; قلبي معكم! | مجلة المجتمع

العنوان قلبي معكم!

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-2020

مشاهدات 58

نشر في العدد 2146

نشر في الصفحة 50

السبت 01-أغسطس-2020

قلبي مع مَن سيفتقد رؤية ملايين المسلمين والمسلمات وقد اجتمعوا بمكان واحد لرب واحد في مشهد مهيب

من رغب في الحج ولكنه عجز عنه لسبب خارج عن إرادته فليبشر بثبوت الأجر من الله تعالى

ليكن فيما حصل دافع لتجديد العزم والنية للحج لمن لم يطرق الشوق باب قلبه

سارعوا بالأعمال الصالحات قبل أن يحل بكم حائل يحول بينكم وبين القيام بالقربات

قلبي معكم يا من نويتم الحج هذا العام، ولم تستطيعوا ذلك بسبب فيروس «كورونا»، أكاد أتخيل مَن تحطم حلمه على صخرة الواقع، وقد منَّى النفس لأعوام عديدة بأداء الفريضة، ومَن بلغ من الكِبَر عتياً، وبالكاد جمع المال المطلوب بصعوبة بالغة، ويسابق الزمن حتى لا تأتيه المنية دون القيام بالحج إلى بيت الله العتيق، أو مَن يريد أن يصحب أمه لتقوم بحجتها وقد أضناها المرض، وهو قد خطط أن يحاول أن يوفيها حقها من البر، فيكون لها خادماً مطيعاً في رحلة العمر، أو كالذي منَّ الله عليه بالربح أو النجاح أو الشفاء، ويريد أن يحج فريضة وشكراً لصاحب العطاء رب الأرض والسماء، وكان يُعِدُّ أذكار الشكر، وترانيم الحمد، وأحاديث الدعاء. 

أو مَن وقع في بلاء أو ابتعد عن أمر الله؛ فيريد أن يقترب من بيت الله، يدق بابه تائباً، ويتعلق بأستار الكعبة باكياً، ويطوف حول الكعبة ليعود إلى المسار الطبيعي في الطاعة والإنابة، وتكرار الشعيرة والمنسك.

قلبي مع مَن كانت تنتظر الشرب من ماء زمزم ليذهب الله عنها المرض، وقلبي مع مَن كان يريد أن يتجرد لله لينقي قلبه الذي ران عليه الشك والريب، وقلبي مع الزوجين اللذين كانا يريدان أن يحجا معاً، فيكون كل منهما عوناً للآخر ومشجعاً، فيصيران قلباً واحداً يلهج بالتلبية لنداء الله، والتصديق بوحدانيته؛ ليعودا أقوى حباً، وأقرب رحماً.

قلبي مع مَن سيفتقد رؤية الملايين مِن المسلمين والمسلمات وقد اجتمعوا في مكان واحد لرب واحد في مشهد مهيب، كل يشكو بثه وحزنه، ويسأل حاجته، من رب كريم رحيم.

قلبي مع مَن سيفتقد السعي مع «هاجر» على بُعد الأزمان، ولا يستطيع أن يخطو في مكان خطواتها، أو مَن كان يُمَنِّي النفس أن يكون جسده وروحه وفؤاده وقد طهروا وعلوا من بركات المكان قرب مقام إبراهيم وحجر إسماعيل عليهما السلام.

قلبي مع مَن اشتاق أن يقف مكان الرسول صلى الله عليه وسلم ويمشي في مكانٍ مشى فيه الصحابة الأبرار؛ فيستعيد ذكرى فجر الإسلام، ونزول الوحي، وانبثاق النور والهدى للعالمين.

قلبي مع مَن تكرر حجه ولكنه أجبر أن يتوقف، ففي كل مرة يزداد شوقه، وتحل عليه بركات الله، فهو الآن كالرضيع الذي منع عن أمه التي تمده بالطمأنينة والرضا والحب.

قلبي مع مَن أرادوا الحج، وقبله أو بعده يذهبون لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي تُشدّ إليه الرحال، كانوا يشتاقون للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما أبي بكر، وعمر، فحبهم لرسولهم ليس له حدود، ورؤيتهم لقبره الشريف لا يهدأ مع هذا الحب الجارف، بل يزيده قوة ومتانة.

قلبي مع مَن كان يريد أن يصلي في روضة من رياض الجنة؛ «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» (رواه البخاري)، ليتنفس أريجها، ويشم عطرها، في روحانية هي خير من الدنيا وما فيها.

وقلبي مع مَن كان يُعد لخدمة حجاج بيت الله، من شركات الطيران، وأصحاب الفنادق والمساكن والمطاعم والنقل، قلبي مع التجار الذين كانوا يبتغون فضلاً من ربهم في الحرمين ومع المطوفين وحملات الحج وغيرهم.

حبسهم العذر

إلى كل هؤلاء المشتاقين المحزونين المحبوسين، «سيجعل الله بعد عسر يسراً»، وهذا امتحان وابتلاء من الله تؤجرون عليه.

ففي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يُصيب المسلم من نَصب، ولا وصَب، ولا هَمِّ، ولا حَزن، ولا أَذى، ولا غَمِّ، حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (رواه البخاري)، ومعنى هذا الحديث أن ما يُصاب به المسلم من أمراض وهموم وأحزان وكروب ومصائب وشدائد وخوف وجزع إلا كان ذلك كفارة لذنوبه وحطّاً لخطاياه، وإذا زاد الإنسان على ذلك الصبر والاحتساب؛ كان له مع هذا أجر.

ولعل الحكمة أن يعلم الإنسان حقيقة نفسه الضعيفة، قال ابن القيم: «فلولا أنه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء؛ لطغوا وبغوا وعتوا، والله سبحانه إذا أراد بعبدٍ خيراً؛ سقاه دواءً من الابتلاء والامتحان على قدر حاله، يستفرغ به من الأدواء المهلكة، حتى إذا هَذَّبه ونَقَّاه وصَفَّاه، أَهَّلَهُ لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديته، وأرفع ثواب الآخرة، وهو رؤيته وقربه» (زاد المعاد، 4/ 195).

وأبشروا بثبوت الأجر إن شاء الله، فإن من أراد الحج ورغب فيه وتمناه ولكنه عجز عنه؛ فإن الله الواسع فضله ورحمته لا يحرمه الأجر، ففي الحديث الذي في صحيح البخاري عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة «تبوك»، فدنا من المدينة فقال: «إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً، إلا كانوا معكم»، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟! قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر».

ويقول الله عز وجل: (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {91} وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ) (التوبة)؛ فلم يصادفوا عندك شيئاً، ‏قُلْتَ‏ لهم معتذراً‏:‏ ‏»‏لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ‏»، فإنهم عاجزون باذلون لأنفسهم، وقد صدر منهم من الحزن والمشقة ما ذكره اللّه عنهم‏،‏ فهؤلاء لا حرج عليهم، وإذا سقط الحرج عنهم، عاد الأمر إلى أصله، وهو أن من نوى الخير، واقترن بنيته الجازمة سَعْيٌ فيما يقدر عليه، ثم لم يقدر، فإنه ينزل منزلة الفاعل التام (تفسير السعدي).

اغتنم الفرصة

أما من لم يطرق الشوق باب قلبه، فسوَّف وأجَّل الفريضة؛ فإن عليه العزم وتجديد نيته أن يحج متى زال العذر، وليكن فيما حصل عبرة وسبب دافع لنية الحج، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَعَجَّلُوا إلى الحَجِّ؛ فإنَّ أحَدَكُمْ لا يَدرِي ما يَعرِضُ لَهُ» (أخرجه أحمد وصححه الألباني)، فينبغي اغتنام فرصة كون الحج ممكناً والفوز بهذا الثواب العظيم قبل أن يفوت، فإن الحج واجب على الفور متى تمكن المسلم من ذلك واستطاع وتيسرت السبل وتهيأت الأسباب. 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «استمتعوا من هذا البيت، فإنه قد هدم مرتين ويُرفع في الثالثة» (رواه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححوه، وصححه الألباني)، فيُحرم من فريضة الحج من تهاون في أدائها حال استطاعته، فلينوِ كل منا أداء الفريضة حال الاستطاعة، ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد الحجَّ فليتعجَّلْ فإنَّهُ قد يمرضُ المريضُ وتضلُّ الضالَّةُ وتعرِضُ الحاجَةُ» (صحيح ابن ماجة، وحسنه الألباني).

وليكن هذا حالنا مع كل الفرائض والأعمال في كل وقت، وليس مع الحج فقط، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بادِروا بالأعمالِ سبعاً: هل تنظرون إلا فقراً مُنسِياً، أو غنى مُطغِياً، أو مرضاً مُفسِداً، أو هرَماً مُفنِّداً أو موتاً مُجهِزاً، أو الدَّجَّالَ فشرٌّ غائبٌ يُنتَظرُ، أو السَّاعةُ فالسَّاعةُ أدهى وأمرُّ» (رواه الترمذي)؛ أي: سارعوا وسابقوا في الأعمال قبل أن يشغلكم شاغل، ويحل بكم حائل، يحول بينكم وبين القيام بالأعمال الصالحات والقربات.

سنعود للحج إن شاء الله تعالى.

ستعودون للحج.. بالأمل البسام، والقلب الذي سيطير فرحاً.

ستعودون.. لـ«الزغرودة» حينما تحط الطائرة في جدة أو المدينة.

ستعودون.. للثم الحجر الأسود والتزاحم عليه.

ستعودون.. لرؤية الكعبة المشرفة بشرفها وعظمتها ومهابتها فتخرج الدموع من المآقي بعفوية ودهشة.

ستعودون.. لرفع أكف الضراعة في عرفات.

ستعودون.. تائبين عابدين شاكرين ملبين مهللين تعظمون شعائر الله مع جموع الحجيج من كل بقاع الأرض.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2122

164

الأربعاء 01-أغسطس-2018

حج المَدين.. صحيح أم باطل؟

نشر في العدد 2122

146

الأربعاء 01-أغسطس-2018

الحج.. وهموم الأمة

نشر في العدد 2181

177

السبت 01-يوليو-2023

الحـج.. ووحـدة الأمــــة