العنوان قضية فلسطين في أدب «علي أحمد باكثير»
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر السبت 23-مارس-2002
مشاهدات 73
نشر في العدد 1493
نشر في الصفحة 52
السبت 23-مارس-2002
من أوائل من نادوا بالحصار الاقتصادي للعدو.. وحذر من متاهات المفاوضات والتنازلات.
د. نجيب الكيلاني باكثير طليعة الكتاب المسرحيين المبدعين عن عقيدة ويقين.
التحيز الغربي للصهاينة دفع باكثير للكتابة الساخرة.. ومهزلة الهزيمة الكبرى عام 1948م كانت وراء استدعائه للأسطورة في صورة جديدة.
سيد قطب: باكثير أول من أرهص بمأساة فلسطين في الأدب العربي المعاصر.
علي أحمد باكثير (۱۹۱۰ - ١٩٦٩م) رائد مدرسة متميزة في ميدان الفكر المسرحي الهادف، والقصة التاريخية المستشرفة والشعر الفخم الأصيل.
سجل سبقه الفني البليغ في هذه الميادين جميعًا، وقدم لنا نموذجًا رفيعًا للأديب المسلم الملتزم بالإسلام فكرًا وإبداعًا من خلال عطاء ضخم، رفيع الجودة نافذ التأثير، عبر مضامينه وموضوعاته العميقة الشاملة النابعة من ثقافة مكتملة، وصيرورة حضارية واعية.
سجل باكثير ريادته للغة مسرحية جديدة، ملأت مربعًا خاليًا في المسرح العربي الحديث، وأعني بها الشعر المرسل في اللغة العربية، رابحًا بذلك التحدي الذي قام بينه وبين أستاذه الإنجليزي في قاعات الدراسة بكلية الآداب.. حين أراد ذلك الأستاذ أن يدفع بلغته في سباق غير متكافئ مع اللغة العربية الجامعة، فما كان من باكثير الطالب إلا أن عبر عن غيرته على لغته - لغة القرآن - في صورة عملية جديرة بالاحترام والتقدير حين أقبل على ترجمة مسرحية روميو وجوليت لشكسبير عام ١٩٣٥م في صورة شعرية جديدة مكتشفًا تلك اللغة المسرحية المناسبة، مقدمًا ذلك البرهان الإبداعي لأستاذه الإنجليزي المتعالي بلغته فرده عن شروده وجهالته.
ثم سجل «باكثير» تلك الريادة - بالخط العريض - لشعر التفعيلة، بحواره الدرامي الفعال في مسرحيته إخناتون ونفرتيتي، سنة ١٩٣٧م مهتديًا إلى تلك اللغة المسرحية التي تتفجر مثلما يتفجر الماء المندفع من صنبور ضيق، فيكون أكثر قوة، وأشد تأثيرًا.
إلى ما سبق فإن «باكثير»، يتوسد عن أصالة وثقة.. قمة الرواية التاريخية فنيًا.. برواياته المتميزة «سيرة شجاع»، و«الثائر الأحمر»، و«شادية الإسلام» و«وا إسلاماه»، و«سلامة القس».
ولعل روايته، وا إسلاماه، تمثل وعيًا خاصًا - وقد ظهرت أواخر الأربعينيات من القرن الماضي - حيث يشير تاريخ تلك الفترة إلى الصراع الدموي، والاشتباك التاريخي بين العرب واليهود في فلسطين، كما يشهد نمو التيار الشيوعي في العالم العربي.
وتعتبر روايتاه الثائر الأحمر، و وا إسلاماه من أهم ما كتب في تلك الفترة، حيث كان منطلقه الإسلامي الصائب الصحيح هو الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه الناس والأحداث...
ويرى بعض النقاد أن رواية «الثائر الأحمر» لباكثير من قمم الأعمال الروائية الرائعة، لأن الكاتب حاول فيها أن يقدم رؤية للإسلام في مصر المعاصرة، من خلال معالجته للتاريخ الإسلامي، حيث تناول الصراع بين الشيوعيين، والإخوان المسلمين، في مصر، أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها.. في ضوء تصوير الصراع بين القرامطة، وأهل السنة، داعيًا إلى العودة إلى مبادئ الإسلام الأولى، مبينًا التحلل الخلقي والروحي الذي نشأ نتيجة الحركات المضادة للإسلام مثل الشيوعية التي رأى فيها مثلًا لحركة القرامطة في العصور السابقة.
