; قضية محاولة تفجير جمعية الإصلاح الاجتماعي بين قول النيابة.. والحكم | مجلة المجتمع

العنوان قضية محاولة تفجير جمعية الإصلاح الاجتماعي بين قول النيابة.. والحكم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1981

مشاهدات 50

نشر في العدد 527

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 05-مايو-1981

صدر الحكم في قضية متفجرة جمعية الإصلاح الاجتماعي على فواز فرحان العلاو بالحبس لمدة ١٥ سنة، وإبعاده عن البلاد بعد تنفيذ العقوبة مع براءة محمد يوسف أحمد درغام. 
أصدرت الحكم محكمة أمن الدولة في جلستها صباح يوم السبت ۲۷ جمادى الآخرة ٢ أبريل برئاسة الأستاذ صلاح الدين ذكري وعضوية المستشارين راشد الحماد، وكاظم المزيدي، بحضور الأستاذ يوسف المطاوعة وكيل نيابة أمن الدولة والسيد فاروق السبع سكرتير المحكمة.
وسننشر حيثيات الحكم في العدد القادم، إن شاء الله. 
ولأهمية هذا الموضوع حتى تكتمل الصورة رأينا أن ننشر مرافعة الأستاذ عبد الهادي العطار وكيل نيابة أمن الدولة لما فيه من بيان لحقيقة هذه القضية.

 

استمعت محكمة أمن الدولة إلى مرافعة النيابة في قضية محاولة تفجير جمعية الإصلاح الاجتماعي.. حيث ضمنت النيابة مرافعتها الإشارة إلى أن هذه القضية من خلال نظرة الشرع الإسلامي تنطوي على جريمة السعي بالفساد في الأرض، وعلى النحو الذي رتب له من الجزاء على مقارنتها بما يتفق وخطورتها على المجتمع.. وهي في ظل القانون الوضعي تشكل تهديدًا خطيرًا لأمن الدولة، نظرًا لأن الجرائم التي تضمنتها انتظمها فكر إجرامي محكم الترتيب والإعداد.. فضلًا عن احتوائها لمضمون سياسي واضح تمثل بالرغبة في إسكات كل صوت أو أية كلمة تعارض ولو أدى ذلك إلى إزهاق أرواح الآمنين.. وقد زاد من فداحة ما أقدم عليه الجناة أنهم تصدوا لتدمير رمز من رموز الإسلام في هذا البلد.. يؤكد ذلك ما تبين من الاطلاع على أعداد مجلة المجتمع المرفقة بالأوراق.. إنها تصدت طويلًا وعلى مدى شهور سابقة على تاريخ الحادث للوضع السياسي في إحدى البلدان العربية وعلى نحو أغضب البعض.. ثم تناولت النيابة في مرافعتها ما استخلصته من ماديات القضية وأدلتها في مجال ثبوت الاتهامات المسندة إلى المتهمين.. وأكدت بأن هذه الأدلة قد تضافرت تضافرًا فريدًا فاضت به الأوراق وجاءت متسقة متطابقة حتى كادت أن تكون تلبسًا بالنسبة للمتهمين.. 

وكانت المحكمة قد استهلت جلستها التي عقدت برئاسة المستشار صلاح الدين ذكري وعضوية المستشارين راشد الحماد وكاظم المزيدي وحضور الأستاذ عبد الهادي العطار وكيل نيابة أمن الدولة والسيد فاروق السبع سكرتير المحكمة.. بالمناداة على المتهمين لإثبات حضورهما ومثولهما للمحاكمة.. ثم استفسرت من النيابة عن إنجازها لعدد من المهام التي كانت قد كلفتها بها.. فقدمت النيابة تقرير الخبير الميكانيكي وتقرير المضاهاة لثلاثة من السكان الذين يقيمون بشقة المتهم الثاني، حيث انتهى التقرير إلى أن خطهم يختلف عن خط العبارات المدونة على ورقة المخطط المضبوط، وعقب ذلك نهض الأستاذ عبد الهادي العطار واستهل مرافعة النيابة بالإشارة إلى قوله تعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة : ٣٣).

 

 واستخلص قائلًا بأن القضية الماثلة من خلال نظرة الشارع الإسلامي هي قضية تنطوي على جريمة السعي بالفساد في الأرض، رتب لها سبحانه وتعالى من الجزاء على مقارنتها بما يتفق وخطورتها على المجتمع من قتل أو صلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو نفي من الأرض، وسمي ذلك بحد الحرابة، انطلاقا من أن دار المسلمين هي دار الأمن والأمان ومن يعبثون بأمنها أو يخلون باستقرارها يعاقبون بجزاء من نفس عملهم؛ فضلًا عما ينتظرهم في الآخرة من عذاب السعير، جزاء لما قارفت يداهم. 

وهي في ظل قانون البلاد الوضعي الذي استلهم مبادئ وروح الشرع الإسلامي بحسب طبيعة الجرائم التي انطوت عليها من قضايا أمن الدولة وفقًا لمواد الاتهام. 

وما من شك أن الجرائم محل هذه القضية إنما تندرج ضمن الجرائم المنظمة التي تشكل خطورة إجرامية لا تخفى، فقد انتظمها فكر جنائي منظم محكم الترتيب والإعداد، كما احتوت مضمونًا سياسيًا واضحًا تمثل بالرغبة في إسكات كل صوت أو كلمة تعارض مهما كانت النظرة إلى كنه المعارضة، ولو أدى ذلك إلى إزهاق أرواح الناس الآمنين الأبرياء، كما أنه لا يدل على خطورة هذه الجرائم أنها وهي في دور الترتيب والإعداد لها استكنت في جوف الخفاء وأخذت بكل ضروب الحيطة والحذر حتى لا يفتضح أمر الفاعلين ومن ورائهم عين الأمن الساهرة، ولكن الله جلت قدرته كان لهم بالمرصاد، وصدق فيهم قوله تعالى ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ (النساء: ١٠٨). 

 

وقد زاد من فداحة ما أقدم عليه هؤلاء الجناة أنهم تصدوا لتدمير رمز من رموز الإسلام في هذا البلد، فجمعية الإصلاح الاجتماعي- مسرح الجريمة وهي إحدى المؤسسات الشرعية التي أنشئت حسب القانون تهدي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقوم بأعمال البر والإحسان، وتمثل كل القيم والمبادئ التي نادى بها الدين الحنيف جاهدة في نشره ورفع شأنه في أرجاء المعمورة، وتقف بالمقابل ندا لكل ما يجرح هذه المبادئ وتلك القيم، فإذا أرادت الطغمة من المتهمين التنكيل بهذا الرمز وسفك الدماء الزكية وإزهاق الأرواح البريئة لبث الرعب في كل قلب ونشر الفزع في كل نفس، وقبر الكلمة في كل فم.. انبرت لها أجهزة الدولة بكل ما وسعها الجهد الشريف وقدمتهم إلى ساحة القضاء لينالوا عقابهم العادل.

 

الاتهامات ثابتة

 

• ثم تطرق في مرافعته إلى التحدث عن الاتهامات المسندة للمتهمين وهي الشروع في القتل عمدًا ومع سبق الإصرار- الشروع في استعمال متفجرة- إحراز مفرقعة بقصد ارتكاب جريمة بواسطتها - إحراز متفجرة بغير ترخيص من الجهة المختصة - تزوير في محرر رسمي - وإثبات بيان كاذب في محرر من أوراق المرور. وقال إنها في الأربع الأولى منها قد انتظمها فكر جنائي واحد، وهي بالنسبة للباقي منها يلاحظ بشأنها أنها ارتكبت توصلًا إلى الاستحصال على ستار لصفة وهمية ومسوح كاذب إمعانًا في ارتكاب الأولى بصورة محكمة، وأضاف بأنه وباستعراض وقائع الدعوى نجد أن قصد القتل مع سبق الإصرار في مواجهة المتهمين- ماثل مثولًا بينا بغير حاجة إلى تخريج واستنباط، فقد استخدم المتهمان سلاحًا شديد الفتك يتمثل بقنبلة موقوتة تزن كيلو جرامين من مادة «ت , إن , ت» الضاربة في قوة تدميرها والتي إن انطلقت من عقالها فإنها لا تبقي ولا تذر في حصد الأرواح والأموال، كما تخيرا لانفجارها الساعة التاسعة مساء يوم 17/11/1980، ودساها قرب مكان أيقنوا أنه في هذا الوقت بالذات يجتمع فيه عدد غير محدد من مستخدمي مجلة المجتمع وأعضاء جمعية الإصلاح الاجتماعي لتجميع نسخ مجلة المجتمع التي تصدر من المطبعة في مثل هذا المساء من كل أسبوع، كما تعمدوا أن يكون مكان وضع القنبلة ملاصقًا لصندوق التحكم المركزي لكهرباء مبنى جمعية الإصلاح الاجتماعي وأعلى قبو تخزين منشورات الجمعية ومجلة المجتمع؛ بقصد تحقيق أكبر قدر من القتل والتدمير.. وهو ما ينم عن أن هذين المتهمين ومن ظاهرهم في هذا العمل داخل وخارج البلاد قد خططوا لارتكاب الحادث بهدوء وروية بعد أن علموا بتفاصيل النشاط اليومي للجمعية وألموا بأوصاف مبناها من الداخل والخارج، فأعدوا للأمر عدته وهم على دراية تامة بمدى خطورة الجرم الذي سيقدمون عليه والأرواح البريئة الكثيرة التي ستفنى.

 

لم تكن الجريمة مستحيلة

 

ومن نافلة القول التأكيد على أن قصد المتهمين من وضع المتفجرة المضبوطة في مبنى جمعية الإصلاح الاجتماعي إزهاق أرواح الموجودين فيه بالإضافة إلى تدمير وحرق المبنى، وإلا لوضعوا هذه القنبلة في مكان خارج الجمعية أو تخيروا لانفجارها وقتاً تخلو فيه من روادها ومستخدميها. ولا أهمية في هذا المجال مما أثبته خبير المتفجرات في تقريره المؤرخ 7/4/1981 أنه يستبعد قتل أحد من الموجودين في غرفة التحزيم التي وضعت بقربها قنبلة المتهمين بسبب وجود دعامة كونكريت بعرض ١٦٣ سم تحجز الانفجار عن المجني عليهم في هذه الغرفة؛ إذ لا يستطيع أحد أن يتنبأ بمن كان سيتواجد في مكان الانفجار لحظة حدوثه في غير تلك الغرفة ويذهب ضحية له، لأن مقر الجمعية ما هو إلا مكان عام يطرقه أي كان من العامة وفي أي وقت.. ومن ثم فإنه وقد ثبت من ظروف الدعوى اتجاه قصد المتهمين إلى القتل باستعمال قنبلة موقوتة فإنه لا عبرة بعد ذلك بكون هذا القصد محدودًا أو غير محدود؛ متى ثبت أن المذكورين قبلا سلفًا إصابة كل من تلحق به إصابة من أثر الانفجار، فعدم تمييز القصد بشخص معين بذاته أو تحديده وانصراف أثره لغيره لا يؤثر على قيام القصد الجنائي في جريمة القتل العمد ولا يدل على انتفائه (نقض مصري)، كما أنه لا جدوى هنا أيضًا من إضفاء وصد الجريمة المستحيلة على تلك الواقعة لأن الجريمة لا تعتبر في عداد الجرائم المستحيلة إلا إذا لم يكن في الإمكان تحققها مطلقًا، كأن تكون الوسيلة التي استخدمت في ارتكابها غير صالحة البتة، أما إذا كانت الوسيلة صالحة بطبيعتها ولكن النتيجة لم تتحقق بسبب ظرف آخر خارج عن إرادة الجاني فلا يصح القول بالاستحالة (نقض مصري). وهديا بما تقدم فإن وجود الجدار الموصوف بتقرير خبير المتفجرات الذي وضعت القنبلة بجواره وإن كان قد أثار في الذهن اعتباره عائقًا يحول دون وصول آثار التفجير إلى غرفة التحزيم أو إلى أي مكان آخر -إن قدر للمتفجرة أن تطلق قوتها العمياء في الوقت المحدد لها- إلا أن ذلك لا يؤدي إلى القول بأننا بصدد جريمة مستحيلة طالما ثبت أن وسيلة ارتكابها وهي المتفجرة المذكورة- صالحة للاستعمال وأن عدم تحقق النتيجة كان بسبب ظرف آخر يجهله المتهمون وخارج عن إرادتيهما.

 

وتهمة الشروع باستعمال متفجرة

 

وبالنسبة لتهمة الشروع في استعمال متفجرة قال وكيل النيابة إن نص المادة

 

٢٤٧ من قانون الجزاء المقيدة بها هذه التهمة إنما أورد جريمة خاصة متميزة هي جناية استعمال المواد المتفجرة، وليس ظرفًا مشددًا لجرائم الحريق كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، نظرًا لورود تلك المادة مع نصوص جرائم الحريق ولا حالتها إلى تلك المادة مع نصوص جرائم الحريق ولا حالتها إلى تلك النصوص، وترجع حقيقة أمر إيراد هذا النص في الفصل الخاص بجرائم الحريق إلى الشبه القائم بين التدمير بواسطة النار والتدمير بواسطة المتفجرات من حيث أثره وأن الجاني يستعين في كليهما بقوة عمياء من قوى الطبيعة المدمرة مع ما لكل منهما من ذاتية خاصة مستقلة، إذ إن الركن المادي في الجريمة الأولى هو فعل الإحراق بالنار أما في الجريمة الثانية فهو فعل التدمير باستعمال المتفجرات، وقال إنه إذا خلصنا إلى ما تقدم ومن حيث إنه ثبت لهيئة المحكمة الموقرة أن المتهمين الأول والثاني ومعهما المتهم محمد أحمد الخطيب عقدوا العزم على قتل عدد غير محدود من الأشخاص المتواجدين في مبنى جمعية الإصلاح الاجتماعي مساء يوم 17/11/1980. 

 

على نحو ما أسلفنا- فإنهم وتحقيقًا لهذا القصد حملوا قنبلة زمنية ظهيرة ذلك اليوم، تسللوا بها إلى مقر جمعية الإصلاح الاجتماعي وأخفوها في مكان مختار من مبنى الجمعية وضبطوا موعد انفجارها على الساعة التاسعة مساء، والثابت من معاينة مكان الحادث أن المتهمين عمدوا أن تكون تلك المتفجرة الرهيبة في مكان يتحقق فيه أكبر قدر من الدمار والحريق بمبنى الجمعية، مع ما يصاحب ذلك من قتل وتقطيع أوصال الضحايا الموجودين في المكان، وقد أتى تقرير خبير المتفجرات على وصف هذه القنبلة وصفًا دقيقًا مدعومًا بالصور، أحاط فيه بالقوة المدمرة التي تحتويها. إذ أثبت أنها عبارة عن عشرة قوالب من مادة «ت ، ن ، ت» شديدة الانفجار تزن «٢ کج» روسية الصنع مزودة بصاعق وجهاز توقيت، وأن لها قوة قاتلة ومدمرة مداها دائرة نصف قطرها ١٥ مترًا، كما أثبت هذا التقرير صلاحية الانفجار في الموعد الذي حدده الجناة.

 

الإحراز ثابت

 

ثم تحدث وكيل النيابة عن تهمة إحراز متفجرة بغير ترخيص، وإحرازها بقصد ارتكاب جريمة بواسطتها فقال إنه ليس المقصود بذلك الإحراز المادي فقط، بل يشمل أيضًا الإحراز المعنوي، بمعنى أن يكون سلطان الشخص مبسوطًا على الشيء ولو لم يكن في حيازته الفعلية؛ طالت فترة الإحراز أو الحيازة أو قصرت. كما أن القصد الجنائي في جريمة إحراز المتفجرات يتحقق دائمًا متى ثبت علم المحرز بأن ما يحرزه مفرقع أو مما يدخل في تركيب المفرقعات، لا ضرورة بعد ذلك إثبات نيته في استعمال مفرقع في التخريب والإتلاف، (نقض مصري).
 ولما كان ذلك وكان الثابت من تقارير خبير المتفجرات المتوافرة ومن شهادته أثناء نظر الدعوى أمام المحكمة الموقرة أن المفرقعة التي استعملها المتهمان لارتكاب جريمتهما السابق شرحها هي مما تنطوي عليه مادتا الاتهام. وحيث إنه ثبت من التحقيقات أن تلك القنبلة نقلت إلى مكان الحادث بسيارة المتهم الثاني وحملها المتهم الأول ليضعها في المكان المحدد لانفجارها فقد توافر في حق المتهمين الأركان الكاملة لهذه الجريمة أيضًا.

 

ومما يجافي المنطق والعقل أن يقدم باقي المتهمين على تحميل المتهم الأول تلك المتفجرة لوضعها في المكان المحدد مع جهله بما يحمله -إن صح تقريره- مع علم المتهمين الآخرين محمد أحمد الخطيب- ومحمد يوسف درغام- بما في ذلك من خطورة على المتهم وعلى خطتهما المدبرة، فيكون ذلك المتهم كحاطب ليل يحمل حزمة أغصان بينها حية تلدغه دون أن يدري، في حين أن مثل ذلك المتهم أكثر مكرًا وذكاء من أن يمضي فيما أمره المتهمان دون بصر وبصيرة.

 

وبالنسبة لتهمة التزوير في محرر رسمي وإثبات بيانات كاذبة في طلب الحصول على رخصة القيادة محل التزوير التي اختصت بها النيابة المتهم الأول.. قال وكيل النيابة في مرافعته إن ما قارفه المتهم الأول بهذا الخصوص صورة من صور التزوير المعنوي بأن أملى على الموظف المختص بيانًا كاذبًا يجافي الواقع بأنه إمام مسجد، فأثبت الموظف ذلك في المحرر المزور وقد قرن المتهم تلك الصفة الكاذبة بالظهور بدقن طويلة ومسوحًا مزيفًا لإدخال تلك الصفة على المكلف بكتابة المحرر على نحو لا يدعو إلى الشك والريبة فيه، فإذا كان التزوير كذبًا مكتوبًا فإن المتهم فواز لجأ إلى ذلك الكذب بهدف الحصول على صفة وهمية ومظهر كاذب يعينه على ارتكاب دوره الإجرامي، وقد تخير من الصفات أنقاها وأطهرها وأقربها إلى الله وقلوب الناس، هي مهنة إمامة المؤمنين في المساجد، كما اتخذ لنفسه للغاية ذاتها لقبًا مزيفًا هو الشيخ عطية خليل سحطوط.

 

وأيضًا البواعث

 

ثم تحدث وكيل النيابة الأستاذ عبد الهادي العطار في مرافعته عن البواعث وقال: إن الجريمة لا تنشأ من عدم، بل لا بد من باعث وراءها يحركها ويدفعها إلى حيز التنفيذ. والباعث الدافع للجرائم محل الدعوى يتمثل في أن جمعية الإصلاح الاجتماعي محل الحادث من جمعيات النفع العام التي أنشئت طبقًا للقانون، هدفها وركيزتها الأساسية هو العمل على تعميق الوعي الديني لدى العامة وترسيخ المثل والمبادئ التي ينادي بها دين الله الحنيف في نفوس النشء، بالإضافة إلى الجهاد في سبيل نشر الإسلام والمحافظة على شرعه في أرجاء المعمورة ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا. وهي من أجل تحقيق هذه الأهداف تقوم بإصدار الكتب والنشرات الدورية وعقد الندوات بالإضافة إلى إصدار مجلة أسبوعية مقرها في مبنى جمعية الإصلاح الاجتماعي، هي مجلة المجتمع، ويتبين من الاطلاع على نسخ هذه المجلة.. المرفقة بأوراق الدعوى أنها ذات طابع ديني سياسي، وقد تصدت في أعداد كثيرة على مدى عدة شهور سابقة على تاريخ الحادث للوضع السياسي في سوريا مسايرة للجانب المناهض للحكم في الجمهورية العربية السورية، على نحو أغضب السلطات السورية وأثار المسؤولين فيها. 

ولما وقع الحادث بادر الشاهد إسماعيل الشطي ورئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي عبد الله علي المطوع إلى حصر الاتهام في السلطات السورية بارتكابه عبر سفارتها في دولة الكويت، وإبراز الباعث الذي دفع تلك السلطات إلى محاولة تفجير مبنى الجمعية مساء يوم 17/11/1980 م وأفاضا في شرح الأدلة والقرائن التي تؤيد هذا الاتهام على النحو الوارد في أقوالهما وفي شهادة خالد عبد اللطيف المسلم، سفير الكويت السابق في سوريا، حتى إذا ما أسفرت التحريات والاستدلالات إلى ضبط المتهمين الماثلين جاءت الأدلة تقطع بصلة هذين المتهمين بضابط المخابرات في السفارة السورية المدعو عزيز ديوب الذي يشغل وظيفة دبلوماسية في السفارة السورية، هي رئيس القسم القنصلي، وبالمتهم محمد أحمد الخطيب بعد سفر عزيز ديوب إلى بلده قبل عدة شهور من تاريخ الحادث، إذ تبين أن القاسم المشترك بين المتهمين الماثلين أمام عدالة المحكمة هي علاقاتهما بالدبلوماسيين المذكورين وترددهما على عزيز ديوب في مسكنه وفي السفارة مع ما بين الأخير والمتهم الأول فواز من فرق شاسع في المركز الاجتماعي، فهذا رئيس للقسم القنصلي في السفارة السورية وذاك فراش دورات مياه، وصلتهما أيضًا بالمتهم محمد أحمد الخطيب الملقب بأبو أحمد، كما أن إضفاء صفة إمام مسجد على المتهم الأول فواز في جواز سفره الذي استند إليه في ارتكاب جريمة التزوير برخصة قيادته تم بمعرفة عزيز ديوب نفسه وبتوقيعه الذي أثبت فيه على خلاف الحقيقة أن المتهم قدم الأوراق الثبوتية لمهنة إمام مسجد، وذلك إمعانًا في التستر بمسوح الدين حتى يتمكن ذلك المتهم من التواجد داخل جمعية الإصلاح دون أن يثير الريبة، فيتحسس نبض الحياة فيها ومساره وسبر غور منافذها والحراسة عليها، الأمر الذي يخلص إلى أن تلك الجرائم التي قارفها المتهمون تمت بصورة منظمة، فهناك من قام بتحضير المتفجرة وإعدادها والتخطيط لارتكاب الجريمة، كما تسلطت إرادته على بشر يقيمون في البلاد لتنفيذ هذه الجرائم البشعة، فتصيد في النفوس أضعفها ووجد في المتهم الأول ضالته المنشودة فهو فراش لا قيمة له، يزكيه ماض أسود مضطرب وخلق ينزع إلى الشر والأنانية، فلمس وتر الضعف لديه بما يلوح له من إغراءات يسيل لها اللعاب بتدبير مسكن له أو مصلحة ينالها (حصول المتهم فواز على مناقصة نقل تلاميذ المدارس السورية في دولة الكويت) وكان لتلك الجهة ما أرادت فسار على دربها المتهم كأداة لتنفيذ الجريمة. 

أما المتهم الثاني محمد يوسف درغام فبالإضافة إلى صلته المشبوهة بعزيز ديوب ومحمد الخطيب وبما شهد نحوه المدعو محمد رشاد حراكي من أنه يتهم بجمع الأخبار عن الإخوان المسلمين؛ فقد روى المتهم فواز فرحان في اعترافاته أن محمد يوسف يعمل ضابط أمن في السفارة السورية برتبة ملازم، مما ينبئ عن ذلك أن المتهم شخص غير عادي مخول من قبل بلده لتنفيذ تعليماتها مختفيًا تحت ستار أعمال أخرى تمويها لدوره الحقيقي، قرينة ذلك أنه ظل أشهرًا طويلة قبل الحادث عاطلًا عن العمل. فمن أين له بالمال الذي ينفقه في معيشته ومن أين له السيارة التي أستعملها في ارتكاب الحادث؟!

 

 الأدلة والاعتراف

 

 ثم تناول الأستاذ عبد الهادي العطار في مرافعته التطرق إلى الأدلة التي تؤكد ثبوت هذه الاتهامات بحق المتهمين، وقال إنها تضافرت وتستخدم مزيدا فاضت به الأوراق وجاءت متسقة متكاثفة يساند بعضها بعضًا حتى كادت أن تكون تلبسًا بالنسبة للمتهمين، وسواء بالنسبة لماديات الدعوى وتقارير الخبراء وإجراءات معاينة مكان الحادث وإفادات الشهود، وما أسفرت عنه تحريات رجال المباحث إلى ضبط المتهمين المذكورين بالذات، وأيضًا وفي المقام الأول اعترافات المتهمين وبوجه خاص اعتراف المتهم الأول الذي جاء مفصلًا نقيًا من كل شائبة، ليكون المفتاح الذي فتحت به مغاليق القضية.. وما أيده من تسميته لجميع الأشخاص الذين شاركوه هذا العمل الإجرامي، وإرشاده رجال المباحث إلى مكان الحادث وتمثيله لطريقة ارتكابه له بصور فوتوغرافية التقطها المصور للمتهم المذكور إبان ذلك.. وما قرره من أنه ارتبط بالعمل كمخبر لضابط الاستخبارات في السفارة السورية منذ بداية عام ۱۹٧٩ وأنه كان يتردد عليه في السفارة وفي مسكنه ليحيطه بأخبار الإخوان المسلمين السوريين المقيمين في البلاد ويزوده بالمنشورات التي تصدرها جمعية الإصلاح الاجتماعي.. وما كشف عنه من لقاءاته المتعددة بالمتهم الثاني وغيره ممن أشار إليهم في التحقيقات.

 

يقرض الشعر ويتعلق بحب سهام 

 

وبالنسبة للمتهم الثاني قال وكيل النيابة إنه أكثر خطورة من المتهم الأول.. لما كشفت عنه التحقيقات من علاقة المذكور بضابط الأمن في السفارة السورية عزيز ديوب ومن بعد محمد أحمد الخطيب وظروف معيشة هذا المتهم في البلاد مما ينبئ عن أنه يقوم بمهمة استخبارية سرية ترتبط بالمذكورين. وهو وإن أنكر ذلك إلا أن الأدلة التي توصلت إليها التحقيقات ينطبق بوصم هذا المتهم بالجرائم المقيدة ضده، وأول هذه الأدلة هي العثور على المخطط المضبوط والرسالة الموجهة من عزيز ديوب إليه عبر المدعو بسام إسماعيل، فإن كان يصح القول أن المجرم لا بد أن يترك توقيعه على مسرح الجريمة فإن هذين المحررين هما توقيع المتهم محمد يوسف درغام ويكفي لإثبات ذلك هذين المحررين بالحادث أنهما استرعيا انتباه ضابط المباحث وعلى الأخص المخطط مع ما يشوب هذا المخطط من الغموض والإبهام، ويغني في هذا الشأن إلى ما أثبتته لجنة الخبراء المهندسين التي انتدبتها هيئة المحكمة الموقرة من أن ذلك المخطط بلا ريب يمثل جمعية الإصلاح الاجتماعي والرموز التي يتضمنها هي للحادث محل الدعوى وأضاف قائلًا: ولما كان وجود المخطط المضبوط بحوزة المتهم محمد يوسف درغام في مسكنه دليل إدانة في مواجهته فإن إنكار صلته بهذا المخطط أو علمه به ما هو إلا دفاع بلا سابق يسانده بل على العكس من ذلك فإن التحقيقات التي أجريت بمعرفة المحكمة الموقرة وصمت المتهم بذلك المتهم إذ تبين من شهادة سعد محمد أسعد ومحمد رجاء ريحان اللذين يشاركان المتهم السكن أن المتهم المذكور يقرض الشعر على النمط المدون على ظهر المخطط المضبوط، وأن سهام التي ورد اسمها محاطًا بنجوم العشق والهيام في وسط قصيدة الشعر ما هي إلا سهام حرحوش السورية الجنسية- التي كان المتهم متيمًا بها ويدس لها عبارات الحب وأبيات الشعر في سيارتها كل صباح على نحو ما شهدت به المذكورة في التحقيق، فلم يبق بعد ذلك إلا القول أن المتهم محمد يوسف درغام قد رسم المخطط المضبوط على ظهر الورقة التي كان قبل ذلك قد سطر عليها قصيدة الشعر الموجهة إلى محبوبته سهام، وقد يكون العكس لا فرق إنه كتب تلك الأبيات على ظهر الورقة التي سبق أن خط على وجهها الآخر جريمته رموزًا وخطوطًا مبهمة تبين أنها لمحل الحادث جمعية الإصلاح الاجتماعي.

 

وبالإضافة إلى تلك القرائن المادية الثابتة في حق المتهم فإنه مما يدعو إلى الاطمئنان إلى صدق ما اعترف به عليه المتهم فواز فرحان من أنه كان شريكًا له في ارتكاب الحادث اشتراكا فعليًا بأن حمله المتهم محمد أحمد الخطيب بالسيارة إلى مكان ارتكابه مساء يوم 17/11/1980 ثم قام بدور المراقبة قرب باب الجمعية وعاد بهما بالسيارة إلى مسكنه، حيث تركه وانصرف مع المتهم محمد أحمد الخطيب، مما يدعو إلى هذا الاطمئنان أن المتهم فواز أصر في جميع مراحل التحقيق في الشرطة والنيابة على دور المتهم- محمد يوسف درغام- في الحادث إصرارًا تواتر على نفس التفصيل حتى حينما تراجع المتهم فواز في آخر مراحل التحقيق بالنيابة العامة عن اتهام محمد عبد الرحمن قطاوي وبرأه من مقارفة الحادث إرضاء لضميره ورغبة منه في لقاء ربه مظلومًا لا ظالمًا على نحو ما قرر في الصفحة ٢١٥ من تحقيقات النيابة فإنه مضى بإصرار يؤكد اشتراك محمد يوسف درغام في تخطيط وتنفيذ الجرائم المرتكبة- صفحة ٢١٥ من تحقيقات النيابة- دون أن يتبين من الأول تلفيق مثل ذلك الاتهام للثاني بين المتهمين فواز و محمد درغام تبرر الأول تلفيق مثل ذلك الاتهام الثاني بل على العكس، إذ أقر محمد يوسف أنه كان يجالس المتهم فواز في مسكن عزيز ديوب و يداعب أطفاله واستطرد قائلًا ومما يعزز الأدلة القائمة قبل المتهم الثاني محمد يوسف درغام القرينة المستمدة من تعرف الكلب البوليسي عليه بدلالة القميص المضبوط وقد تم عرض المتهم على الكلب البوليسي حسب الإجراءات المتبعة في هذا الشأن، وبكل الحيطة والحذر، كما استصحب مدربو كلية الشرطة ثلاثة كلاب بوليسية زيادة في الحرص والاطمئنان عند عرض المتهم للاستعراف فتعرفت عليه الكلاب البوليسية مرتين وبلغت حاسة شم الكلب البوليسي الذي تعرف على المتهم أنه تعرف على شخص عرض مع المتهم في نفس الطابور لمجرد أن ذلك الشخص اختلط مع المتهم في زنزانة التوقيف بمخفر حولي، من ثم فإن استعراف الكلاب البوليسية على المتهم محمد يوسف درغام ينبئ عن أن ذلك المتهم اتصل بالقميص الذي ضبط مع القنبلة مساء يوم الحادث بطريقة ما عند تحضيرها وإعدادها أو حين نقلها إلى مكان الحادث بسيارته. 

 

أقصى العقوبة.

 

 وفي الختام أنهى الأستاذ عبد الهادي العطار مرافعته بطلب إنزال أقصى العقوبة بحق المتهمين زجرًا لهما وردعًا لغيرهما ممن تسول له نفسه مقارفة الجريمة.. وقال إن العدل صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، وهو أساس الملك بين البشر في المجتمعات المنظمة. 
وقد نطقت حوادث القضية بالدليل القاطع والبرهان الساطع على مقارفة المتهمين جرائمهما البشعة التي نالت من أمن وسلامة البلاد، وبث الرعب والفزع في نفوس الناس، فاستحقا العقاب جزاء ما ارتكاباه في هذا الشأن.

الرابط المختصر :