العنوان (أوروبا) قمة مجموعة الدول الصناعية تبرز نشاز أقف الأمريكي
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1996
مشاهدات 88
نشر في العدد 1207
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 09-يوليو-1996
عقدت قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى أيام ۲۷ و۲۸ و٢٩ يونيو الماضي بمدينة ليون الفرنسية في ظروف إقليمية ودولية اتسمت بالتوتر، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وتداعياتها على المنطقة، ولئن بقيت هذه القمة رمزًا للهيمنة الغربية على سلطة القرار في العالم فإنها بدأت تكشف عن نشاز الموقف الأمريكي وعن تكريس المحور الأوروبي المنافس للأحادية القطبية الأمريكية.
وقد تزامنت القمة الثانية عشرة لمجموعة الدول الصناعية مع حادث انفجار المجمع السكني للقوات الأمريكية بالخبر «الظهران» بالعربية السعودية ووظف الطرف الأمريكي هذا الحادث لطرح ملف «الإرهاب» على رأس جدول أعمال القمة، ونجح كلينتون في تركيز الأضواء على هذا الملف وتم الاتفاق على جملة من الإجراءات من أهمها عقد اجتماع في باريس على أكثر الاحتمالات لاتخاذ عملية من أجل التصدي لهذه «الظاهرة»، كما تصفها الدوائر السياسية والإعلامية الغربية وحتى بعض الأطراف العربية، ومن بين هذه الإجراءات توسيع مجال التنسيق المخابراتي من حيث تجميع المعطيات وتوحيد الجهود المتابعة مقترفي الجرائم وتجار المخدرات.
لكن المشكل يتعلق بالخلفية السياسية والأيديولوجية التي تقود الساسة المجتمعين في القمة، فالتزامن القائم بين هذه الأخيرة وانفجار الخبر يجعل التركيز على ظاهرة الإرهاب مقترنًا بالإسلام بعد أن وجهت أصابع الاتهام في عملية التفجير إلى عناصر إسلامية متطرفة أو إلى إيران وكان وزير الخارجية الإيراني «ولاياتي» صرح لصحيفة «الحياة» بقوله: «نؤكد أننا ضد أي عمل إرهابي ونحن لا نوافق على ما حصل في السعودية أو في دول أخرى»، كما أنه انتقد بشدة وزير الخارجية الأمريكي الذي اتهم إيران بمسؤوليتها عن الانفجار، وبغض النظر عن الجهة المسؤولة عن الحادث، فإن الخلط بين الإسلام والإرهاب قد تكرس لدى الرأي العام العالمي بعد التوقف طويلًا عند العملية الأخيرة خلال قمة الدول الصناعية التي يتابعها حوالي ٢٥٠٠ صحفي بنفس الطريقة في قمة «شرم الشيخ» بمصر التي جاءت کرد فعل على العمليات الاستشهادية الفلسطينية قبل الانتخابات الإسرائيلية.
وبالرغم من الاتفاق حول الخطوط الكبرى للتصدي لما يسمى بالإرهاب، فإن خلافات بين الطرف الأمريكي وبقية الأطراف برزت خلال القمة الأخيرة للدول الصناعية حول كيفية معالجة هذا الملف، وكالعادة فإن الطرف الأمريكي كان ناشرًا في مواقفه بالذهاب إلى الحل اللاإنساني وطرح مسألة الردع الاقتصادي عن طريق فرض عقوبات اقتصادية على الدول التي يصفها بالإرهاب، وكانت الدول الصناعية الأخرى قد انتقدت المشروع الأمريكي بفرض عقوبات على الشركات الأوروبية والعالمية التي تتعامل مع إيران وليبيا وكويا.. وتعتبر فرنسا وألمانيا من أكثر الأطراف الأوروبية اعتراضا وانتقادا لهذا التوجه، فقد صرح الرئيس الفرنسي جاك شيراك خلال الندوة الصحفية بمناسبة القمة بأن «عملية عزل بلد عبر فرض عقوبات اقتصادية عليه طريقة غير مجدية» وأضاف: يجب النظر إلى كل حالة على حدة، واعتبر أن «وضع شعب كرهينة ليس لاتقاء» وهذا الموقف يؤكد مدى عزلة السياسة الأمريكية حتى داخل المنظومة الغربية الأكثر تحالفًا وتقاربًا من حيث المصالح.
الاقتصاد العالمي ومصالح الغرب:
إلى جانب ملف الإرهاب، فقد ناقشت قمة الدول الصناعية الكبرى قضايا اقتصادية لها علاقة بمسألة التوجه أو المسار العالمي لمثل هذه القضايا والذي يعني الارتباط الوثيق بين اقتصاديات دول العالم، بحيث لم يعد من الممكن فصل هذا الفضاء الجغرافي السياسي عن الآخر وذلك بعد انتشار وسائل النقل والاتصال.
ويتحدث الخبراء عن القرية العالمية، فالدول الغربية ليس باستطاعتها المواصلة في إغراق السوق العالمية بسلعها دون مراعاة للدول الفقيرة أو ما يسمى بالعالم الثالث، فهذه الأخيرة تتحول شعوبها إلى أدوات استهلاكية للمنتوجات الغربية فتكثر البطالة في صفوفها فتضطر نسبة كبرى منها إلى البحث عن مخرج إما عبر الهجرة إلى الدول الغربية أو عبر السقوط في مخالب الرشوة والمخدرات من أجل الحصول على المال بأيسر الطرق، ومن ناحيتها تجد الدول الغربية نفسها أمام دول غارقة في الديون بل عاجزة عن دفع فوائد هذه الديون.. وإن كانت هذه الحالة تخدم الدول الغربية التي تسعى إلى الإبقاء على تبعية الدول الفقيرة لها، لكن على المدى البعيد فإن هذا الوضع ينقلب إلى معضلة، وذلك عندما تضطر المؤسسات البنكية والمالية الموالية للغرب سلطات الدول النامية إلى مزيد من التقشف ورفع أسعار المواد الغذائية الأساسية فتنتج عن ذلك نقمة الشعوب وانتفاضها وتمردها على أنظمتها، وهذه الحالة من عدم الاستقرار الأمني والسياسي تعرقل العملية الاستثمارية وتهدد المصالح الغربية في مثل هذه البلدان التي تتضاعف فيها الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بانتشار ظاهرة الاحتكار الاقتصادي والفساد السياسي.
لكن مناقشة المسار العالمي للاقتصاد الدولي خلال قمة الدول الصناعية الكبرى ليس الهدف منه إعادة التوازن الحقيقي وإعادة النظر بصفة جذرية تضمن العدالة في تقسيم الثروات وتوزيع الخدمات وتكافؤ المصالح، ومتى اتفق المجتمعون على إلغاء أكثر من ثلثي ديون دول العالم الثالث فإن مصالح الدول الصناعية الكبرى تبقى هي الطاغية بحكم إمساك هذه الدول بالقرار الاقتصادي وبالمساعدات للدول الفقيرة أو النامية بحسب قبولها باتباع النمط الغربي القائم على اقتصاد السوق، علمًا بأن مدير البنك العالمي جيمس ولفنسون حضر لأول مرة أعمال قمة من هذا النوع.
المنظمة الدولية وانضمام روسيا:
كما حضر هذه القمة جاك سنتار رئيس المجموعة الأوروبية ببروكسال «بلجيكا» والأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي، وبخصوص هذا الأخير فإن بيان القمة حول المنظمة الدولية لم يشر إلى الجدل الدائر حول منصب الأمين العام، خاصة وأن الولايات المتحدة معارضة لإعادة ترشيح غالي لفترة ثانية، بل هددت باستخدام حق الفيتو إن لزم الأمر، وتأخرت في تسديد مستحقاتها للمنظمة الدولية التي تعاني من أزمة مالية، واكتفى بيان قمة المجموعة الصناعية الأخيرة بالقول: «إننا مقتنعون بضرورة إحراز تقدم باتجاه إعادة تنشيط وتقوية وإصلاح نظام الأمم المتحدة لكي تتمكن من مواجهة التحديات التي تواجهها» وفي المقابل فإن فرنسا ودولًا أخرى تقف وراء إعادة ترشيح غالي بداية العام القادم.
من ناحية أخرى طرحت القمة مسألة انضمام روسيا إلى مجموعة الدول السبع وهي: الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا واليابان، وتختلف وجهات النظر حول هذه المسألة فالطرف الأمريكي هو الأكثر تحمسًا لهذا الانضمام انطلاقا من أن روسيا تحضر منذ ۱۹۹۱م أعمال القمة وتشارك في المحادثات المتعلقة بالشق السياسي، وعبر كلينتون الذي سيستضيف أعمال القمة في السنة القادمة بدنفر» عن أمله في أن تتحول روسيا إلى شريك كامل، وكذلك كول فإنه من المتحمسين لهذا الانضمام، لكن فرنسا يبدو أنها متحفظة من توسيع المجموعة في انتظار وضوح التطورات السياسية التي ستفرزها الانتخابات الرئاسية، وصرح شيراك بأن التوسيع محتمل لضم دول أخرى مثل «القوى الكبرى وخاصة من الجنوب».
الشرق الأوسط والبوسنة:
ويفسر التركيز على موضوع الانضمام الروسي إلى قمة الدول الصناعية الكبرى بمشاركة روسيا هذه الدول في معالجة ملف الشرق الأوسط وما يسمى بمسار السلام إضافة إلى ملف البوسنة، وكانت القمة الأخيرة قد أكدت على المسار الذي تم اعتماده لحل أزمة الشرق الأوسط وحثت نتنياهو على عدم التراجع عن المكاسب» التي تم تحقيقها لإقامة نظام شرق أوسطي باسم السلام في المنطقة، ويبدو أن الأطراف المشاركة في القمة متخوفة من تراجع عملية التطبيع وعودة حالة اللاحرب واللاسلم إلى منطقة الشرق الأوسط بعد صعود الليكود إلى الحكم، أما بخصوص البوسنة فقد طلبت الدول المشاركة في القمة من زعيم صرب البوسنة كارانجيتش التنحي عن منصبه على الفور، كما عبرت عن استعدادها لفرض عقوبات على أي جانب ينتهك اتفاق السلام في البوسنة إن لزم الأمر.
ويبدو أن الطلب الأول ليس مجرد تكتيك الإبراز القوى الكبرى الغربية على أنها الممسكة بزمام الأمر في البوسنة ضد الصرب الذين تمردوا على القوانين والأعراف الدولية، وتكفي الإشارة إلى أن كارانجيتش يتمتع بكل حريته في التنقل والتصريح والفعل وهو المطلوب لدى المحكمة الدولية بلاهاي كمجرم حرب.
وعلى العموم فإن قمة الدول الصناعية الكبرى حافظت على نسقها من حيث الاجتماع لصنع القرار في العالم وذلك منذ نشأتها عام ١٩٧٥ بمبادرة من الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان، لكن التطورات الإقليمية والدولية تبشر ببروز كيانات جديدة منافسة للقوى الغربية وتسعى للمشاركة في صنع القرار الدولي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل