس عشر من شهر نوفمبر الماضي، وأنه طلب من مدراء وكالات الأمن والاستخبارات والدفاع الأمريكية تقديم تقارير تتضمن وجهات نظرهم إلى الرئيس كلينتون مع مطلع شهر يناير المقبل.
وقال الناطق باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض: إن الرئيس كلينتون سوف يتخذ قراره في الوقت المناسب بعد ذلك.
ولا تزال خيانة بولارد تثير مشاعر قوية في دوائر الاستخبارات والأمن الأمريكية العليا، وقد عارض كبار مستشاري كلينتون بشدة إطلاق سراح الجاسوس بولارد، وكان تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في وقت سابق من الشهر الماضي ذكر أن مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي. أي. إيه) جورج تينيت هدد بالاستقالة إذا أطلق سراح بولارد الذي يقضي حكمًا بالسجن مدى الحياة في سجن فيدرالي في ولاية كارولينا الشمالية، وفي حالة إطلاق سراحه فسيكون أول أمريكي يدان بالتجسس ويطلق سراحه ويسمح له بالذهاب إلى الدولة التي دفعت له المال مقابل التجسس لصالحها بتزويدها بالأسرار الاستخبارية الأمريكية.
وكان بولارد يعمل محللًا مدنيًّا للمعلومات الاستخبارية في البحرية الأمريكية وقام في شهر نوفمبر عام ۱۹۸٥م بأخذ كمية من الوثائق الاستخبارية السرية من مركز مكافحة الإرهاب تابع للبحرية الأمريكية بولاية ماريلاند، وكان من خلال جهاز الكمبيوتر يحفظ المواد الاستخبارية السرية للغاية والمتعلقة بالأسلحة السوفييتية والأجنبية والخطط الاستخبارية التي تجمع من مختلف وكالات التجسس الأمريكية ويزود بها الحكومة الإسرائيلية.
وألقى رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي القبض عليه، مما أثار عاصفة في العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا يزال الخلاف حول هذه القضية قائمًا حتى الآن.
وفي شهر يونيو عام ١٩٨٦م اعترف بولارد بأنه مذنب بالتجسس مقابل استعداده للاشتراك في تقييم الضرر الذي ألحقه بالولايات المتحدة على أمل أن ينال حكمًا مخففًا بدلًا من السجن مدى الحياة، واستخدمت زوجة بولارد الوثائق الاستخبارية السرية التي حصل عليها زوجها للحصول على عمل في العلاقات العامة لدى الحكومة الصينية وقد صدر عليها حكم بالسجن لمدة خمس سنوات.
ولا تزال تفاصيل الأضرار التي لحقت بالولايات المتحدة سرية، ولكن مسؤولين أمريكيين قالوا: إن عملية التجسس التي قام بها بولارد شكلت خطرًا كبيرًا على المخابرات السرية الأمريكية والتي اشتملت على مواقع الحقول الصواريخ السوفييتية وأتاحت الصور الاستخبارية لإسرائيل أن توجه صواريخها من طراز أريحا المزودة برؤوس نووية إلى حقول الصواريخ السوفييتية، وقدم بولارد إلى إسرائيل كذلك وثائق سرية كشفت تفاصيل حساسة عن عملاء أمريكا وأجهزة إلكترونية موجهة إلى الاتحاد السوفييتي وشيفرات سرية للاتصالات الدبلوماسية الأمريكية، وزود بولارد الإسرائيليين بنحو نصف مليون صفحة من الوثائق.
وكانت هذه القضية إنجازًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي، وقبل ذلك التاريخ كان رجال المكتب يضطرون بسبب السياسة الأمريكية لإغماض عيونهم عن عمليات التجسس الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة، وقال أحد مسؤولي قسم مكافحة التجسس في المكتب كنا في الغالب نلقي القبض على الإسرائيليين ثم يتم إبلاغنا بإطلاق سراحهم وطبقًا لما جاء في كتاب صدر عن القضية فإن إسرائيل خصصت لبولارد خمسة آلاف دولار شهريًّا منذ أن بدأ تنفيذ الحكم بالسجن مدى الحياة في شهر يونيو ١٩٨٦م، وإذا أطلق سراحه من قبل حكومة كلينتون فإن مجموع الأموال التي تنتظره ستصل إلى ٧٤٥ ألف دولار.
وقالت مصادر أمريكية: إن قضية بولارد شقت الطائفة اليهودية الأمريكية، فبعض الجماعات اليهودية توافق على أن بولارد يستحق العقوبة الشديدة بينما تقول جماعات أخرى أنه عومل بصورة غير عادلة.
وقام أقرباء بولارد بزعامة أخته كارول بحملة الإطلاق سراحه وازدادت هذه الحملة في إسرائيل في السنوات الأخيرة، وفي عام ١٩٩١م سعى بولارد إلى إطلاق سراحه، كما حاول تبرير تجسسه بحرب الخليج عام ١٩٩١م، وقال في رسالة إلى أحد الحاخامات اليهود نشرت في صحيفة وول ستريت جورنال إنه زود إسرائيل بصور استخبارية عن مصانع عراقية للأسلحة الكيماوية، ولكن المسؤولين في مكتب التحقيقات الفيدرالي ردوا على ذلك بقولهم إن التجسس من قبل الأصدقاء، يمكن أن يكون مدمرًا كالتجسس من قبل الأعداء، وأن الأصدقاء يمكن أن يصبحوا أعداء، وأشاروا إلى ما حدث في عام ١٩٦٧م عندما هاجمت الطائرات الإسرائيلية عمدا سفينة التجسس الأمريكية ليبرتي في البحر المتوسط، مما أدى إلى قتل ٤٣ أمريكيا وجرح ۱۷۱ آخرين.
وكان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قد رفض طلبات بالعفو عن بولارد في يناير ۱۹۹۳م، ومارس ١٩٩٤م، ويوليو ١٩٩٦م، وذلك استنادًا إلى توصيات وزيرة العدل جانيت رينو، وإلى ما ذكره البيت الأبيض من إجماع في وجهات نظر وكالات الأمن الأمريكية، بضرورة إبقاء بولارد في السجن.
وقال المدعي العام الأمريكي السابق الذي نظر في قضية بولارد جوزيف دي جينوفا: إن بولارد عرض للخطر آلاف الجنود الأمريكيين والشخصيات الدبلوماسية، وقام بولارد في الفترة ما بين مايو ١٩٨٤م ووقت اعتقاله في نوفمبر ١٩٨٥م بتقديم آلاف الصفحات من الوثائق الاستخبارية السرية إلى وحدة تجسس إسرائيلية سرية تدعى لاكيم وهي اختصار لمكتب الارتباط العلمي، وقد شكلت تلك الوحدة من أجل الحصول على أسرار الأسلحة النووية وغيرها من أسرار التكنولوجيا المتقدمة.
إن ما يجعل قضية بولارد لغزًا، سببه كما يشير العديد من المصادر عدم رغبة الحكومة الأمريكية في الكشف عما تعرفه عن نشاطات بولارد، إذ بعد اعتقاله قال وزير الدفاع الأمريكي الأسبق كاسبر واينبرجر في تقرير سري من ٤٦ صفحة قدمه عام ١٩٨٦م إلى المحكمة التي نظرت في قضية بولارد إن من الصعب رؤية ضرر للأمن القومي الأمريكي في عالم التجسس أكثر من الضرر الذي الحقه بولارد بالنظر لسعة وأهمية المعلومات التي باعها لإسرائيل، ووصف دي جينوفا ذلك التقرير بأنه أوسع المعلومات السرية في القرن العشرين.
وفي شهر مايو الماضي اعترفت إسرائيل رسميًّا ببولارد كجاسوس لها، ويبدو أن هذه الخطوة كانت الأولى في جهد رسمي لكسب إطلاق سراحه.
وقد أعرب دي جينوفا عن قلقه وتوقعه احتمال إفراج الرئيس كلينتون خلال سنة عن بولارد من دون الأخذ بعين الاعتبار الضرر الكبير الذي سيلحقه ذلك بالأمن القومي الأمريكي، وقال في ندوة عقدت مؤخرًا في مركز الدراسات السياسية الفلسطينية بواشنطن: إن كلينتون ألمح لنتنياهو أنه يمكن أن يفرج عن بولارد خلال مفاوضات واي بلانتيشن في شهر أكتوبر الماضي، ولكنه عدل عن رأيه عندما أدرك عمق المعارضة لهذه الخطوة في الأوساط الاستخباراتية والعسكرية الأمريكية، وقال ديجينوفا إن المراجعة لقضية بولارد لن تتم في وزارة العدل الأمريكية، بل في البيت الأبيض حيث ستطغى الاعتبارات السياسية على الاعتبارات القانونية، وهو ما يسعى إليه بولارد وأنصاره وأضاف ديجينوفا أن المستشار القانوني للبيت الأبيض، راف، سوف ينسق مع بعض العناصر في أجهزة الاستخبارات الأمريكية المتعاطفة مع البيت الأبيض، وسوف يدعون في المناقشات الداخلية وسوف يسربون إلى الصحافة أن الضرر الذي كان يمثله بولارد لم يعد موجودًا، وهذا سيحدث خلال سنة أو أقل.
وشكك دي جنوفًا في اطلاع كلينتون بشكل جدي على ملف بولارد أو أنه يدرك بالفعل مدى الضرر الذي ألحقه بولارد بأمن الولايات المتحدة ورأى أنه إذا كان كلينتون مطلعًا على الأضرار التي تسبب فيها بولارد، ثم أفرج عنه فإن ذلك يستدعي محاكمة الرئيس كلينتون وإقصاءه من منصبه، لأنه أخطر بكثير من انتهاكات كلينتون في فضيحة مونيكا لوينسكي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل