; قضية جارودي وقانون جييسو | مجلة المجتمع

العنوان قضية جارودي وقانون جييسو

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1998

مشاهدات 79

نشر في العدد 1288

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 17-فبراير-1998

قبل الحديث عن الموقف من جارودي بسبب إسلامه، فكرًا أو إعجابًا، أو عن مناصرته للقضايا العربية والقضية الفلسطينية والقضايا العالم ثالثية ونقده المعاصر «الآن في زمن قانون الحداثة» للإمبريالية ودول الشمال، وكشفه للأساطير الصهيونية والسياسات الإسرائيلية، يجدر البدء بالحديث عن القانون الذي قدم على أساسه للمحاكمة، وهو القانون الفرنسي الذي عرف باسم «قانون جيبسو».

يمكن أن نستعيد بهذا الصدد ما كتبه إدوارد سعيد ضد هذا القانون بمناسبة تقديم برنارد لويس للمحاكمة على أساسه، وذلك بعد تشكيكه في المذابح التي تعرض لها الأرمن عام ١٩١٥م على أيدي الانقلابيين الأتراك الذين أطاحوا بالسلطان عبد الحميد، ويعتبرون الآباء لحركة أتاتورك العلمانية، ووصل الأمر به إلى حد التشكيك كليًا في حدوث تلك المذابح، وعزا السبب وراء مقتل مئات الآلاف من الأرمن في صيف ١٩١٥م إلى سوء التغذية والبرد في الصحراء السورية، وبالمناسبة جارودي لم يشكك في أصل وجود المحرقة، وإنما ناقش الرقم الذي اتفقت على تأكيده الحركة الصهيونية، وبقي رقمه استنادًا إلى مصادر أغلبها يهودية في حد مليونين. 

يسأل إدوارد سعيد: «فما الذي يمكن أن يكون أسوأ بالنسبة إلى باحث- أو كاتب، أو مثقف، أو حتى صحافي- أن يحاكم قانونيًا لعدم إدلائه بالحقيقة؟ من الذي يعرف الحقيقة؟ هل تريد أن تشرع المحاكم مسبقًا ما الذي يعد حقيقة أم زيفًا؟! كيف يمكن للباحثين والعلماء أن يحققوا في مواضيعهم كعلماء وباحثين إذا كانوا يعلمون مسبقًا ما الذي يمكن أو لا يمكن أن يقولوه؟ هل يتماشى «قانون جييسو» مع حرية التعبير، وحق المرء في أن يكون له رأيه بغض النظر عما إذا كان هذا الرأي متوافقًا مع العقائد المصرح بها قانونيًا؟ «الحياة في ١٦/٤/١٩٩٤م تحت عنوان قضية برنارد لويس».

ويتابع: «هذه أسئلة مزعجة، ويبدو لي أن تزييف لويس للتاريخ يجب ألا يصبح أبدًا موضع مساءلة قانونية، بل نقاش وخلاف علنيين، إن في إمكان زملائه المثقفين بل من الواجب عليهم توجيه الانتقاد إليه، لكن حالما نسلم بأن الحقيقة والتاريخ هما أمران يخضعان للقانون وليس للنقاش والبحث، فإن ذلك سيضع حدًا لإمكان الفهم والتفسير الحقيقيين، ففي النهاية هناك دائمًا احتمال أن يكون الباحث أو العالم مقتنعًا بالفعل أنه يقول الحقيقة من دون أن يزور التاريخ بوعي أو يكذب عمدًا، هل سيقدم القانون عندئذ على الخطوة التالية، ويحاول أن يوجه المواطنين ليحدد لهم معتقداتهم؟». 

يأتي هذا الموقف الحار من إدوارد سعيد في نقد قانون «جييسو»، دفاعًا عن خصمه الفكري اللدود برنارد لويس عندما قدم إلى المحاكمة على أساس ذلك القانون، وقد فعل ذلك في الوقت الذي كان متفقًا كليًا «نصًا وحتى روحًا» مع تنديد نقاده الأرمن به «أي برنارد لويس»، وعلى رغم التناقض الظاهر في نفسي «إدوارد سعيد» فإنني أجد رغبة في الدفاع عنه» «المصدر السابق»، لكن هذا الموقف الذي يتسم بالنزاهة والشفافية من جهة، والذي ينقد قانون جييسو في العمق والجوهر من جهة ثانية، حرم من مثله جارودي، أولًا من إدوارد سعيد نفسه والذي تعرض له، أو عرَّض به فرماه بحجر بينما هو في قفص الاتهام بموجب «قانون جييسو»، وثانيًا من قبل العشرات من الذين ملؤوا الدنيا دفاعًا عن حرية الرأي حين تعلق الأمر بسلمان رشدي وغيره ممن جرحوا بشخص الرسول ﷺ شتمًا وهزءًا وسخرية بعيدًا حتى عن ادعاء البحث التاريخي أو البحث عن الحقيقة، هنا تعمى العيون، وتصم الآذان، ويطبق المعياران على القضية ذاتها.

 ثم لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، ليشن هجوم مركز على العرب الذين انبروا للدفاع عن جارودي، «هنا لم يعد علاقة لإدوارد سعيد فيما سيقال»، أما مرتكز الهجوم فيقوم على الحجة التالية: «الذين لم يدافعوا عن سلمان رشدي ليس لهم الحق في الاحتجاج على قانون «جييسو» أو في الدفاع عن جارودي وحقه في إبداء رأيه، أو أن الذين تنتهك حقوق الإنسان في بلادهم وتصادر الحريات فيها، لا يحق لهم الدفاع عن جارودي استنادًا إلى حقوق الإنسان، أو حرية الفكر وإبداء الرأي». 

وهكذا يؤخذ المدافعون عن جارودي بجريرة حكوماتهم، حتى لو كانوا من المثقفين المشهود لهم في الدفاع عن حقوق الإنسان وحرية الفكر وإبداء الرأي في بلادهم.. وهكذا يصبح من يقف مع جارودي متهمًا، ولا يحق لمن يقف ضد قانون متعسف أن يتكلم!.

يمكن أن تلحظ بهذه المناسبة، أن كل ما يقال عن الليبرالية والديمقراطية والحرية يسقط، ويأخذ اتجاهًا آخر حين يتعلق الأمر باليهود، ولو كان بعيدًا كل البعد عن اللا سامية، أي لو تعلق الأمر بنقد «هوليود» أو بالامتيازات الصهيونية في الإدارة الأمريكية والكونجرس، أو بالسيطرة على الإعلام أو بالإشارة إلى «سوروس» فردًا ورمزًا، ناهيك عن نقد الصهيونية وفكرها، أو السياسات الإسرائيلية في جوهرها، هنا تنتهي الليبرالية والديمقراطية والحرية، أما ما عدا ذلك فخذ منها ما نشاء ترويجًا للعلاقات «المثلية»، أو العلاقات الجنسية الحرة أو تهديدًا للعائلة، أو مساسًا جارحًا بالعقائد والمقدسات، وبكل ما هو مقدر ومحترم عند غالبية الناس، ويسمح بأن تتخذ كل الإجراءات، بما فيها المحاكمة، والنبذ، والتشهير، والعزل، وقطع الأرزاق بحق كل من ينقد، ولو بلطف شديد، ذلك المحرم الجديد والوحيد في الغرب، أي كل ما هو متعلق بما تراه الحركة الصهيونية ماسًا بها، وقد راحت تؤوله عداءً للسامية، حتى لو كان بحثًا تاريخيًا نزيهًا عن أعداد من أكلتهم محرقة هتلر، علمًا بأن العدد حين يقع الاختلاف فيه بين هل هو مليون أم ثلاثة ملايين بدلًا من ستة ملايين، فإنه لا يخفف من هول الجريمة شيئًا، لكن الحركة الصهيونية تريد أن تجعل من العدد الذي قدرته مقدسًا فوق البحث التاريخي والعلمي، وفوق نشدان الحقيقة، ويكفي دلالة على هذا الإرهاب ما حدث لمنافس كلينتون في الانتخابات الرئاسية الأخيرة «بوب دول» حين وصف هوليود باعتبارها مصدر الفساد في الولايات المتحدة، فاعتبرت تلك الإشارة عداءً للسامية، وطلب منه الاعتذار، وتمت محاسبته بعد الاعتذار في صناديق الانتخابات، وقد حدث الأمر نفسه مع الممثل مارلون براندو حين احتج على الصورة التي يقدمها اليهود في هوليود للسود والمكسيكان وغيرهم، فما كان منه إلا أن يجثو على ركبتيه طالبًا الصفح تحت التهديد بأن الأرض ستخسف من تحته إذا هو أصر على ما قال.

وإذا عدنا إلى قضية جارودي فستجد ذنوبه في أعين الصهاينة أكثر بما لا يقاس من كل ما تقدم، فكيف لا يقدم للمحاكمة، وبموجب قانون سيئ الذكر صوت ضده في السابق الرئيس الحالي جاك شيراك نفسه، وكيف لا يكثر أعداؤه، ويقل أنصاره، بل كيف لا يشدد بالنكير على من يقف إلى جانبه؟

الرابط المختصر :