ولعل ريادة باكثير لهذا المنحى القصصي، تكمن في أنه قدم الخط الإسلامي الصحيح الذي حمل عبء الجهاد عنه بالكلمة الفنية، حفاظًا على أمجاده ودفاعًا عن رجاله، إلى جانب ما قدمه من قصص اجتماعية ينتصر فيها للإسلام وتوجهاته.. بعيدًا عن إسقاطات اليمين واليسار، وابتزاز الاشتراكيين والشيوعيين، وتزوير ودس الماكرين، وهرطقة العلمانيين الجدد.
بالإضافة إلى ملحمته الإسلامية الكبرى عن عمر بن الخطاب التي سجل فيها لنفسه ريادة لا تباری.
القدس في القلب
وفي ظل التنوع الفريد والنتاج الضخم لباكثير، تعددت أصواته الفنية، ولوحاته التعبيرية التي كان واعيًا بمتطلباتها أيما وعي متمكنًا فيها.. ولها.. أيما تمكن... عن دراسة رفيعة للأدبين الغربي والعربي، وثقافة موسوعية شاملة، وفهم لرسالة الكاتب المسلم الذي يعمل على تحرير الشخصية الإسلامية من التبعية بكل صورها وألوانها، والتوصل إلى تأسيس وتأصيل مدارس واتجاهات إسلامية تعي وتستوعب العلوم الحديثة، وتتمثلها في إطار إسلامي، وتعمل على تأصيل الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
ويتحرك باكثير في ساحة الأدب الإسلامي وفق تصور إسلامي صحيح والقدس، هي البدء والمنتهى في رحلته الإبداعية.. فقد شكلت «فلسطين» بالنسبة لباكثير، ومضة الروح، ولمعة الإبداع، وكنز الاستعداد الفني الذي أبان عن ثقافته الواسعة، وإلمامه بالعوامل الخطيرة التي تدير عجلة الأحداث داخليًا وخارجيًا في إطار محكم من حقوق المنع والعطاء.
يقول باكثير ولأبدأ بأول مسرحية طويلة كتبتها عن قضية فلسطين، وكان ذلك في غضون سنة ١٩٤٤م، وقد تنبأت في هذه المسرحية التي أسميتها شيلوك الجديد، بنكبة فلسطين، وقيام الدولة اليهودية فيها، وخروج أهلها العرب منها، كما تنبأت بأن الحل الوحيد أمام العرب، هو فرض الحصار الاقتصادي على هذه الدولة الدخيلة حتى تختنق وتموت، وكان باكثير، قبل ذلك وبعده - يعتبر قضية فلسطين، خطأ إبداعيًا ساخنًا.. حتى في مسرحياته التي قدم فيها السخرية والملهاة، أو المحزنة والمأساة.
نقود تنتقم
كانت المشكلة الفلسطينية على أشدها في هيئة الأمم المتحدة، وكان سكرتيرها العام المسيو «تريجفي لي»، يتحيز لليهود تحيزًا صارخًا، يستفز الأعصاب - كما يقول «باكثير» حتى كانما كان مندوبًا لهم في الأمم المتحدة، إذ كان صهيونيًا أكثر من الصهيونيين أنفسهم «فكان قلبي يمتلئ قيحًا كلما قرأت اسمه، أو رأيت صورته في الصحف، وتضاعف حقدي عليه، فأخذ يغلي في نفسي، ويؤرق منامي، ويفسد علي سكينتي، ويدفعني للانتقام منه بقلمي، إذ لا سبيل إلى الانتقام منه بغيره، وقلت في نفسي: لأسخرن منه سخرية تمزقه وتمرغه في التراب.
وأسفرت هذه التجربة عن صورة خيالية بالغة السخرية، تجلت في تمثيلية «نقود تنتقم»، حيث أخبرت زوجة المسيو تريجفي لي، زوجها سكرتير عام الأمم المتحدة، أنها سمعت النقود المحفوظة في خزانته الحديدية تتحدث وتتحاور فيما بينها، وتتوعد بالانتقام منه، وذلك لأنها من النقود التي دفعتها الدول العربية المشتركة في هذه الهيئة. والتي تسربت إلى خزانته ضمن الراتب الكبير الذي يتقاضاه، فيتهم زوجته بالجنون والخبل ويتصاعد الحوار وتتنامى الأحداث إلى أن يرسلها إلى مستشفى للأمراض العقلية.. حيث يثبت الفحص الطبي أنها سليمة العقل.. ويمعن باكثير في سخريته المرة من هذا الشخص البغيض وشبيهه «حاخام» الوكالة اليهودية «موسيه شرتوك»... وتتكشف الخيوط الدرامية لهذه المأساة الملهاة عن نقطة تحول مهمة في حياة باكثير الفنية، حيث أعاد اكتشاف نفسه ثائرًا ساخرًا، مؤسسًا لبدء عهد جديد لعلاج القضايا السياسية في المسرح الحديث.
سأبقى في البيت الأبيض
وكان أول اكتشاف باكثير، لهذه القدرة الفنية عنده في تمكنه من معالجة الملهاة الساخرة، الملتزمة فنيًا وفكريًا.. حين كتب تمثيلية من فصل واحد، عن الرئيس الأمريكي الأسبق «ترومان» الذي بدأت على يده مأساة فلسطين، وكان عنوانها سأبقى في البيت الأبيض، وبعد نشر هذه التمثيلية في جريدة الإخوان المسلمون، ونجاحها إلى حد بعيد، تأكد عندي - كما يقول باكثير - أهمية مواصلة هذا الاتجاه السياسي، فكتبت ما يزيد على سبعين تمثيلية عن مختلف القضايا العربية والإسلامية، وكان معظمها يفيض سخرية حيث كنت أتناول الشخصيات الاستعمارية من أمثال تشرشل وترومان والجنرال سمطس، وكذلك أعوان الاستعمار وأذياله من العرب، ونشر باكثير على صفحات الإخوان المسلمون هذه التمثيليات العميقة الهادفة فيما بين عامي (١٩٤٥ - ١٩٤٨م)، ثم جمع بضع عشرة منها في كتابه مسرح السياسة، قائلًا: «هذه التمثيليات وإن كانت مستوحاة من ظروف وحوادث قد صارت في ذمة الماضي.. إلا أن مغازيها والقيم التي ترمز إليها في محاربة الاستعمار بشتى صوره وألوانه ومن جميع دوله وأعوانه، باقية كما هي على مر الأيام، فضلًا عن القيمة الفنية لهذا اللون الجديد من أدبنا التمثيلي الساخر.
ولست أدري لو امتدت بباكثير حياته إلى يومنا هذا .. ترى أي براكين من السخط الفني العارم، كانت ستتفجر داخل هذه النفس المشتعلة فنًا، الفوارة وطنية ورفضًا لكل انكسارات الواقع المهزوم الأليم.
إثر حرب فلسطين التي انتهت بانتصار اليهود، وقف باكثير، حائرًا مفزعًا.. حتى لتضيق أمامه صفحات التاريخ عن معالجة هذه النازلة الكبرى، فيقول: انتابني شعور باليأس والقنوط من مستقبل الأمة العربية، وبالخزى والهوان مما أصابها، وأحسست أن كل كرامة لها قد ديست بالأقدام، فلم تبق لها كرامة تصان، وظلت زمنًا أرزح تحت هذا الألم المحض الثقيل ولا أدري كيف أنفس عنه... ويقع باكثير بعد عناء هذه التجربة القاسية على مأساة أوديب... تلك الأسطورة اليونانية لفوكليس، فيذهب بها من مضمون إلى مضمون ومن فلسفة إلى فلسفة، ذلك أنه كان يحس في أعماقه أن الذنب الذي ارتكبه العرب في فلسطين، والخزى الذي لحقهم من جرأته، لا يوازيه في البشاعة غير ذلك الذنب الذي ارتكبه أوديب في حق أبيه وأمه، والخزي الذي لحق به جراء ذلك....
وجدير بالذكر هنا أن باكثير كان يلجأ إلى الأسطورة أحيانًا، حيث كان يجد فيها غنى وسعة وكفاية، ولكنه كان يتنفس من خلالها عبر رئة إسلامية صافية... فقد كان شديد الوعي بمضمون هذه الأساطير الوثني اليوناني.. لذا كان يعالج الأسطورة علاجًا جديدًا بمضمون جديد، وعقيدة جديدة، تخالف تلك العقيدة اليونانية القديمة، التي تجعل الإنسان ألعوبة في يد المجهول، وضحية لنزوات الآلهة المزعومة، ومن ثم كان يضع لكل حادث من حوادثها تفسيرًا يختلف به مدلوله عن مدلوله في الأصل، فيقدم لنا قيمًا مضافة للأسطورة تنبع من داخلها وتتساوق مع مضمونها بصورة فنية غير مشوبة ولا معيبة، فيطلق عمله الفني رسائله في صورة زخات وموجات تعبيرية ناجحة.
وفي حضور دافق لإسلامية المضمون والتصور وفنية التعبير والمعالجة، يتناول باكثير هذا التشيؤ اليهودي في فلسطين في مسرحيته «شعب الله المختار» التي كتبها عام ١٩٤٦م، وتعرض فيها لأخطار الهجرات اليهودية إلى فلسطين، وهو حريص كل الحرص على عملة من الوجهة الفنية حيث إنه كان يدرك تمامًا أن على الكاتب المسرحي ألا ينسى وهو يلتهب حماسة للدعوة التي يدعو إليها، أن المسرحية عمل فني قبل كل شيء، فيجب ألا يجور على فنيتها بحال من الأحوال.. فجاءت مسرحيته عملًا فنيًا رفيعًا، في الموضوع والحركة والشخوص متكاملًا في البناء والحركة والحوار.
ثم أتبعها بمسرحية إله إسرائيل، التي حلل فيها الوجود اليهودي من أقدم العصور حتى اليوم، حيث ضمت بضعة عشر منظرًا، مقسمة إلى ثلاثة أجزاء.. الجزء الأول: في عهد موسى، والجزء الثاني: في عهد المسيح، والثالث: في العصر الحاضر.. في قوة وتركيز وهندسة فنية تنفذ إلى لب الموضوع دون أن تفقد الجمهور التشوق والتطلع إلى ما يتصل به من ملابسات وتفاصيل.
التوراة الضائعة
ثم تأتي هزيمة ١٩٦٧م...
سيد قطب باكثير أول من أرهص بمأساة فلسطين فى الأدب العربى المعاصر
فتزلزل الأرض زلزالها.. ويتساءل الإنسان:
أين الثوريون التقدميون؟ أين الاشتراكيون العلميون؟ أين دعاة العزة والكرامة؟ أين الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة؟ أين؟ .. أين؟ ويكتم اليأس الأسود أنفاس البشر.. إلا من بجاحة المقبوحين، الذين لا يردهم عن الحق راد.
ثم تبدأ للسلاح قعقعات متناثرة في بعض الحركات الفدائية قبل أن تتوالى مشاريع الانكسار ومقاولات الخيانة، ليرسل باكثير الرائد هذا الصياح المنذر: لا صلح، قبل أن يقول: «أمل دنقل» لا تصالح بأربعين عامًا.
لا صلح يا قومي وإن طال المدى
وإن أغار خصمنا وأنجدا
وإن بغي.. وإن طغي. وإن عدا
وروع القدس وهذ المسجدا
وشاد في مكانه هيكله الممردا
وشرد الألوف من ديارهم وطردا
وذبح الأطفال والنساء.
والشيوخ ركعًا وسجدا
يلتمس العدو صلحنا سدى
لا لن يكون سيدا
ولن نكون أعبدا!
ويبدأ باكثير المقهور في تحليله الفني المخزون للصهيونية والنازية والحركة الفدائية الفلسطينية الوليدة.. باحثًا عن التوراة الضائعة، التي اخترعها اليهود في المنافي والشتات.
نثر «باكثير» الثريات الثماني عشرة، التي تشكل الملحمة الإسلامية الكبرى «عمر»، حيث تجلی النفس الإبداعي الطويل في هذا العمل الملحمي النفيس والقدس، بيت القصيد فيها.
ووسط هذه الكسف المتساقطة من سماء الوعي حينئذ.. يدلي باكثير في التوراة الضائعة، عام ١٩٦٩م بأخر أقواله في شهادة الصدق التي أداها في ميدان الأدب الإسلامي الحديث، ليلقي بعدها مباشرة - حيث كانت أخر ما كتبت - وجه ربه الكريم في ١٠ نوفمبر ١٩٦٩م، حيث كان أول من أرهص بمأساة فلسطين في الأدب العربي المعاصر في مسرحه، متناولًا قضيته بدرجة عالية من الصدق الفني، والحس السياسي والتيقظ القومي... كما نشر ذلك الشهيد «سيد قطب» في مقال له بمجلة الرسالة عام ١٩٤٦م.
-----------------------------------
المراجع
1- الثقافة، عدد ٦٩، ۱۹۷۹م، د عبد الواحد علام
2 - من أدباء الإسلام علي الجمبلاطي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية القاهرة ۱۹۷۰ ، ص ۹۳
3- القصة الإسلامية في دائرة الاتهام، د. صفوت زيد.
القاهرة ۱۹۹۹م، ص ۲۱
4- عقيدة الكاتب المسلم أنور الجندي، دار الاعتصام
القاهرة، ص ٦٠
5- حول المسرح الإسلامي د. نجيب الكيلاني، مؤسسة الرسالة، القاهرة، ط ۲، ۱۹۸۷م، ص ٧٤
6- فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية، علي أحمد
باكثير مكتبة مصر، ط ، القاهرة، ١٩٨٥، ص ٤٤
۷ - المرجع السابق ص 1
8- المرجع السابق ص ٧٦
9 - مسرح السياسة، علي أحمد باكثير مكتبة مصر القاهرة، ص ٥.