العنوان قمة الخليج والأمن الخليجي
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1981
مشاهدات 64
نشر في العدد 513
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 27-يناير-1981
على هامش المؤتمر الإسلامي: قمة خليجية تبحث التعاون الأمني بين دول الخليج العربي.
مؤتمر لوزراء خارجية دول الخليج يعقد في الكويت في وقت لاحق.
مشروع سعودي للأمن الجماعي في دول الخليج.
الكويت تطرح إستراتيجية شاملة؛ للتعاون بين دول الخليج.
قمة الخليج تعقد في ضوء حرب الخليج، وإعلان بريجنيف، وعزم أمريكا على تقوية قوات التدخل السريع.
«كارينغتون» يعد صيغة لمشروع اتفاق أمن بين دول الخليج!
لئن كان الخليج فيما مضى من المواقع الإستراتيجية والحيوية في نظر العالم، فهو اليوم يحتل المرتبة الأولى، وتحوم حوله القوات العسكرية البحرية من كل جنس ولون، وتكاد تكون تصريحات الزعماء العالميين فيما يتعلق بسياساتهم الخارجية محصورة في إبداء وجهات نظرهم في أهمية الخليج الاقتصادية، والتخوف من تعميم الحرب فيه، وانقطاع الواردات النفطية في مثل هذا الجو، وظهور بوادر «اتفاق يالطا» نفطية بين العملاقين، كيف يصنع أهل الخليج؟، وماذا أعدوا للحفاظ على استقلاله وإبعاده عن بؤر التوتر والصراع الدولي؟
حتى الآن تشير الدلائل إلى أن قمة خليجية ستعقد في مكة أو الطائف بمناسبة وجود حكام دول الخليج؛ لحضور مؤتمر القمة الإسلامي، الذي من المقرر أن يبدأ أعماله يوم ٢٥ يناير الجاري.
وقد ذكرت بعض المصادر الصحفية عشية انعقاد مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية، الذي يسبق المؤتمر الإسلامي أن زعماء الخليج سيناقشون في قمتهم المنتظرة إستراتيجية مقترحة؛ للتعاون الاقتصادي، والأمني، والتشاور السياسي بشأن الأوضاع العربية والخليجية الراهنة.
مؤتمر لوزراء الخارجية
وعلى إثر وصول وفود وزراء خارجية الدول الإسلامية إلى السعودية، ذكرت بعض المصادر الخليجية أن وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الأحمد الصباح قد بدأ بإجراء اتصالات مع زملائه وزراء الخارجية في دول الخليج العربي؛ لترتيب إجراء اجتماع خاص لهم يعقد في وقت لاحق في الكويت، وذلك للتباحث في قضايا الأمن الخليجي، وتنسيق المواقف تجاه الأوضاع الراهنة، وخاصة في موضوع الحرب العراقية - الإيرانية وطول أمدها، وكذلك في ضوء تواجد القوات الأجنبية في الخليج والمحيط الهندي.
على أن هاتين القمتين لم ينشأ من فراغ، فلقد شهدت المنطقة منذ مؤتمر قمة عمان في أواخر نوفمبر الماضي عدة تحركات سياسية نشطة، بعضها أخذ طابعًا «أمنيًّا»، وبعضها اتخذ طابعًا سياسيذًا مزدوجًا، هدفت إلى التنسيق بين دول الخليج بشأن قضاياها المشتركة، كما هدفت هذه التحركات إلى التهيئة لانعقاد المؤتمر الإسلامي بنجاح.
جولات سعودية
منذ مؤتمر «قمة عمان» قامت السعودية بحركات دبلوماسية نشطة، شملت أقطار الخليج العربي، وبعض الأقطار العربية الأخرى.
كانت أولى هذه الجولات الجولة التي قام بها وزير الداخلية السعودي الأمير نايف ابن عبد العزيز، وشملت دول الخليج الخمسة: الكويت، والإمارات، والبحرين، وقطر، وعُمان.
وفي أوائل الشهر الجاري قام وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل بجولة خليجية خاطفة، بدأها بزيارة الكويت، وقد حمل رسائل شخصية من الملك خالد إلى هذه الدول.
وتبع ذلك جولة قام بها وكيل الخارجية الشيخ عبد اللطيف الثنيان، شملت الدول الخمس قيل: إن مهمته شملت تنسيق المواقف في المؤتمر الإسلامي.
جولات كويتية
وعلى مستوى الكويت، التي تبنت الدعوة للتعاون الخليجي في مختلف المجالات منذ جولة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبد الله الصباح قبل أكثر من عام، قام أخيرًا وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد بجولة خليجية شملت: السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين، وعمان، وقد حمل رسائل شخصية من أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد إلى رؤساء تلك الدول، والاتصالات الكويتية عبر الوسائل الدبلوماسية لم تتوقف.
لماذا الاتصالات؟
ومع أن الاتصال بين دول الخليج على مختلف المستويات لم ينقطع منذ أن نالت هذه الدول استقلالها، إلا أنه يلاحظ أن هذه الاتصالات تكثف بشكل ملحوظ منذ شهر نوفمبر الماضي، فما[1] الدواعي إذن لتلك الاتصالات؟ وما المقصود منها؟!
الحقيقة أن الاتصالات بين دول الخليج اتسمت بالنشاط منذ أكثر من حوالي ستة أشهر، وكان الطابع العام لتلك الاتصالات يتسم ببحث قضايا الأمن في أعقاب حوادث التخريب والشغب، التي حصلت في بعض دول الخليج، كما استهدفت تطويق التنظيمات والتجمعات الخطرة سياسيًّا وفكريًّا، ولكن تكثيف الاتصالات منذ نهاية شهر نوفمبر الماضي - كما ذكرنا - لا بد وأن أسبابًا دعت لذلك.
ولعل أهم أسباب التسريع في الاتصالات الخليجية ما يلي: -
الحرب بين العراق وإيران: ذلك أنه بالرغم من أنها اشتعلت منذ منتصف شهر سبتمبر الماضي إلا أن دول الخليج تتصور بأن تنتهي الحرب في أقصر وقت ممكن، لكن أمد الحرب طال، وهو مرشح لأن يتخذ طابعًا استنزافيًّا يطول ربما السنوات، وفي مثل هذه الأجواء فمن المحتمل جدًّا أن تتسع الحرب، وتشمل أقطارًا أخرى.
وهنا قد تدعو الظروف لتدخل بعض القوى الدولية، التي بالتأكيد ستقلب نتائج الحرب لصالحها، وهذا ما تخشاه دول الخليج ويخشاه العالم أيضًا.
ظهور نتائج الانتخابات الأمريكية، وفوز الجمهوريين بزعامة «رونالد ريغان»، واتجاه الإدارة الأمريكية الجديدة نحو تسعير الحرب الباردة بين العملاقين، والتصميم على تطوير قوات التدخل السريع، وزيادة حجم الأساطيل والقوات البحرية المحيطة بمنطقة الخليج العربي.
دعوة «بريجنيف» لتحييد الخليج، وإعلانه منطقة سلام، واعتبار هذا النداء موجهًا لأمريكا، التي رفضته جملة وتفصيلًا. ودول الخليج التي لم ترد مباشرة وبشكل صريح على دعوة «بريجنيف» فيما عدا السعودية على لسان الأمير فهد، تخشى من أن تطور الأمور وتأزم الموقف؛ بسبب الحرب العراقية –الإيرانية قد يكون فرصة مناسبة لمبارزة حامية بين الثور الأمريكي والدب الروسي.
هذه هي أهم الأسباب السياسية، التي حدت بدول الخليج إلى الإسراع في عملية توحيد الآراء، والتنسيق فيما بينها على مختلف المستويات، الذي قد يصل إلى حد التنسيق العسكري، وهو ما تنفيه معظم دول الخليج. وبالطبع فإن هناك أسبابًا اقتصادية، وبترولية، وثقافية، وتاريخية، تدعو إلى التنسيق بين هذه الدول، ولكن الأساس يظل على أية حال يكمن في الأسباب السياسية المذكورة.
والسؤال الآن هو: إذا كانت المتغيرات السياسية في الخليج بمثل هذا الحجم، وهذه الخطورة، فماذا دار إذن بين دول الخليج من خلال تلك الاتصالات المكثفة؟
مشروع كويتي:
لقد أعدت الكويت مشروعًا متكاملًا للتعاون الخليجي ظل حبيس أدراج مكاتب وزارة الخارجية، كما ظل محفوفًا بالسرية والكتمان، وبعد أن تم تطوير هذا المشروع في ضوء المتغيرات السياسية الراهنة عرض على دول الخليج، وحمله إلى زعمائها وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد.
وقد كشف النقاب عن تلك المهمة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبد الله الصباح في حديث له مع صحيفة القبس الكويتية بتاريخ ٢٨/ ١٢/ ١٩٨٠.
ومن ضمن ما قاله ولي العهد: «إننا في الكويت لسنا وحيدين في المنطقة، ونفس الوضع بالنسبة لبقية دول الخليج العربي، ولا تستطيع أية دولة في المنطقة أن تعمل بمفردها أو بمعزل شقيقاتها، خاصة في مواجهة الأحداث المتلاحقة، وبالنسبة للقضايا المصيرية».
وقال ولي العهد: «بأن الكويت أعدت مشروع إستراتيجيّة شاملة؛ لتقوية الروابط بين الدول الخليجية العربية في كل المجالات السياسية والاقتصادية والنفطية والثقافية والعسكرية».
وكشف النقاب عن أن الأمير عرضه على زعماء دول الخليج أثناء انعقاد «قمة عمان»، كما حمله من جديد إليهم وزير الخارجية في جولته الأخيرة. والكويت الآن تنتظر ردود أفعال دول الخليج إزاء ذلك المشروع، والذي ستتم مناقشته في مؤتمر لوزراء الخارجية تم إعداده للعرض على مؤتمر القمة الخليجية.
ومشروع سعودي:
المشروع السعودي حمله أولًا وزير الداخلية نايف بن عبد العزيز، ثم وزير الخارجية سعود الفيصل، ثم وكيل الخارجية عبد اللطيف الثنيان.
وبالرغم من أن كل التصورات الخليجية لا تزال في الكتمان والسرية، إلا أن مصادر صحفية عربية وأجنبية نقلت عن مصادر مطلعة بعض بنود المشروع السعودي، ولعل صحيفة الميدل إيست اللندنية هي أول مجلة أوردت تفاصيل ولو مقتضبة حول المشروع السعودي.
قالت المجلة: «إن المشروع يطالب بتعاون واسع النطاق بين قوات الأمن الداخلي في الدول المعنية بدلًا من إنشاء حلف عسكري بينها، وذكرت بأن الخطة السعودية تقضي باشتراك القوات المسلحة النظامية؛ لضمان سلطة السيادة لكل دولة، وتسهيل المحافظة على القانون، والنظام الداخلي فيها». وأضافت: «إن المشروع السعودي يشجع دول الخليج على تحقيق «الاستقلال الذاتي العسكري»، ويستعيد المشروع بصورة قاطعة مفهوم الأحلاف العسكرية، وأحلاف الدفاع بين دول المنطقة والدول الأجنبية».
وما ذكرته «الميدل إيست» ينسجم إلى حد ما مع ما قاله ولي العهد السعودي الأمير فهد؛ ردًا على دعوة «بريجنيف» من أن «أمن منطقة الخليج يتحقق بإبعادها عن الصراعات الدولية».
قوة ضاربة:
وتشير بعض المعلومات إلى أن دولة خليجية اقترحت إنشاء قوة ضاربة، تشترك فيها السعودية والإمارات والكويت وعمان وقطر والبحرين، مهمة هذه القوة الرد على أي اعتداء خارجي يقع على أي من هذه الدول، وتكون القيادة بالتناوب شرط أن تزود بكافة الأسلحة المتطورة برًّا وجوًّا وبحرًا. ولكن هذا الاقتراح لقي معارضة بعض دول الخليج، ولم تتوفر معلومات حتى الآن في هذا الشأن، ولكن الأيام ستكشف ما لا يزال مجهولًا ومستورًا.
معلومات خطيرة:
بالرغم من أن ردود الفعل الرسمية في دول الخليج إزاء احتمالات التدخل الدولي، واتساع نطاق الحرب بأن أمن منطقة الخليج يكمن في التعاون بين أهله، إلا أن معلومات صحفية خطيرة نشرت في الكويت والشارقة ولندن لو صحت؛ لدفعت زعامة الخليج المنطقة كلها إلى ما لا يريدون وما لا يرغبون.
فقد نشرت «صحيفة الوطن الكويتية» و«صحيفة الخليج»، التي تصدر في الشارقة بأن دول الخليج العربي تبحث في إيجاد صيغة لحلف أمني جماعي، وقد عهدت هذه الدول إلى مسؤول بريطاني لإعداد مسودة المشروع. ومما يشجع تصديق مثل هذه المعلومات كثافة الزيارات الرسمية لمسؤولين بريطانيين لدول المنطقة، وعدم تكذيب هذه المعلومات أو التعليق عليها، حتى كتابة هذه السطور؛ خلافًا للمعلومات التي ذكرت بأن دول الخليج تتشاور فيما بينها للتوصل إلى اتفاقية للتعاون العسكري؛ إذ سارع وزير الدولة الكويتي عبد العزيز حسين؛ لنفي هذه الأخبار، والرد على تحذير على خاصتين بأن صيغة التعاون بين دول الخليج على قيد البحث، هي صيغة للتعاون الاقتصادي، والنفطي، والثقافي، والتنسيق السياسي، وأن هذه الصيغة ليست موجهة ضد أحد.
أما «صحيفة الأويزيرفر»، فقد ذكرت على لسان الصحفي «باتريك سيل» - الذي يوصف بالاطلاع على قضايا الخليج والشرق الأوسط - «أن وزير خارجية بريطانيا اللورد كارينغتون قد عمل على إقامة حلف أمني، يأخذ طريقه الآن إلى حيز الوجود في منطقة الخليج بزعامة المملكة العربية السعودية».
وقد يُقال بأن بريطانيا ومجموعة الدول الأوروبية باتت تتطلع إلى الاستقلال عن السياسة الخارجية الأمريكية حيال الشرق الأوسط والخليج؛ بسبب أهمية الخليج الإستراتيجية الكبرى لهذه الدول.
والجدير بالذكر أن «مبادرة أوروبية» أخذت الدعاية لها تنتشر في أوساط العالم العربي، ولكن هذه المبادرة لا تزال قيد «التحرك»، ولا يتصور نهائيًّا أن تكون بعيدة عن الموافقة الأمريكية.
حتى لو تقدمت أوروبا بمبادرة مستقلة؛ لحل أزمة الشرق الأوسط، فإنها كما دلت المعلومات التي توفرت عن نتائج جولة «غاستون ثورن»، أو مما لمح إليه بعض المسؤولين الأوروبيين، لا تختلف كثيرًا عن كامب ديفيد من وجهة النظر الصحيحة، فالحلان الأوروبي والأمريكي يؤكدان على دولة إسرائيل بحدود آمنة ومعترف بها من الفلسطينيين قبل غيرهم، وسواء أقيمت دولة فلسطينية مستقلة أو متحدة فيدراليًّا مع الأردن في المناطق التي ستنسحب منها إسرائيل، فإن الأمر سيان.
والمهم أن المحذور الذي يجب على دول الخليج أن تتجنبه هو عدم إفساح المجال لأية قوة دولية؛ للتدخل في شؤونها العسكرية والأمنية، فـ «دول الخليج» بالذات لا تزال تعاني من آثار سياسة الإنجليز، التي قسمت المنطقة إلى دويلات صغيرة، وخلقت فيما بين كل دولة وأخرى مشكلة، تسهل إثارتها كلما دعت الظروف!
إن أمن منطقة الخليج - كما قلنا أكثر من مرة في هذه المجلة - يكمن في إصلاح نوايا الحكام تجاه شعوبها أولًا، والاتجاه بها نحو تطبيق النظام الإسلامي الشامل المتكامل، والعمل على بناء القوة الذاتية مع اتخاذ السبل الكفيلة بتوحيد الأقطار الإسلامية، وبناء الخلافة الراشدة، أما الاعتماد على أعداء الأمة والركون إليهم، فلا يعود إلا بالذل والخسران، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٤٠).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل